النزعه الاستقباليه Futurism ؟
أدت نزعة التكعيب إلي إنتاج صور غريبة وأشكال ملتوية ، انتهت إلي ما يشبه الالغاز والاحاجي ، فكان من الطبيعي ان تتولد عنها نزعة اخري تقوم على اساس جديد . فظهر السنيور مارينتنى سنة ١٩٠٩ في الميدان ، ناقدا مهاجما ، ثائرا على الماضي يريد أن ينكر ما له من فضل التمهيد للحاضر ، وان يقمط مجده التالى الذي قامت المدنية الحديثة علي أساسه . وقد أدي به هذا المنطق إلي اتخاذ اسم النزعة الاستقبالية لمذهبه الجديد في الأدب والفن ، فهو لا يعني إلا بالمستقبل ، غير مكترث بالماضى وتجاربة ، وهو منصرف عن اساليب الطبيعة وطرفها العادية ، وغاية ما يتمناه هو ان تتوفر للتصوير في الفن الحديث الحرية التامة ، كما هو الحال في الموسيقى ، حتى يتوفر للناس شعورهم بالسرور الحسي المجرد .
بدأ مارينتي ينادي بهذا الرأي في باريس سنة ١٩٠٩ ، ثم انضم إليه في سنة ١٩١٠ خمسة من نوابغ الفنانين في ايطاليا هم : بوكتسيوني ، كارا ، روستولو ، بالا سيفيرتي ، ثم كاندفسكي البولندي سنة ١٩١٣
وقد تنجح الموسيقى في هذه النظرية ، فتخرج لنا ألحانا تطربنا من غير حاجة لمحاكاة الأصوات الطبيعية أما ان يرسم الصور موضوعاته دون تمثيل لوحدات الطبيعة فأمر يحوم حوله الشك ، ولو اننا قد نري في بعض الاحيان تصميما لمجموعة الوان خالصة ، فنعجب بها لأنها تبعث السرور او الرهبة او اي عاطفة اخري في نفوسنا ، وأضرب لذلك مثلا بالضوء المنبعث خلال الزجاج
الملون في نافذة ما ، ولكني استطيع أن أحكم دون تردد انه لم ينشأ حتي الآن المصور الذي يستطيع ان يقدم لنا تصميما صرفا لألوان مجردة عن المادة ، يكون أثرها أكثر بهجة للنفس من تصميم لآلوان مجموعة مادية
وتمادي الاستقباليون في رأيهم فقالوا إن التصوير المجرد ليس خبالا او وهما ، بل هو مبني علي تأثيرات نفسية في الذهن لكل ما يقع عليه البصر من الخطوط والالوان . وهم لم يطلقوا على صورهم اسماء معينة ، بل كانوا يكتفون بتسميها Composition اى إنشاء ، وكانوا يقولون إن الحسيات والمرئيات هي وحدها التى تدلنا على المعاني النفسية والروحية ، ويستدلون على ذلك بصورة الفنان كاندفسكي ( شكل ١ ) التي يوحي فيها بذلك الآثر الواهي
لشكل المدفع المرسوم في الركن الأسفل لليمين، وللدخان المتصاعد من فوهته، ولمنظر المنازل الهاوية الظاهرة في بقية انحاء الصورة ، إلي ما يستشعر به الإنسان من " روح الصراع والحرب والمقاومة والخلاف في الرأي " . وهذا هو النحو الذي يرغب في أن يعبر عنه الفنان الاستقبالي في صوره
وقد استسلم لهذا الرأي بعض فناني إيطاليا ، وزادوا عليه رغبة ملحة في إجادة تمثيل " الحركة وقوة الاندفاع والسرعة " ، ولكنهم كانوا في طريقة التلوين عند رأي الفنانين التأثريين وما بعدهم ، يدينون بالضوء واللون ، ويقولون إننا ونحن نعبد الحركة والضوء وتعتبرهما قوتين نافذتين ، نراهما يتغلبان على المادة ويستنفذانها .
وهذه صورة " الثورة " من عمل روبتولو سنة ١٩١٠ ( شكل ٢ ) بالغ فيها الفنان في اتباع الطريقة التجريدية ،
ومثل الحركة فيها بتصوير تلك الزاوية المندفعة في الوسط نحو اليسار ، المتكررة في عدة اوضاع متوازية ، والتي نفذت في المباني فغيرت من مواضعها الطبيعية ، شأن الثورة تقلب الأشياء رأسا على عقب . وقد صور الفنان الأشخاص فيها على شكل رموز ظاهرة في داخل الزاوية الأولى في طابور مضغوط يوحي بالكثرة الزائدة . وهذه الصورة مثل رائع للتعبير عن الحركة تعبيرا قويا وبطريقة مبتكرة ليس لها بالماضي أي اتصال . وهذان هما الأساسان اللذان قامت عليها النزعة الاستقبالية .
ومن الأمثلة الطريقة للتصوير الاستقبالي ، صورة سيدة وكلبها ( شكل ٣ ) وقد حاول الفنان أن يصور
فيها الحركة ، بأن رسم مخالب الكلب وذيله والسلسلة التي تقوده وخطوات سيدته في اوضاع مختلفة ، كانها فلم سينمائي ، ليصورهما لنا في حركة المشي
بمثل هذه الصور أراد الفنانون الاستقباليون أن يحولوا التصوير من فن مداره الابعاد والمسافات ، إلي فن يعر عن الوقت والزمن وما ذلك إلا نتيجة الاضطراب والتهيج والزعزعة ، التي عمت العالم قبيل الحرب العالمية الكبرى .

