الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 620الرجوع إلى "الرسالة"

الفن والتاريخ فلم سلامة

Share

أعرف أن من حق الفن أن يدخل على التاريخ ليبعث في  وقائعه الحياة، وليلبس حوادثه ثوباً من الأناقة والطرافة يحبها  إلى النفوس والقلوب. وليس للفنان القصص في القصد إلى. تاريخ  إلا أن يجمع بين الحقيقة التاريخية تحمل أسانيد الواقع وصدق  الرواية، والحقيقة الفنية بين الحوادث بالانسجام والروعة  والجمال.

ولكني لا أعرف أن يكون من حق الفن أن يمسخ، وأن  يجري بوقائعه على الهوى، فيغير الزمان والمكان، ويزورَّ

الأشخاص والمشاهد، وينكر البيئة وما تقضي به، ويجهل  الحوادث وما تؤدي إليه، فإنه حينئذ لا يكون فناً ولا تاريخاً،  ولكنه يكون المسخ والتشويه والخلط والتضليل والشعوذة التي  لا تصح في ذوق، ولا تليق بأي صفة من صفات الفن.

ولقد قدر لي أن أشهد فلم   (سلاَّمة)  الذي مثلته المطربة  المشهورة أم كلثوم، وأخرجه السينمائي المعروف توجو مزراحي.  وقصة سلاّمة في الأدب العربي القديم من أروع القصص، وهي  بواقعيتها جميلة عنيفة تعالج كثيراً من الجوانب النفسية والخلجات  العاطفية إلى جانب ما تحمل من طريف الرواية وحلاوة الغناء  وروعة الجمال، وقد استهوت بعض الأدباء المعاصرين فعرضوا  وقائعها في معرض الفن القصصي والرواية الطريفة وفيها ما فيها من روعة التحليل، فكتبها المرحوم الأستاذ محمود مصطفى في    (مجلتي) ، وجلاَّها المغفور له الأستاذ الرافعي في   (الرسالة)  آية  من آياته الخالدة، ثم حبكها صديقنا الأستاذ أحمد باكثير حبكة  قصصية نال بها الجائزة لإحدى المسابقات. فلما قيل إن أم كلثوم  مثلتها، قلت: طاب الأصل والمثال، والتقى سحر القديم بروعة  الحديث، وإنها لمتعة فنية من الواجب أن أدركها وأن أفوز بها على  أي حال.

وقصدت إلى مشاهدة الرواية وسماع أغانيها، فليتني ما قصدت!  لقد دخلت إليها ونفسي مفعمة بما أتمثل من سحر وجمال وروعة  فن، ثم خرجتُ مكروب النفس آسفاً أن يبلغ عبث التجارة  بالفن إلى هذا الحد السخيف، وأن تصبح مشاهد التاريخ ووقائعه  ملكاً لهؤلاء المشعوذين يسخرون منها ومن الناس على هواهم،  وعلى ما تدعو إليه بواعث الكسب التجاري، ومع هذا يأخذون  الثمن الباهظ.

أول جريمة من جرائم التزوير في الرواية أنْ نَقَلّ   (حضرة  المخرج الأديب)  مكانها من المدينة ومكة بالحجاز إلى الكوفة  والبصرة في العراق، وفي هذا كذب على التاريخ، وفيه أيضاً  جهل فاضح، لأن قصة سلامه ما كانت تطلع إلا في أفق الحجاز،  وما كانت حياة الترف والدعة والسماع إلا ديدنهم في ذلك الوقت،  على حين كان أهل العراق في فتن عاصفة وحروب طاحنة وحياة  شديدة قاسية، وهذه حقيقة أحسب أن     (المخرج)   لا يدركها،  ولكن ماذا تكون قيمة هذا     (المخرج)   في العلم بصناعته إذا

ما نقل مشاهد المدينة العامرة إلى ربوع الصحراء الخالية، ومثل  مظاهر أهل الحضر، في مواقع الوبر؟!

أما الجريمة الثانية فتتصل بشخصيات القصة، فقد كانت  سلاَّمة على ما يحدث الرواة جارية مولدة، شاعرة متفقهة، تقول  الشعر وتجالس العلماء، فأبى صاحبنا سامحه الله إلا أن يمثلها جارية  من جلب رخيص، مبتذلة العاطفة والفن، تغني بلهجة مغربية  غثة في إلحان تافهة كأنها ألحان   (زفة العروسة) ، وتعابير نازلة  تعلو عليها تعابير أولاد القرية وهم في مزارع القطن ينشدون  أناشيد   (مقاومة الدودة) ، فأنت تسمع فيها   (الحب حلو وإلا  حرّاق)  و   (سلام الله على الأغنام)  و   (غنى لي شوىْ شوىْ)   وكثيراً من أمثال هذه السخافات. وأين هذا من تلك المقطوعات  الشعرية العاطفية المنسجمة التي كانت تغنيها سلاّمة، والتي لو  غنتها أم كلثوم لكانت لها مجداً خالداً في الفن، يضاف إلى  ما بلغته من مجد.

وجاء     (المخرج)   - ولا أدري لماذا - بالشاعر عمر بن  أبي ربيعه بين أشخاص القصة، وهو تزوير آخر على التاريخ،  إذ لم يعرف أن سلاَّمة التقت به، وإن كانت هناك رواية تقول  إنها التقت في المدينة بصاحبه ابن أبي عتيق.

وفي صلة سلاَّمة بحبابة وبجميلة، وفي كل شخص، وفي  كل مشهد، تزوير على التاريخ، وكذب على البيئة، وخروج  على روح الفن، وشعوذة رخيصة لا تساغ إلا في منعطفات الطرق  كمشاهد   (جلا جلا)  وحلقات الحواة.

لماذا لا يريح الناس أنفسهم ويريحونا معهم، بعدم ذكر الفن  والتعلق بهذا الحرم المقدس الذي وضع العلماء له القواعد والأصول،  والذي يحتاج في مزاولته إلى علم ودراية وفهم وذوق. . .

أنا والله لا ألوم هذا  (المخرج)   في عبثه، لأنني أعلم تماماً أنه  رجل لا يخدم الفن ولكنه يخدم جيبه، ولا يرضى الذوق وإنما  يرضى خزائنه، فهو يقيس النجاح بمقدار الدخل واستغفال العامة  وأشباههم، ولكن كيف تجيز له رقابة الروايات هذا البعث وهذا  التلفيق يفسد به على التاريخ ويجني به على الذوق  ويضحك به على الشعب المسكين؟!

ثم ماذا؟ قال صاحبي: إنها لا شك مؤامرة على أم كلثوم، قلت:  ومن الأسف أنها أفلحت. .

اشترك في نشرتنا البريدية