الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 213الرجوع إلى "الثقافة"

الفن عند تولستوى

Share

أولع تولستوي في أدوار حياته المختلفة بضروب متنوعة من المعرفة ، ولكنه كان دائما شغوفا بالفن فاشتغل به سنوات عدة ، وأولاه عناية كبيرة من بحثه وفكره ، وظل خمسة عشر عاما - كما يقول - يقرأ وينقب فيما كتب رجال الفن والأدب في تعريف والفن وأخيرا - بعد الدرس والتمحيص استطاع أن يدلي لنا برأيه في كتابه القيم " ما هو الفن " وهو خير مؤلفاته الفلسفية من حيث الترتيب وسلامة التفكير وقد ضمن الكتاب نظرية عامة عن الفن ، قد يوافقه عليها القاريء وقد لا يوافقه ، ولكنها على كل حال نظرية لها أهميتها ، وبخاصة إذا ذكرنا أن مؤلفها كان قصاصا شهيرا وكاتبا مسرحيا كبيرا ، له بالموسيقي وكل ضروب الفن ولع شديد

يقول تولستوي : إنك لو تناولت صحيفة يومية عادية ألفيتها مليئة بأخبار المسارح وحفلات الرقص والغناء ؛ وما اكثر ما تنشر الصحف من مقالات في وصف معارض الفن والأعمال الفنية المستحدثة ، ولعرض القصائد والمقالات الأدبية ونقد الكتب الجديدة والقصص والروايات مكان في الصحيفة فسيح وتنفق  الدولة أموالا طائلة لإعانة الفرق  التمثيلية وما إليها ، وإنها لتجمع هذه الأموال بما تفرضه من ضرائب على الفقراء والمساكين . وفي المدن الكبرى جميعا معارض للصور يزورها أفراد الشعب ويكتب عنها النقاد وهواة الفن ؛ وفيها كذلك مبان ضخمة فخمة - هي في ذاتها آيات فنية عظيمة - خصصت للمتاحف الأثرية ومدارس الفنون والمسارح والملاهي . وفي كل أمة متحضرة مئات الالوف من العمال نجارين وبنائين ورسامين وطباعين ونحاتين وصانعي ملابس وغيرهم ينفقون حياتهم كلها في عمل شاق متواصل لتلبية مطالب الفن

فالفن في الواقع يستغرق جانبا كبيرا من نشاط الناس . وهو منبث في حياة الفرد منذ الصغر حين يسمع وهو ما يزال في المهد اناشيد الطفولة ؛ وهو منتشر في كل مكان ، تلمسه في بناء المنزل الذي تسكن ، وفي رسم الرداء الذي ترتدي ، وفي الأثاث والآنية ، وتنسيق الموائد ، وتنظيم المواكب العامة والحفلات الشعبية

وكم من الناس من يخصص حياته كلها منذ الطفولة لتعلم الرقص أو الموسيقي أو التصوير ، وإن لديه من الذكاء ما كان يمكنه من اداء عمل آخر مفيد ، ولكنه يكرس العمر للفن ، وتضيق به الحياة في كل ناحية سوي ناحية واحدة - هي الناحية الفنية . بل إن من الناس من يلاقي العذاب صنوفا وقت التمرن والتدريب ، ولا يتقاضي سوي اجر يسير علي عمل مضن كثير

إن القاريء لا يكاد يتصور الجهد الذي يبذل في سبيل إخراج حفلة راقصة ، أو معرض لآلعاب الحيوان ) سرك ( أو رواية غنائية ، أو صورة فنية ، أو حفلة موسيقية ، أو كتاب مطبوع . لا بد للفنان من حشد كبير من العمال يساعده في إخراج عمله الفني ، بل ويعاونه في كثير من الأحيان على أن يحيا حياة فيها كثير من البذخ والترف .

أفلا يحق لنا بعد هذا كله أن نتساءل ولم كل هذا الجهد ؟ وما هو هذا الفن الذي تبذل من أجله كل هذه التضحيات ؟

يقول الرجل من عامة الناس إنه لسؤال سخيف ، الفن هو المعمار والنحت والتصوير والموسيقي والشعر بكل صوره وقد يقول هو ضرب من ضروب النشاط يخرج لنا شيئا جميلا تستمتع العين بمرآه  أو الأذن بمسمعه ؛ وهو تعريف ناقص لا يؤدي إلي غرض ، لانه يتركنا في حيرة متساءلين ، وما الجمال ؟

وهناك تعريف أخري ، منها أن الفن نشاط ذهني يوجد حتي في مملكة الحيوان ، وينشأ عن الرغبة الجنسية ويرافقه

إحساس لذيذ ) ومنها ان الفن هو التعبير بالخطوط والألوان والحركات والاصوات والكلمات عن العواطف التي يحس بها الإنسان ؛ ومنها انه عمل يستمتع به الفنان وهو يؤديه والرائي وهو يشاهده . وكلها تعاريف ناقصة غير ناضجة يفندها تولستوي واحدا بعد الآخر ، ثم ينتقل بعد ذلك إلي بسط رأيه في الموضوع .

يقول تولستوي : إن الفن يقوم على أساس حقيقة نفسية بسيطة ، وهي ان الإنسان حين يستقبل عن طريق السمع أو النظر تعبير شخص آخر عن عاطفته يحس بنفس الشعور الذي أحس به  الشخص المعبر : يضحك الرجل من شيء يسره فيضحك معه السامعون ، وتبكى المرأة فتستذرف دموع الآخرين ؛ ويثور المرء فتثور نفوس المشاهدين ؛ ويعبر الرجل بالحركات والأصوات عن شجاعته أو عزمه او حزنه او هدوء طبعه فتنتقل هذه الحالة النفسية إلي غيره من الناس ؛ ويتألم الرجل ويعبر عن ألمه بالانين والحركات فينتقل ألمه إلى الآخرين ويفصح الرجل عن إعجابه أو حبه او خوفه فيثير في السامعين إحساسا كإحساسه

العمل الفني يقوم علي أساس هذه القاعدة ، وهي مقدرة الإنسان على مشاركة غيره الوجدان فاذاتمت هذه المشاركة الوجدانية في التو والحين ، أي إذا تثاءب عمرو فتثاءب زيد ، أو ضحك أو بكي فأضحك أو أبكي ، أو تألم فألم ، لم تكن عملا فنيا لأنها تمت بغير قصد ، وإنما شرط العمل الفني القصد والإرادة

من أجل هذا كان الفن عند تولستوي ضربا من ضروب النشاط الذهني . به يستطيع الفنان ان ينقل إلي غيره - وهو عامد - لونا من الوان الشعور التي مارسها .

فإذا خرج للنزهة صبي صغير واقبل عليه ذئب مفترس فزع الصبي لمرآه وفر منه وهرع إلي بيته ، وأخذ يقص علي ابويه ما فعل الذئب عند الهجوم ، وروي لهما كيف مال  براسه وبدت الوحشية في عينيه ، وكيف حاول هو الفرار منه فتعثر وهو يركض ، ثم استرد توازنه وصعد فوق

سور متداع ، وكان بنجاته من خطر الموت سعيدا . . إذا استطاع الصبي أن يروي هذه القصة بحيث ينقل مشاعره إلي أبويه فيحسان بما أحس ، فهو في قصته راو فنان وهو كذلك راو فنان إذا روي هذه القصة دون أن يري بعينيه ذئبا ، وإنما يتصور ما يحس إذا التقي به ويتمثل هذا الحس ويؤلف من بنات خياله قصة يشاركه فيها أبواه الشعور حين يرويها .

وثمة مثال آخر : في غرفة غاصة بالناس ، رجالا ونساء ، اخترق الصفوف رجل مقدام فوطأ في سيره قدم سيدة كريمة ، فصاحت السيدة من شدة الآلم ، وانتقل شعورها إلي شعور السامعين ؛ هذه الصيحة ليست عملا فنيا ، لان السيدة عبرت من شعورها في اللحظة التي احست فيها بالألم غير عامدة وعلي غير وعي منها . ثم عاد الرجل يتجول في الغرفة ، ومر بالسيدة ولم يطأ هذه المرة قدمها ، بيد أنه عن لها ان تزعم انه فعل ذلك ولكى تدفع الحاضرين إلي مشاركتها الشعور بالألم الموهوم صاحت ولوحت بيديها فأثارت فيهم حسا شبيها بالحس الذي تزعمه ، هذه السيدة في عملها هذا فنانة بارعة ، لأنها استطاعت بالصوت والحركة ان تنقل شعورها إلي غيرها .

فالشرط الأول إذن من شروط العمل الفني انتقال الشعور عمدا من الفنان إلي السامع أو القارئ أو المشاهد .

تخيل جماعة من الناس احتشدت في مكان واحد ، ليست بين أفرادها عداوة ، لكل منهم شعوره الخاص وفكره الخاص ، إن نفوسهم تظل متنافرة حتى تلقي عليهم قصة ، أو تمثل أمامهم رواية ، أو تعرض امام انظارهم صورة ، أو يستمعون إلي قطعة من الموسيقي ؛ حينئذ يتحدون جميعا وكأن تيارا كهربيا سري في كل النفوس ، وتحل محل العزلة النفسية التي كان يحس بها كل منهم الوحدة والحب المتبادل . ويسر كل منهم لان الاخرين يحسون بما يحس ، ويغتبط بالوحدة التي تربطه لا بأولئك الحاضرين وحدهم ، وإنما بكل الاحياء في عصره الذين يشاركونه الشعور ،

بل ويحس بسرور عجيب لأن اتحاده بغيره يمتد إلي ما وراء الموت ويربطه بأبناء الأحيال الماضية الذين   اثارت فيهم هذه القطعة الفنية التي يشهدها او يسمعها نفس الشعور الذي يحس به ، ويبتهج حين يمتد خياله إلي المستقبل فيشعر بوحدة نفسية بينه وبين ابنائه الذين لا يشك في انهم سوف يشاطرونه الحس والشعور . وليس من الضروري ان يكون هذا الشعور المشترك ذا اهمية دينية أو اجتماعية او سياسية

ولكن لكي تتم هذه الوحدة الشعورية لابد للقطعة الفنية من " صورة " خاصة لها شروطها الفنية ، هذه الصورة " هي الشرط الثاني الذي لابد ان يتوفر في العمل الفني . ففي الموسيقى مثلا ينبغي أن تتكامل للقطعة شروط ثلاثة لكي تؤدي عملها الفني ، وتلك هي : قدرة الصوت ، ودرجة ارتفاعه ، والوقت الذي يستغرفه . فلا تكون الموسيقى فنا ولا توحد بين شعور السامعين إلا إذا بلغ ارتفاع الصوت حده المناسب ، فلا تكون أكثر علوا ولا أشد انخفاضا مما ينبغي ، وحين تمتد النغمة إلي الوقت المرغوب فلا تطول هنيهة ولا تقصر هنيهة ؛ وحين يكون الصوت في المستوي المطلوب من حيث قوته فلا يشتد ولا يضعف . إن أقل انحراف في درجة ارتفاع الصوت . وأقل طول او قصر في الزمر ، وأقل زيادة في قوة الصوت أو ضعفه ، تتلف قيمة القطعة وتوهن  من اثرها في الشعور . ومن ثم  تري أن اثر القطعة الشعوري لا يتم إلا إذا اهتدي العازف إلي تلك الحدود الدقيقة الضرورية للكمال

وكذلك الحال في الفنون الأخري جميعا . ففي التصوير : إذا خف اللون او اظلم قليلا ، وإذا انحرف المنظر قيد أنملة يمنة أو يسرة ؛ وفي الفن المسرحي : إذا رفع الممثل صوته درجة أو خفض منه درجة ، أو أسرع أو أبطأ في الإلقاء قليلا ؛ وفي الشعر : إذا حذفت كلمة واحدة ، او اشتد التأ كيد والمبالغة في غير موجب إذا كان هذا أو ذاك في التصوير أو في التمثيل أو في الشعر فقد العمل الفني أثره في الشعور أو ضعف .

ومن المستحيل ان تعلم الناس الاهتداء إلى هذه

الفروق الدقيقة ، إنما هي تدرك بالشعور لا بالتعلم . إنك لا تستطيع بالتعليم ان تخلق راقصة بارعة أو مغنيا عذب الصوت ، أو مصورا يختار من بين ألوف الخطوط خطا وحدا هو وحده الصحيح ، أو الشاعر يهتدي إلي انتقاء الألفاظ التي هي وحدها تؤدي المعنى وتناسب المقام . كل هذا يدرك بالشعور ؛ ولذا فالدارس قد تعلم ما يلزم لإخراج شئ يشبه الفن ولكنها لا تعلم الفن ذاته .

إذا لم تكن " صورة العمل الفني دقيقة فلا يمكن لقصة أو اغنية أو نغمة أو صورة أو تمثال او رقصة أو ما إليها من آيات الفن إن تحمل شعور منشئها للسامعين أو المشاهدين ؟ فعلي الصورة يتوقف الحكم على شيء أهو فن أو غير فن

والشرط الثالث هو أن يكون الشعور المنبعث من العمل الفني نافعا للناس غير ضار بهم ، لأن الفن لابد أن يتصل بالحياة ، ولا بد للفنان ان يعمل لمصلحة الإنسانية ، ولا يقضي عمره - كما يقول تولستوي - لمجرد المهارة في التواء ساقيه أو لسانه أو أصابعه . أمثال هؤلاء الفنانين يعيشون وحدهم في عالم غير عالمنا الذي نضطرب فيه

والشرط الرابع للفن أهميته ؛ إذ لو كان الفن عملا من اعمال المهارة فحسب لكان كلعب النرد أو الكرة أو الشطرنج ، ولكنه اهم من ذلك بكثير ، لانه يترك اثرا قويا في مشاعر الإنسان ، ومشاعر المرء لها في تفكيره وعقيدته وجميع نواحي حياته أثر بليغ  ؟ ولقد صدق فلتشر حين قال : " إذا اتيح لإنسان ان يؤلف للأمة اغانيها ) وكانت الأغاني في عهد فلتشر تقوم مقام الموسيقى والشعر والفنون جميعا ( فانه لا يأبه بعد هذا من ذا تختار الأمة ليسن  لها القوانين وهذا حق ؛ لأن واضع القانون كالعجينة المرنة في يد الفنان .

ولهذا كان الفن - وينبغي أن يكون - معادلا للعلوم في أهميته لتقدم المدنية وارتقاء الإنسان

اشترك في نشرتنا البريدية