الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 321 الرجوع إلى "الثقافة"

الفن فى الحياة

Share

أمامنا الآن فرصة جديدة ، ربما كانت آخر فرصة لنجد أنفسنا ، ولن تستطيع أى جماعة أن تتخذ موقفا سلبيا تجاه أحداث العصر . وفي هذا المقال يحاول الكاتب أن يذكر الفنانين بتبعات زعامتهم وينادي ببعث " القيم الصادقة " في الحياة .

لا شك أنه لابد لنا ونحن على عتبات عالم جديد أن نراجع الأسس التي سيقوم عليها أسلوبنا في الحياة . ولن يستطيع أي فريق من الجماعة أن يخفي رأسه في الرمل ، وأن يدعي ان هذا ليس مما يعنيه في شىء والفنانون خاصة هم آخر من يحق لهم مثل هذا الادعاء ، إذ لا مناص لهم من ان يدعوا إلي شىء سواء ارادوا ذلك ام لم يريدوه ، ولا بد لدعوتهم من أثر سواء كان خيرا أو شرا ، فالأعمال الفنية لها اثر كبير في توجيه الرأي العام وتكوين اساليب التقدير عنده ، سواء اكان صانعوها يعملون عن وعي لتأييد مذهبهم أو يلبون في انفسهم نداء داخليا مسوقين إلي تثبيته جاعلين فنهم هو الغاية في ذاتها متجاهلين أى اعتبار آخر ، بل ومن المحتمل ان يكون نفوذهم في الحالة الأخيرة أشد منه في الأولى .

* 0 والفنان الذي يدعو إلي قضيته عن وعي يكشف عن انحيازه إلي وجهة نظر معينة ، ويثير التأييد أو المعارضة ،

ولكن زميله الذي يؤمن بمذهب " الفن للفن " لا يكشف إلا عن عقيدته هو وعن مقدرته وشخصيته كفنان ، ولا يثير نحوه تيارا عنيفا سواء كان له او عليه ، إذ لا تكون هناك قضية ظاهرة يدافع عنها ، وإنما هو مثل جدول  جار ينحت في صخر يكون في تكراره لعرض وجهة نظره ما يعمل على الرفع أو الانحطاط بالمستوي العام في الثقة والمبادئ .

إن الفنانين قادة سواء أرادوا الزعامة أو تهربوا منها ، والقادة مسئولون عمن يقودون ، ليس لهم في هذا اختيار أو مهرب .

ولقد عشنا نحن والكثيرون معنا خلال الحربين العالميتين فمرت بنا فترة يأس كنا لا نري فيها المستقبل ينفرج عن مخرج ، ولا نكاد نحس في الحياة شيئا يستحق أن نتحمس له أو نكافح في سبيله ، ولكن جحيم الحرب بشقائه وآلامه قد صهر كل ما على سطح أنفسنا من أوساخ ، فخرجنا بأمل جديد وإيمان قوي وإحساس أصفي "بالقيم الصادقة" في الحياة والحق والجمال والسمو بالروح . وكل هذه نؤكد ثانية أنها أكثر ما في الحياة إشباعا للإنسانية . فبأي قسط سيساهم الفنان ؟

* لقد غمر العالم فيض من القبح فرأينا أجسادا مشوهة فظيعة لا تمثل الجنس البشري في شىء ، وشاهدنا النتاج

الفني يتجه نحو تمجيد الغرائز الدنيا وتحريك وإيقاظ نزوات الفكر المريضة وعبادة الشر . راح كل هذا يطل علينا من حوائط المعارض الفنية ، وهو لم يكشف إلا عن يأس وفراغ في العقل والروح وفقر في الإيمان بأي شيء له أي قيمة . ولم يكن هناك شىء يستحق الجهاد من أجله أو الحياة له . ولقد كنا سجناء مدى الحياة ولا أمل لنا في الخلاص إلا بالموت ،

أما اليوم فإننا ننظر إلي الأمام يغمر نفوسنا أمل جديد ، وقد رأينا الأرض الموعودة ، وما يمكن أن تكون عليه ، واستعدنا بصيرتنا وتقدير لقيم الحياة . وإن لم يكن من رسالة الفنان أن يصوغ القوانين وأن يرسم خطط المستقبل ولا من الضروري أن ينحاز إلي جانب سياسي معين وأن يلقي بنفسه في تيار السياسة إلا إذا شاء هو ذلك ، إلا أن عليه أن يحفظ لنا بصيرتنا صافية نقية ، وأن يذكي إيماننا

وأن يوقظ فينا أسمي مواهبنا وأن يقوي من إرادتنا لنهيئ دنيا من الجمال تستطيع أن تزكو فيها روح الإنسان . وعليه أن يختبر نفسه دائما وأن يدرك متى يكون في مركز القيادة وأن يحمل تبعة ما يدعو إليه .

لقد رحنا نفتش - بين القلق والسخط الذي يسود العصر الذي نعيش فيه - عن كل ما هو غريب ومستحدث مهما كلفنا ، وضحينا بالجودة ومميزات الفن الحقيقي في سبيل الطرافة ، وأهملنا أقدر الفنانين الذين لم ينشدوا إلا التعبير عن أسي ما في نفوسهم لنمجد أولئك الذين لم يقدموا لنا غير المستحدث الغريب ونزوات الفكر المريض . وإن واجبنا يحتم علينا ونحن نشايع التطور أن نعمل على أن تحتل القيم الصادقة مكانها في الحياة ، وأن ندفع الإنسانية نحو الكفاح والتقدم . ( عن مجلة الاستديو )

اشترك في نشرتنا البريدية