الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الثقافة"

الفن الحديث، تاريخه ونزعاته

Share

جماعة الشياطين "fauves" :

كان جوجان من زعماء نزعة ما بعد التأثرين "impressionism Post - " الذين تحمسوا للضوء وتأثيره , وعملوا على التوفيق بين رغبة التغالي في تصويره ، وبين الرأي الذي نبت بعد ذلك داعيًا إلى أن يكون الفن الحديث أكثر رسوخًا ، حتى يصبح له مركز خالد كما كان للفن القديم . ثم تأثر جوجان بفن سيزان وعمد إلى التبسيط ، فأجرى من التجارب الشيء الكثير . ولما كانت ميوله وأحلامه دائمًا متجهة شطر جزر المحيط الهادي وشعوبها حيث الحياة على فطرتها ، فإنه سافر إليها وهناك شرع في التصوير بتبسيط يتناسب مع بساطة المعيشة هناك وسهولتها . ثم عاد إلى باريس في أواخر القرن التاسع عشر عميدًا لنرعة جديدة ، وداعيًا لتحرير المدنية والفن من كثير من قيودهما العصرية .

وكانت قد حلت بالطبقات المثقفة في ذلك العصر موجة ركود ، وصفها المؤرخون على أنها " نهاية خاملة لقرن من النشاط ، أدت بهم إلى مدنية موبوءة" . ثم دب الصحو في الأذهان ، وصاح الفنانون قائلين : " إن عليهم وحدهم واجبًا مقدسًا يجب أن يقوموا به ، هو تحرير فن التصوير الحديث من قيوده التي أصبح يرسف فيها ، بعد أن أصبح موبوءًا تبعًا للوباء المتفشي في المدنية الحديثة ، وإن عليهم وحدهم أن يبدءوا بالفن نشأة طفل حديث ، أو نشأة شخص بدائي على الفطرة " . وبذلك هبت بنزعة " ما بعد التأثريين "

عاصفة تغيير وتبديل ، وظهرت جماعة من المصورين سنة ١٩٠٥ ، أطلقوا على أنفسهم اسم الشياطين Fauves جعلوا نصب أعينهم البعد بالتصوير الحديث عن المغالاة في تصوير نواحي التفكير العلمي .

وربما كان الداعي لاتخاذهم كلمة الشياطين اسمًا لهم ، هو الرغبة في التشبه بهم في السرعة والمقدرة والمجازفة ، ولكني أربأ بهم عن روح الشر التي يوحي بها هذا الاسم ، فقد كانوا مخلصين في عزيمتهم ، جادين في نياتهم الحسنة ، لما كانوا يعملون على تبسيط التصوير وتيسيره ، وعلى استعمال أقل الوسائل للوصول إلى أقصى قوى التعبير ، كما ترى في صورة زعيمهم هنري ماتيس لسيدة . وها نحن إذ نتأملها نبادر بالإعجاب بها لقوة إخراجها والسهولة البادية في رسمها ، فتظل ذكراها في أذهاننا دائمًا .

نزعة التكعيب Cubism :

علمنا أنه في نهاية القرن الماضي وفي بداية القرن العشرين ، اتجه الميل إلى فن الزنوج وأهل العصور الأولى . وقد عمد بعض فناني ذلك العصر إلي بديهية علمية في التعدين وعلم طبقات الأرض ، تقول : إن البلورة هي أبسط

أشكال التكوين ، فاتخذوها نواة لتفكيرهم ، وعملوا على أن يطبقوا نظام البلورة على تصويرهم . وحدا بهم منطقهم هذا إلى القول بأنه لكي تكون صورهم مبسطة وعلى الفطرة ، يجب أن تمحى منها الأقواس والمنحنيات ، وأن يصبح رسمهم للوجوه والأجسام وغيرها مكونًا من خطوط وأشكال هندسية ذات أضلاع مستقيمة ، لأنها أبسط أنواع الخطوط . وظهرت رسوم كل من جورج براك الفرنسي وبابلو بيكاسو الإيطالي ، وهما مؤسسا تلك النزعة ، على هذا النمط . وكان ليجيه الفرنسي من أشهر أتباعهما ، وله صور تكعيبية عديدة ، منها صورة الخياطة ، وهي مثال جيد لهذه النزعة في طورها الأول .

ثم نظموا تفكيرهم ، وصاغوا أساس نزعتهم في صورة قانون قالوا فيه : " إنه ما دامت القوة والجمال صنوان ، وإن الخط المستقيم أقوى من الخط المنحني ، فلا بد أن تكون

الصورة المكونة من خطوط مستقيمة أقوى من تلك المكونة من خطوط منحنية ، ومن ثم فهي أجمل منها" . وفي هذا المنطق خطأ بين ، فالزهرة مثلا جميلة ، رغم تقوس وريقاتها ، والقنطرة المقوسة أقوى من القنطرة الأفقية المحملة على عمادين رأسيين ، كما هو ثابت في فن العمارة ، وأكثر منها جمالا

ولو اقتصر أمر نزعة التكعيب على هذا النحو لاستتب الأمر على حال معين ، ولكنه انتقل من تحوير الشكل العادي لخطوط ومكعبات وأشكال هندسية مستقيمة ، إلى تقسيمه إلى أجزاء هندسية يبعثرها الفنان بدون نظام في غير مواضعها الأصلية . فقد عرف عن بيكاسو أنه كان لا يقنع بالتكعيب العادي ، بل يعمد إلى تحوير أي نموذج ، مهما كان سهلا ، إلى شكل غامض لا يفسر بسهولة ، مكون من قطع بعضها مرسوم من عل ، وبعضها مرسوم من

جانبه ، والبعض الآخر مرسوم من أسفله . وهو يقول إنه يراها وهي في هذه الأوضاع التي اختارها ، ذات مظهر أقوى مما يراه غيره ، وكان لا يعنى بترتب هذه الأجزاء ، ترتيبًا متجانسًا متجاورا في أماكنها الحقيقية ، بل ينقلها كما يشاء ، وكان لا يهمه أن يتركنا في حيرة لا نفهم

رسومه ، ولا ندركها على طبيعتها التي خلقت عليها . وإنك إذا تأملت صورته التي سماها " السيد كانويلر " لوجدت نفسك أمام لغز قد تفسر منه رسم قطعة من صديريته ، وجزءًا من سلسلة ساعته في وسط الصورة ، وفوقها بعض ملامح العين والأنف والأذن . أما بقية جسم " السيد كانويلر " فمبعثرة ضمن أوراقه وملفاته وأدوات مكتبه ، وبضعة أشياء لا يمكن لغير راسمها أن يتعرف إليها .

وإلى القارئ صورة أخرى لبيكاسو هي " المصور ونموذجه " رسمها سنة ١٩٢٨ فنالت مكانًا معروفًا في الأوساط الفنية ( شكل ٥ ) . وقد صور بيكاسو نفسه فيها جالسًا في الجهة اليمنى من الصورة أمام حامل التصوير ، وفي إحدى يديه لوحة الألوان وفي الأخرى سكين الألوان . وهو مستغرق في التصوير عن نموذج حي اتخذ وضعًا معينًا في الجانب الأيسر من الحجرة ، وقد رسم منه على قماش اللوحة الظاهر في وسط الصورة شكلًا جانبيًا لوجهه . وهناك خلف الوجه المذكور منضدة سطحها أحمر (في الأصل) عليه تفاحة خضراء ، وقد علقت فوقها مرآة ذات إطار ، وتفاحتان موضوعتان على قاعدة النافذة ، صُورت إحداهما بالقرب من رسم الوجه . ومما يلاحظ على هذه الصورة ، أن كل ما فيها مرسوم بالتكعيب وعلى أصول الرسم المعنوي abistract إلا شكل الوجه الجانبي المرسوم على قماش اللوحة فإنه مرسوم بالطريقة الطبيعية العادية . فإذا لاحظنا أن هذه الصورة مرسومة سنة ١٩٢٨ وقت أن كانت نفسية بيكاسو قد تناولتها عوامل جديدة نشأت عن بزوغ النزعات الأخرى التي تلت

التكعيب والتي كانت له في تطوراتها شأن كبير ، زالت الدهشة من نفوسنا لهذا التغيير الذي عاد فزعزع طريقته التكعيبية ، وقد أراد بيكاسو أن يصور رؤيته للموضوع ، فرسم حزمة من الأشعة تخرج من عينيه ثم تتقاطع على ذنب سكين الألوان ، وتعود فتنتشر بعده حتى تسقط على قماش اللوحة فتكشف عن رسم الوجه الجانبي .

وعلى هذا النحو تطورت النزعة الجديدة ، وهي التي كانت ترمي في البداية إلى التبسيط على نمط فنون الزنوج وأهل العصور الأولى ،

وانتهت كما ترى إلى التجريد والتعقيد والغموض ! (همام)

اشترك في نشرتنا البريدية