المسرح يقاسي اليوم محنة عسراء , محنة يدرك وطأتها أهل الفن , ويخشون منها أسوأ العقبى . ولست أعنى مسرحتا المصرى وحده , فالمحنة عامة يصلى نارها المسرح كله فى العالم المتحضر أجمع
لا يغرنك ما عسى أن تراه من إقبال الناس على دور التمثيل , وما تشهد من شغفهم بها فى مختلف الأمم فإن الحقيقة الواقعة التي يعرفها الواقفون على بواطن الأمور أن المسرح لايستطيع الثبات فى الميدان الفنى , معولا على نفسه , مكتفيا بقوله ؛ فهو فى غالب شأنه ينشد العون , ويلتمس من العوامل المصنوعة مايكفل له البقاء والاستمرار
لقد أتى على المسرح حين من الدهر لم يكن فيه مفتفرا إلى مؤازرة وناصر , وإنما كان في ازدهاره وتألقه موفور القوة , شديد الامس , مشارا إليه بالبنان . فأما اليوم فأنه يفقد ما سلف له من تألق وأزدهار , بل إنه ليبلغ منه
الإضمحلال كل مبلغ , حتى أن بعض النقاد ليبيادرون إلى نعيه , والترحم عليه , وما زال فيه رمق , وما برحت تتردد فيه أنفاس !
ولو صدق هذا التطير بمستقبل المسرح , لكان ذلك رزءا يثير الأسى ويستتبع الحسرة , فللمسرح من العشاق والمشايعين خلق كثير , وإنهم ليعدون رحيله عن عالم الفن زوالا لمظهر أنيس جذاب , صحب الإنسانية ردحا من الدهر وكان له أطيب الأثر في صقل الأذهان وتبصيرها , وفى رياضة النفوس والترفيه عنها
فماذا دهى المسرح حتى تفشاه هذا الاضمحلال ؟ وما تلك الأسباب التى تسوغ التشاؤم بمستقبله ، وتوقع القضاء عليه ؟
ربما تباينت الأسباب واختلفت , بيد أنها تتجمع كلها فى كلمة واحدة , هى : " السينما "
حقاً لقد استطاعت (السينما) خلال ثلث قرن أن تزعزع قواعد المسرح، وأن تنال من سلطانه. . . وهي التي تديل دولته إن كان مقدراً عليه أن يصير إلى زوال
نشات هذه " السينما " تعمل فى ميدان المسرح نفسه منتهجة أغراضه متخدة أدواته , ولم تكن نشأتها ضربا من العبث , أو لونا من التطفل , وإنما كانت وليدة عوامل طبيعية قضى بها حكم الحياة ونظام العمران
لقد أخذ العالم منذ القرن الماضي يصطنع الآلة في شتى أسباب العيش، فكانت (السينما) نتيجة من نتائج هذا التطور الآلي، وكانت لوناً من ألوان التطبيق العملي له، فهي إذن مظهر طبيعي يلائم العصر، ويساير التجدد
من صرف القول أن تعد " السينما " خصما للمسرح فالفن السينمائى فى جوهره هو ابن المسرح وربيبه , تخلق من لحمه ودمه , واغتذى بلبانه , فهما معا يتقاسمان عناصر الفن من رواية ومنظر وممثلين
فإذا أردت الدقة والتعمق تجلت لك " السينما " على
انها امتداد للمسرح , أو تطور له , وفقا لحقيقة التجديد وطوعا لروح العصر , فهى مسرح آلى مستحدث , يستكمل ما عجز عنه المسرح القديم , ويخلفه فى أداء رسالة الفن للجيل الجديد
لا غلو فى القول بان " السينما " قد حلت محل المسرح وقد تناولت منه المشعل , لتمضى به أسطع توهجا , وأبعد مدى , بيد أن هذا لا يمنع أن يبقى للمسرح نوع من الحياة وفى إطار ضيق , وإن فقد ما كان له من سيادة وقيادة
لكأن المسرح قصر عظيم على الطراز القديم , تكاملت له الفخامة والأبهة .ولكنه لم يعد يواتى العصر الحاضر بحاجاته ومطالبه
أو لكأنه " جنتلمان " هرم يتباهى بمجده , ويعتز بأرستقراطيته , ولكنه قاعد متخلف يدب فيه البلى , ينافسه ما للشباب من فورة ووثبة ونشاط
أو لكأنه مؤسسة نبيلة الغرض , رفيعة الهدف , ولكنها لا تملك أن تعيش بما لها من جهد , فهى أحوج ما تكون إلى ضروب الصدقات وألوان المعونات , لكى تؤتي ثمارها طيبات
أو لكأن هذا المسرح إمبراطورية عظيمة , فقدت عناصر المرونة للتطور الحديث , فلم تعد موائمة لروح الشموب التي تحكمها , فليس لها إلا أن تعدو دويلة صغيرة تساير ركب الدول , متنحية عن مكان الزعامة الذى كانت تملأه فيما حلا من العهود !
وفي معتقدي أن المحاولات التي يبذلها للمسرح أنصاره ومحبوه، جديرة أن تشد من عضده، ولكن هذه المحاولات - مهما تبلغ من قوتها - لا تحتفظ للمسرح بما كان له من مركز الزعامة، ولا تستطيع أن تزحزح (السينما) عن مكانها الذي سمت إليه، لتؤدي فيه رسالة الفن على أوسع نطاق
ليس من الخير أن ننظر إلى المسرح و " السينما "
باعتبارهما عدوين , فلنجعلهما يمضيان مما جنبا إلى جنب , يبذل المسرح " للسينما " ما يبذل الأب لأبنه من عطف وحدب , وتعرف " السينما " للمسرح حق الأبوة من بر وولاء
لقد تكاثر حديث النقاد فى شأن المسرح و " السينما " علي تباين واختلاف ... فهذا يقيم من حديثه حفلا تكريميا " للسينما " يؤيد به ما أوتيت من زهو , وما بلغت من فوز . وذلك يجعل حديثه مناحة أليمة للمسرح , يسح فيها الدمع ألهتون على الفن الشهيد !
ولسنا فى هذا المقام نريد تكريما " للسينما " او تأبينا للمسرح , وإنما نبغى استكناه ذلك التطور الفنى الذى مهد " للسينما " أن تتسنم تلك المكانة , فساق المسرح إلى ذلك المصير
وفى الغرب والشرق جميعا جمهرة من المفكرين ينعون على " السينما " أنها ليست من الفن فى شئ , بل إنها تقضى على الروح الفنية التى اذكاها المسرح وبثها فى جوانب المجتمع البشرى , ولهذه الجمهرة من المفكرين معارضون كثيرون ينتقصون من قدر المسرح , وينادون بأنه ليس إلا طورا من أطوار الفن عتيقا , لم يعد للتقدم المصرى كفئا , فعلينا أن نقوم على تكفينه , وأن نشيعه إلى مقره الأخير , نهيل عليه تراب النسيان !
وأولئك الذين يضيقون " بالسينما " يأخذون عليها أنها " آلية " فهى تعتمد على الآلة كل الاعتماد . وليس ضيقهم " بالسينما " إلا نوعا من ضيقهم " بالآلية " فى كل مظهر من مظاهرها فى العصر الحديث , إذ يحسبون أن هذه الآلة لا يمتد إلى لون من ألوان الفنون إلا أفقدته منصره الأصيل , وجوهره الرفيع !
فهل صدق الساخطون على الآلة فى حسباتهم أنها تقضى على الفن , أو على الأقل تمسخه وتشوه جماله ؟ وهل الآلة كما يقولون رمز تدمير للحضارة , وإنهيار للعالم على وجه عام ؟
شد ما يغلون في هذا الحكم! وشد ما يستسلمون لأوهام الفروض والتخمينات حين يستشعرون الذعر من الآلة، ويقدرون لها أوخم الآثار!
لنكن متفائلين بالعصر الآلي وما ينجم عنه، وليكن هذا التفاؤل على أساس أن العالم متجهاً أبداً وجهة الخير، لأن القوة التي إليها مرد الأمر كله في هذا الكون قوة خيرة في صميمها، وبذرة الخير الكامنة في الطينة البشرية هي التي تدفع به دائماً إلى التجدد والتطور، فهذا العالم ماض إلى الخير قدماً، وإن تعثرت خطاه بأشواك الشر حيناً بعد حين.
وبرهان هذا ساطع كل السطوع في تاريخ البشرية والحضارة منذ الأحقاب الخالية، منذ كان الكون سديماً إلى أن انبسط أديم الأرض، ودب على ظهرها الإنسان، وقامت هذه المدنيات العظيمة على أنقاض الكهوف والغابات.
وما برح التطور موصول الخطأ، نحس به فيما ندرك من نواميس الطبيعة، وقوانين الحياة، وفيما نتخذ من وسائل الحضارة وأنظمة الاجتماع.
وهذا التطور ينتقل به المجتمع البشري من حسن إلى أحسن، إلا أنه يقتضي مزاولة التجربة بعد التجربة. وهيهات أن يستقر للحياة طور من أطوارها إلا بعد أن يثبت كفايته في ذلك الميزان العظيم: ميزان بقاء الأصلح. . . فالأحياء لا يبقى منها إلا ما يصلح أن يكون عوناً على تطور الإنسانية والمضي بها إلى الأمام. والأنظمة على اختلاف أهدافها ومناحيها لا يستقر منها إلا ما هو كفء لتوفير الحياة المثلى.
وما أقسى هذه التجارب التي يزاولها الإنسان! وما أكثر ما يكون فيها من تعسف وعنت!
ولكن ذلك كله لا مفر منه لكي تظفر البشرية بالانتقال من طور إلى طور يمضي بها خطوة في سبيل الخير العام
والآلة ليست إلا وليدة ضرورة طبيعية أحس بها الإنسان. وهي نتيجة حتمية للتطور البشري الذي لم يكن منه بد. وإننا لنجد الآلة وقد أتت بالمعجزات في مجال التحضر، وبها تأثرت مذاهب الاقتصاد ونظم الاجتماع حتى أصبحت هناك قيم للحياة جديدة، تلائم ذلك التطور الذي أدت إليه الآلة في عصرها الجديد.
وفي مقدورك أن توازن بين الإنسان القديم، إذ كانت الآلة لم تخترع، أو على الأصح حين كانت الآلة في مظهرها العاجز المحدود، وبين الإنسان الحديث، إذ بلغت الآلة هذا المبلغ العظيم من القوة والجبروت، فإنك إذا أجريت هذه الموازنة نحلى لك البون شاسعاً بين الماضي والحاضر في مجال الرقي الثقافي والاجتماعي، المادي والمعنوي. وإذن يستعين لك فصل الآلة فيما شمل الإنسانية من رخاء وانتعاش، وفيما فاض عليها من بركة وخير
وهذه الآلة من صنع الإنسان، توصل بها إلى أن يختصر المسافات، وأن يختزل الأزمنة، وأن يسخر بها ما في الأرض والسماء من قوى وعناصر. وهي في يده، يحركها إرادته، ويسيطر عليها بحكمته. فإن وقف منها موقف الحزم والتبصر استطاع أن يفيد منها ما شاء. فأما إن أساء استعمالها، وأفلت منه زمامها، فإنها تدمر مدنياته وتدمره معها. ولكن الأمل وثيق ألا يفقد الإنسان رشده، وأن يظل ضابطاً للآلة في يده، حتى تكون طوع خيره. . . بها يتم نفع العالم، وعليها تقوم عمارة الكون
وإن صحبة الإنسان للآلة فيما يمارس من أسباب عيشه ومرافق حياته، ستخلق منه إنساناً جديداً يتخذ له في نظامه الاجتماعي طرازاً جديداً، فإذا هو يتطور في نزعاته النفسية، وفي مطالبه العقلية، وفي ذوقه الفني، وفق التطور الحديث الذي تسبغه الآلة على المجتمع البشري.
ما من شيء كانت تصنعه الأيدي إلا وقد امتدت إليه الآلة تصنعه؛ والناس إزاء هذا يتغافلون أن (شغل اليد)
هو العمل الفني، وأما صنع الآلة فهو عمل غير فني. وحجتهم في ذلك أن اليد تعمل بوحي الإنسان، وتستمد حركتها من رأسه وعاطفته، فالإنسان ينفض نفسه في كل وحدة من وحدات عمله الفني، وأما الآلة فتستمد قوتها من محركات صماء.
وللناس في تعزيز هذا الرأي ضروب من التمثيل. فهم يضربون المثل بالحلة المفصلة على قد إنسان بعينه، فيرونها ألق بصاحبها، وأدق صنعاً وأوفر فنية، من الحلل المجهزة على أقيسه عامة. . . وكذلك الصورة الزيتية، يرونها أروع من الصورة (الفوتوغرافية) أو الصورة المطبعية الملونة، فهذه آلية وتلك يدوية. . . وكذلك الصوت لا يسحر السامع إذا سمعه من الحاكي أو المذياع، قدر ما يسحره إذا سمعه من فم المغني نفسه.
وأنت قد تجد في زخرف هذه الحجة التي يسوقها الناس مظهر الحق، ولكنك إذا أنفذت بصرك إلى الأعماق تكشفت لك حقائق لا تبغي عنها حولاً. فإن هذه الآلة التي نزري بها وجدت منذ وجد الإنسان، منذ خرج من إطار الحيوانية الغافلة إلى مستوى البشرية المفكرة. وقليل من التدبر يقنعنا بأن الآلة هي العنصر الأساسي في بناء المدنيات منذ فجرها الأول. . . ولعل ما نسميه (شغل اليد) لا وجود له بالمعنى الحقيقي في تاريخ الإنسان. فالمغزل والمنسج والإبرة في أطوارها الأولى ليست إلا آلات بدائية. والمرقم للرسام والأزميل للمثال كلاهما آلة، ولماذا تذهب بعيداً واليد نفسها ليست إلا آلة توسل بها الإنسان للقيام بعمل فني؟
فهذه الوسائل و الوسائط , أو بتعبير آخر : هذه الآلات البدائية , ظلت تقوم بالأعمال الفنية , يسيطر عليها الرأس , وتوحى إليها العاطفة ... تم تطورت مع الإنسان آلاته , تساير حاجاته , وتواتيه بمطالبه , حتى انتهى بها الأمر إلى هذا المظهر الآلى العجيب المعقد الذى بدأنا نخشاه..
أرأيت إذن أن تلك الآلة الحديثة ليست إلا امتدادا وتطورا للآلة القديمة التي عاصرت الإنسان منذ درج الإنسان ؟
دونك " الكتاب " مثلا... ذلك الذى نحوطه بالتقديس , ونعده ذخرا وموئلا للعلوم والفنون والآداب , وترى فيه مرآة العقل الإنسانى , والفكر البشرى , ومن ثم نخشى عليه أن تنال منه " الآلية " الحديثة التي تكمن فى " الراديو " و " السينما " وما إليهما , ونطلق صرخة الرعب والفزع , طالبين حماية الكتاب من هذه الويلات ... بل إن فينا . من يقول بأن ثقافة المستقبل سيتطرق إليها الوهن إذا ضعف شأن " الكتاب " واتنسخ ظله , وأنه ليس من شىء يقوم مقامه ويعوضنا عنه , ويبض بالعبء الذى نهض به
والحق فى ذلك أن " الكتاب " ما هو إلا سجل يضم نتاج القرائح , ويحوى عصارات الأذهان , وما هو إلا مظهر للتعبير عن الإحساسات والمشاعر .. وقد كان هذا " الكتاب " يوم كان لوحا محفوظا فى الذاكرة يتلقاه الأحلاف من الأسلاف , وكان كذلك أحجارا وجلودا ولحاء شجر , ثم كان بعد ذلك مخطوطا على الأوراق لا تزيد نسخه على العشرات . فلما جاء عصرالطباعة اتخذ" الكتاب " هذا الشكل الحديث , وأتيح له ذلك التعميم , فهو مدين للآلة بما بلغ من جاه عريض , وصيت بعيد
وما دام " الكتاب " فى حقيقة أمره وسيلة تعبير , فلا ضير على المدنية الحديثة إذا اصطنعت لها وسيلة أكثر ملاءمة للتطور , وأبعد مدى فى تحقيق الغرض . ولن تكون الوسيلة المستحدثة إلا امتدادا " للكتاب " فى مظهر آخر هو أقرب إلى روح العصر , وأدعى إلى نشر الثقافة بين الناس ، وإذن فالآلة تخدم غرض " الكتاب "، وإن كانت فى الظاهر تخمل " الكتاب " . فهدف الآلة دائما هو التيسير , هو أن تتيح للجمهور الأكبر ما هو متاح للخواص من استمتاع وإنتفاع , وكذلك تعمل
الآلة على أن توفر من الجهد , وتقتصد فى الوقت , ليستفاد بذلك فى ميدان الابتكار والتجديد والتجويد
وإليك الغناء مثلا آخر , فالمعنى لا يملك إلا أن يسمع طائفة من الناس فى زمن مخصوص , وبذلك يقتصر الاستمتاع به على القليل , ولكن الآلة تنهض بدورها فى إشاعة هذا الصوت المحبب , وفى تقريب مناله من الأسماع وفى كل زمان وفى كل مكان
وكذلك الشأن فى التمثيل , فالرواية التي تشهدها جمهرة لا تتجاوز بضع مئات , بأجور مرتفعة لا تتيسر للكثير ، تستطيع " السينما " أن تبذلها للألوف بثمن بخس , فى قدرة على التنقل , وفى حرية من الوقت , وتمكن من التكرار , وأمان من وطأة التكاليف
على أن الذين يسلمون بأن " السينما " تيسير للفن ، وتعميم له , يتساءلون : أليس التيسير يسىء إلى الفن ؟
أو ليس تعميمه يدعو إلى تبسيطه , والنزول به عن مستواه الرفيع ؟
والجواب عن هذا التساؤل يصدق على " السينما " كما يصدق على المذياع والكتاب . ولقد كان الكتاب وما يزال درجات , فيه الرفيع الخاص , وفيه المنخفض العام ... وما شأن " السينما والاذاعة إلا كذلك , يجب ان يكون فيهما لكل طالب حاجته , ولكل مستوى ما يناسبه
والواقع أن تيسير الفن لا يحط من الفن , بل أن هذا التيسير سبيل إلى أن يتذوق الشعب ما يقدم له من الأعمال الفنية , فتتأئر بهانفسه , ويرتفع مستواه , ويصبح للفن عونا على النهوض والازدهار ...
والذين يأخذون على " السينما " أنها آلية , ويؤثرون عليها المسرح لأنه غير آلى , ينسون أن المسرح نفسه يتخذ من الآلات ما يعينه على بلوغ أغراضه... فأنت إذا دخلت مسرحا من المسارح الراقية ألفيت نفسك فى مصنع كبير تحتشد فيه عدد وآلات , يستكمل بها المسرح عناصر
التمثيل , ويتلافى ما فيه من نقص وعجز , ويساير بها ما بلغ الفن من تقدم وتطور , وقد يبعثك هذا الذى تراه على القول بأن هذه " السينما " لم تكن إلا عونا من الآلة على تحقيق أحلام فنية لم يستطع المسرح تحقيقها فى نطاقه الضيق , ووسائله المحدودة
ولتجدن كثيرا من المتعصبين للمسرح يقولون : حسبك من ميزة له على " السينما " أن عماده وجوهره هو الممثل الحي , هو ذلك الذي تراه بشرا سويا حيالك , تملأ منه عينك , وترعيه سمعك , فأما " السينما " فما هى إلا أخيلة وأطياف , والفرق واضح بين حقيقة ماثلة , وخيال موهوم !
والهاتفون " بالسينما " لا يعدمون ردا على المتعصبين للمسرح بهذه الحجة , فهم يقولون بأن فنية التمثيل لا تزيد فيها واقعية المسرح , ولا تنقص منها خيالية " السينما ".. إذ المعول كله على الإجادة والإتقان , حتى يتيسر بذلك اندماج المتفرج فى العمل الفنى المعروض , فإذا هو يستجيب لما يسمعه وما يراه
واعتبر ذلك بالغناء، فإن الأغنية الرائعة هي التي لا تكاد تهز أوتار سمعك حتى تهتز أوتار قلبك، فإذا أنت تفنى فيها، وتحلق معها، وذلك هو جوهر الإمتاع بالسماع، فأما الأغنية التافهة فهي التي لا تتجاوز الآذان هي التي تضل الطريق إلى مشاعرك، فلا استجابة بينك وبينها ولا اندماج.
وكذلك الشأن في التمثيل، فهو يقوم في جودته وإتقانه على أن ينسلخ المتفرج مما حوله، ويمضي في مساق القصة المعروضة، يعايش أجواءها، ويعاشر أشخاصها، ويشاركهم ما يزاولون من تجربة إنسانية صادقة غير مكذوب بها على الحياة.
وربما تلقف أنصار " السينما " هذا القول بالتعويل على فنية التمثيل , فأتخذوا منه حجة للفن السينمائى . قائلين :
إن المسرح فن ناقص، إذ يشعرك في كثير من ظواهره بأنك أمام أخشاب ملونة، وأوراق مقواة، ومناظر ملفقة سرعان ما تصدمك، فتعيد إليك وعيك، وتحول بينك وبين الاندماج فيما تحاول تمثيله من واقع الحياة. وأن مناظر البحار والأنهار، وتمثيل الغرق والحريق، وتصوير البواخر والقطارات والطائرات، لتخفق الإخفاق كله على منصة المسرح، بل أنها لتبعث على الهزؤ والسخرية. . . ومن ثم لجأ المسرح الحديث إلى الرمز يستعين به على التأثير ويعالج به أن يوحي إلى الأذهان بالجو المنشود في القصة المبسوطة. ولكن (السينما) بمنجاة من ذلك النقص، فالوسائل فيها أقوى على تصوير الواقع، وتمثيل الحقيقة، إذ أنها تنقل المشاهد والواقف، بحيث لا يشك ناظر إليها في أنها قطعة من الحياة لا زيف فيها ولا نشوز ولا استكراه، وبذلك يبلغ الفن السينمائي ذروته في ضمان التأثير، وفي تنويم الوعي، وفي تيسير الاندماج بين النظارة والتمثيل
ومما يثيره أنصار المسرح فى مجال الموازنة بينه وبين " السينما " أن الممثل المسرحى يشعر بشخصيته كاملة يعبر عنها يوما بعد يوم فى طلاقة وتجدد . فإنه فى الرواية الواحدة يستطيع أن يتشكل ويتطور فى أدائه لدوره , كلما مضى فى تمثيله مرة بعد مرة . وفى هذا التشكل والتطور تتوهج شخصية الفنان وتتألق
على أن أنصار " السينما " يرون ذلك حجة على المسرح لا حجة له , إذ أن العبرة فى أداء العمل الفنى بإجادته وبلوغ أعلى درجاته . والممثل الذى لا يتقيد فى أداء دوره كلما أعاد تمثيله هو الممثل الذى يعلو مرة ويهبط أخرى , والمتفرجون فى هذا هم المظلومون , إذ تتفاوت حظوظهم فى مشاهدة الرواية الواحدة للممثل الواحد . فمنهم من يرى الممثل فى الذروة , ومنهم من يراه فى الحضيض . فأما فى " السينما " فالمتفرجون جميعا يرون الممثل دائما فى درجة اتقانه القصوى , تلك الدرجة التي سجلتها له " الكاميرا"
وهو فى أحسن حالاته . ومثل هذا يقال فى الغناء , فإن المغنى يظل يمارس تجاربه حتى يستوفى , ثم يسجل صوته وهو فى أوج اكتماله وازدهاره .
وفى مناسبة هذا الحديث عن الغناء يقول المعترضون على " السينما " إنها لا تنقل إليك صوت المغنى على طبيعته وإنما تنقل إليك صوتا آخر يقرب أو يبعد عن ذلك الصوت الطبيعى , فإذا سمعت المغنى عينه , وسمعت صوته مسجلا من بعد , أدر كت الفرق واضحا كل الوضوح , وربما كان ذلك الصوت المسجل خيرا من الصوت على طبيعته , ولكنه على أية حال تزييف وتبديل
والذين ينتصرون " للسينما " يجيبون عن هذا بأن الأمر لا يعدو إحدى اثنتين , فإما أن يكون العيب عيب الآلات التي لم تبلغ حد الكمال حتى اليوم فى نقل الأصوات ولا ريب أنها بالغته بفضل ما يجري فيها من تحسين وإتقان حتى تؤدى كل صوت على حقيقته . وإما أن هذا التغيير الذى نلحظه فى نقل الاصوات تغيير مقصود ,يراد به معالجة ما عسى أن يكون فى صوت المغنى من قصور . فالآلة السينمائية تهدف إلى أن تقدم الأصوات قوية صافية مصقولة , فهى تحتفظ بجوهر الصوت , ولكنها تعالج ضعفه , حتى تصل به إلى الغاية الفنية الموجودة
وإذا كان الفن الرفيع هو الفن الصادق في نقل الحياة فلا ينال من رفعة الفن أن يعمل على تجميل ما ينقله من ظواهر الحياة، ووفقاً لهذا نبتت فكرة المناظر السينمائية الملونة، فذلك تجميل للمناظر الطبيعية يكفل الخلابة وحسن التأثير.
ومما يعاب على " السينما " ما يسمى " الفوتوجنيك " أى القابلية للتصوير السينمائى , فلقد يظفر وجه بإعجاب " الكاميرا " فتسجله رائعا يسحرالأعين ...ولقد تغضب " الكاميرا " على وجه , فلا تبدو قيه وسامة ولا فتون . ومن أعجب العجب أن تسيطر على هذا هذا المنح والحرمان آلة صماء !
والعيب فى ذلك أنه يحد من المواهب الفنية التي تتوافر لوجوه لا توهب منحة "الفونوجنيك " وإن كانت هذه الوجوه فى حقيقتها وافية الملاحة والجمال ؛ موفورة الحظ من حسن التقويم
والرد على هذا عند من ينتصر " للسينما " أن العصر الحاضر يركن إلى المخترعات الدقيقة الحساسة يستجلى بها الدقائق ... وفى مجالات العلوم والفنون والآداب تتخذ آلات خاصة للكشف عن الحقائق المستورة التى لا تنالها الأعين ولا تدركها الأفهام . وقد بات واضحا أن هذه الحواس الخمس المعرفة لم تعد كافية في استجلاه الأشياء , والحكم على جوهرها الأصيل , وما الجمال إلا حقيقة من حقائق الحياة الكبرى , فلا ضير علينا إن استعنا بالآلات البصيرة الكاشفة لا كتشاف . أسرار الجمال . ولعل هذه " الكاميرا " أنفذ بصرا بما يكمن من المفاتن , ومايدق من القسمات , فهي تكشف لنا عنها ، وتقرب منا لها من العيون
ومهما يكن من قول يساق لنصرة " السينما " أو للدفاع عن المسرح , فلا أثر لذلك كله فى حكم الزمن وطابع العصر . فما أشبه أحكام الأزمنة وطوابع العصور بأقدار تجرى , لا يملك ردها أحد !
ومما لا مرية فيه أن " السينما " ماضية في طريقها، تحمل راية عصر الآلة الذى نعيش فيه , ولا منجاة لنا منه بشقشقة الألسن ومنطق العقول
فإذا شاء عشاق المسرح , الأوفياء لعهده , أن يخدموه وأن يطيلوا من عمره , وأن يفسحوا له الميدان الفنى يؤدى فيه رسالته , فلا سبيل لهم إلا أن ينأوا بالمسرح قدر ما يستطيعون عن المجال الحيوي " للسينما " ،حتى لاينافسها فى نطاق عملها الذى تؤديه فى قوة وجبروت . وكلما عملنا على أن نجعل لكل فن مجالا خاصا به , وأمضينا كل فن وفى طريقه ؛ كان لنا أن نأمن مغبة التنازع والاضطراب
وقد نشأت " السينما " فى عهدها الاول صامتة ,
فتركت للمسرح روعة الحوار , وأنس الحديث , وأختصت بسرعة الحركة والإشارة , والوفاء بالمشاهد و المناظر , فكان " للسينما " فن خاص بها , وللمسرح فن خاص به ... فأما الآن وقد نطقت " السينما " وغليت المسرح على أمره فيما كان من خاصة شأنه فقد وجب أن ننحو بالمسرح نحوا جديدا يجنبه عنف ذلك الفن الآلى القادر فنخص المسرح بموضوعات تخلومن عناصرالموضوعات السينمائية التي تعتمد على سرعة الحركة , وكثرة الأشخاص , ووفرة المواقف والمناظر , و فخامة الملابس والأشياء المعروضة ... ولتكن مناظر المسرح ومواقفه وملابسه أقرب شىء إلى الرمز حتى لا ينافس " السينما " فى مجال هى صاحبة الغلبة فيه على أية حال
وعلينا أخيرا أن نؤمن بأن المسرح ليس إلا مظهرا للفن ، وأن الفن جوهر يتطور مظهره ويتغير ! فهو بالأمس مسرح , وهو اليوم "سينما" وقد يكون فى الغد القريب أو البعيد شيئا غير " السينما" .وغير المسرح جميعا ...فلنكفكف من غلوائنا فى تقدير المظاهر , مادام الفن فى جوهره بخير

