الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 193الرجوع إلى "الرسالة"

الفن المصرى

Share

٢ -  النحت

يكاد لا يختلف اثنان في تقدير الفن المصري القديم وخلود  عظمته. بل والتأكيد بأنه أصل الفنون جميعاً؛ ذلك الذي حدا  بكثير من علماء الفن والآثار إلى الاشتغال بتحديد الصلة بين الفن  المصري وبين ما جاء بعده من فنون الإغريق وغيرهم، والقول  بأن الإغريق أول من اقتبس عن المصريين، ويدللون على ذلك  بمقارنات قياسية بين تصميم المعابد المصرية، ونظيرها عند الإغريق  كما يقارنون بين منحوتات المصريين وبين منحوتاتهم في أول عهدهم،  ويحاولون إيجاد الشبه والمخالفة بين الاثنين، ثم تراهم يعرجون  بعدئذ على قواعد غاية في الدقة تؤكد صدق قولهم، منها تناسب  الأعضاء، وتشابه المجموع الكلي وتناظر الإنشاء الشكلي

كل هذا قد يكون صحيحاً إلى حد كبير، ولكن أهم ما يجب  علينا أن نعرفه، هو أن الفن المصري بدأ ونما وازدهر، ثم انحط  وانتهى دون أن يصل في مرحلة من مراحله إلى المثل الأعلى بمعناه  الفني، لأنه لم يمثل الحقيقة تمثيلا يدل على سمو الخيال وروعة التصور  وكان هذا ولا يزال معدودا من القصور الحتمي الذي لم يمكن للتخلص  منه بد، لأنه نجم عن طبيعة أرض مصر، ونفسية أهلها، وصفاء  سماء بلادهم، وسهولة العيش دون الكفاح الكثير، وبالرغم من  أن مرحلة الحضارة المصرية استغرقت حوالي ثمانية أضعاف الوقت  الذي استغرقته حضارة الإغريق، فإنه للأسباب الطبيعية المذكورة  لم يصل الفن المصري إلى ما وصل إليه الإغريقى.

وإذا كنا لا نزال نذكر ما قلته عن بعض منحوتات اكروبوليس  أثينا ومعبد بارنتون. وما يحتويه من تلك القطع الرائعة التي مثلت  الحياة خير تمثيل، وفي قوة وصلت إلى أقصى ما يمكن أن يصل إليه  الفن إطلاقا. أمكننا أن نعرف بالمقارنة مدى ما وصل إليه المصريون

في هذا النوع من الفن، معرفة أقرب إلى الحقيقة العلمية منها إلى  حشو القول!

لون المصريون كل ما تركوه بمقابرهم وأهرامهم ومعابدهم  بألوان صناعية اتخذوا بعضها من الأرض. هذا عندما كانت من  الحجر الجيري أو الرملي، أما في الحالات الأخرى حيث كانت من  حجر الجرانيت الوردي أو الأسمر. أو حجر البازلت أو الديوريت  أو السربنتين، فإنها تركت بدون تلوين اكتفاء بلونها الطبيعي. على  أنه من المناسب أن اذكر شيئا عن الألوان الصناعية وكيفية عملها،  فاللون الأبيض كان من الجبس المخلوط ببياض البيض أو العسل،  والأصفر من الصنوبر أو الطفل، والأزرق من مسحوق حجر الزبرجد  أو من سلفات النحاس، أما الأسود فكان من مسحوق العظام المحروقة. وإذا وجدت تماثيل خشبية أو حجرية من التي تقبل امتصاص  الألوان وكانت غير ملونة؛ فان هذا راجع في الغالب إلى زوال  الألوان بمرور القرون، أو لأنها تركت قبل إتمامها لطارئ لم يكن  في الحسبان.

من هذا ترى أن الصلة بين النحات أو المثال وبين المصور أو  بين المنمق كانت قوية وضرورية لإكمال الإنتاج الفني، وكان هذا من  أهم العوامل التي مهدت السبيل إلى وجود شبه عظيم في تكوين كل  من التماثيل والمصورات، بل إنك لترى ما هو اكثر من ذلك، إذا  قارنت التماثيل بالمصورات من حيث الفكرة والإنشاء، فتقف  حينئذ على مدى ارتباط كليهما بالآخر من حيث الناحية الفنية،  والمنهجية، نعم كانت المنحوتات والتماثيل مجسمة، على حين كانت  المصورات نصف بارزة أو محفورة أو مسطحة، فكان هذا دافعا  إلى تصويرها من الجانب، ولعله من الضروري أن أشير هنا إلى حالة  شملها النحت النصف البارز والمحفور كما شملها التصوير، ولم تكن  تعرف ولم تشاهد إلا في الفن المصري وحده. هذه الحالة التي تعد  طابعا مميزاً(caracteristic) تتلخص في أن المصور جعل  تصويره للإنسان كما لو كان ناظراً إليه من الجانب لمجموع الرأس  والساقين والقدمين، وكما لو كان مشاهداً إياه من الأمام للعينين  والصدر واليدين، فهذا رغما عن أنه خطأ، إلا أنه استمر طوال  أيام الفن المصري كله منذ بدأه حتى نموه وازدهاره الذي أعقبه  الانحطاط والانحلال، إلا في بعض الأحيان التي لا يمكن اعتبارها  قاعدة للفن من ناحيته العامة، ولم يعرف للآن شيء عن الدافع لهذا

اللهم إلا إذا كانت العينان والصدر واليدان أهم ما في جسم الإنسان  من أعضاء في اعتبار المصريين إجمالا أو في نظر الفنانين على وجه  الخصوص.

أما تاريخ النحت الكامل والنصف بارز(Relief) فهو وصف  شامل لمراحلهما منذ عصر المملكة القديمة، خصوصا في عهد  الأسرتين الرابعة والخامسة إلى آخر أيام النهضة المصرية، ولما كان  المجال لا يسمح بدرس هذا التاريخ تفصيلا، فإننا هنا نعالج تطور  هذين الفنين المرتبطين معالجة اقرب إلى الإجمال منها إلى التفصيل،  متخذين من بعض التماثيل نماذج كافية بعض الشيء للتطور والتقدم.

كانت عناية المثال والنحات في عهد الأسرتين الرابعة والخامسة  (٢٧٢٠ - ٢٥٦٠، ٢٥٦٠ - ٢٤٢٠ ق. م.)  منصرفة إلى الاهتمام  بإخراج ملامح الوجه دقيقة التفاصيل صادقة التناسب، أما بقية الجسم  فكانت في المرتبة الثانية من حيث الدقة وصدق المحاكاة، بل إن هذه  البقية كانت أحيانا كانت رمزية اكثر منها حقيقية.'

وأهم تماثيل هذه المرحلة - التي تعد من أهم مراحل النحت المصري  مما يناسب المقام هنا، تمثال الكاتب المحفوظ بمتحف اللوفر وبمحتف  القاهرة أيضاً.

والمشاهد للثاني منهما، يراه جالسا على الأرض جلسة أقرب  إلى تلك التي يجلسها الشيوخ القارئون   (ش١) ، واضعا  قرطاسا على فخذيه، ممسكا بالقلم بيمينه   (المفروض هو أن يكون التمثال  هكذا)  شاخص العينين، تدل ملامح وجهه على سحنة مصرية وتمثال شيخ البلد تجده واقفا في شيء من اليقظة وضخامة الجسم

التي يجب أن تتوفر في من يقوم بالشياخة. كما ترى بالجزء الظاهر من  هذا التمثال الخشبي   (ش٢)  تناسب أعضاء الوجه وحسن إخراجها  إلى حد بعيد، أما ملامح الخلقة فتعطيك فكرة صادقة لمهمة هذا  الرجل، فهو بها اقرب إلى الآمر منه إلى المأمور. وتمثاله الكامل    (بمتحف القاهرة)  واقف وبيسراه عصا طويلة وصل ارتفاعها إلى  الكتف، متناسبة من حيث غلظتها مع طولها والطول الكلي للتمثال. والصورة الثالث تبين تمثالين، الأيمن منها للأميرة نوفرت،  والايسر للأمير راحوتب   (بالمتحف المصري)  من أمراء الأسرة  الرابعة. جلسا جلسة متناظرة تكاد تكون متشابه على مقعدين  متساويين في الارتفاع، وترى على كلا المسندين على يمين ويسار رأس  كل من الأمير والأميرة كتابة هيروغليفية دلت على شخصيتهما.

انظر إلى الأميرة. وتأمل إلى أي حد بلغت قدرة الفنان المصري  في ذلك الحين، فاستطاعأن يصور لك الاحتشام والجمال بكل معانيها.  ولاحظ اختفاء الذراع اليسرى واليمنى. إلا اليد فهي مبسوطة اسفل  الثدي. ولم يخرج بروز الثديين عن حدود أصول الجمال والذوق  والتناسب مع الشكل العام. تجلس الأميرة شاخصة إلى المثال وقد  تحلى عنقها وأعلى صدرها وحول الرأس بجواهر سبق المصريون فيها

كل من عاصرهم أو جاء بعدهم. وعناية الأميرة بشعرها كما يتضح  من مظهره، كانت بلا شك فائقة. فتراه قد استرسل على الأذنين  وغطى جزءاً من الجبين، أحاطته من أعلى الرأس بطوق بديع الصنع  ساعد على حفظ تصفيف الشعر كما زاد في تجميل الرأس دون ازدحام.  والوجه جميعه دقيق الإخراج، جميل الوضع، رائع التناسب. أما  جلستها مع ضم الساقين بعضهما إلى بعض فهي وإن كانت من القيود  التي أبعدت الحياة عن مجوع التمثال، إلا أنها تدل إلى حد كبير على  نبل الجالسة وسمو شخصيتها.

وجلس الأمير راحوتب في وضع متشابه مع الأميرة، ترى  لأول وهلة أنه خالفها لوناً ومظهراً. فهو لم يغط من جسمه إلا الجزء  الأوسط فضلا عن لونه الأسمر على نقيض الأميرة. ارتفعت  الذراع اليمنى عن الصدر قليلا واليد مقبوضة الأصابع. كما تمتد الذراع  اليسرى حتى تتمكن اليد من لاستناد على الركبة وهي مقبوضة  الأصابع بشكل يتناسب وتوفر الإرادة في صاحبتها. والتمثال في  مجموعه يعطيك فكرة واضحة لحسن انتباه الفنان حيث ترى البساطة  في الملامح والمجموع الكلي.

وإذا انتقلنا إلى الأسرة الثانية عشر فجأة، فذلك لإمكان إدراك  الفوارق بوضوح، فالتمثال   (ش٤)  يمثل أحد رجال الدولة جالساً  بلباس ربما كان مخصصاً لأمثاله في ذلك الحين، وبالنظر إليه إجمالا

تجد الجسم مغطى من أعلى القدمين إلى اسفل الثديين، كما نرى الرجل  قد ترك الشعر مسدلا على الكتفين وقد اكتسب الوجه، علاوة  على دقة تفاصيله شيئاً من الحياة، لاحظ تلك الابتسامة الضئيلة التي  ارتسمت على محياه ثم تأمل في الإنشاء المجموعي ولاحظ مع هذا أن  التمثال مصنوع من الجرانيت. أما طريقة وضع متجاورين، واليدين  أعلى الفخذين: فهذه هي نفسها الحالة التي شاهدناها بالتماثيل السابقة  مع الفارق الزمني الفسيح.

ولعل تمثال أمينحوتب   (ش٥)  أشبه بتمثال الكاتب   (ش١)   من حيث الجلسة، أما اهتمام الفنان بتقليل طبيعة الجسم البشري من  حيث الاجتهاد في إظهار الثنايا اسفل الثديين وأعلى البطن فهو  جدير بالنظر. تأمل ما طرأ على مظهر الرأس وملامح الوجه من  علائم التفكير، والكيفية التي استطاع الفنان بها إظهار العينين  والحاجبين. ثم الشعر وما فيه من تجاعيد زادت في حسنه، كل هذا  دليل التطور والتقدم.

وكانت الأسرة الثامنة عشرة غنية بتماثيلها   (١٥٥٥ - ١٣٥٠  ق. م.)  وبالنظر إلى إحداها   (ش٦)  ترى أن الشكل العام للتمثال  اصدق محاكاة، واجمل تناسباً في الأعضاء مما سبق مشاهدته، والشيء  الجديد الذي نلاحظه هنا هو تحلية الرأس بالأفعى المقدسة، فضلا  عن ظهور الجسم على جانب كبير من جمال التكوين، وربما كانت  الإذنان من احسن الأجزاء  التي يمكن مقارنتها مع  ما شاهدناه في أحد  رجال الدولة   (ش٤)   وشيخ البلد   (ش٢)  إذ  تتضح بذلك العناية بمختلف  أجزاء الجسم مما يدل على إدراك  أصول الجمال العام كنتيجة  للتقدم العظيم في عهد المملكة  الحديثة.

وفي تمثال رمسيس الثاني    (ش٧)  مع ضآلة ما هو  ظاهر منه ترى تفاصيل الوجه  من جانبه دقيقة كما يبدو  الجسم متناسب الأعضاء أما  القدرة التي تجلت في تكوين  القدمين والأصابع فهي  جديرة بالاعتبار حقا .

والزائر لمتحف القاهرة يستطيع بزيارة الصالات التي روعي في  ترتيب محتوياتها تدرج تاريخي، أن يأخذ فكرة شاملة لفن رائع  جمع إلى القدم، جمالا خاصا ميزه على سائر منحوتات غيره من الشعوب.

(لها بقية)

اشترك في نشرتنا البريدية