كنت أرجأت الحديث عن (الفن الفرعوني) الذي أراد الدكتور طه حسين أن يجعله أحد العناصر في (الغذاء الروحي والعقلي للشباب) في عصرنا هذا، وهو رأى متداول قد عاد إليه فلان وفلان ممن استطارتهم العصبية فعصفت أعاصير بعماد الرأي وحسن البصر وكمال التقدير لما ينبغي أن نقيم عليه حضارتنا المصرية الإسلامية. والعصبية هي دليل الضعف، وهي الآفة التي تتخون الرأي، وهي الهدم الذي يأتي بنيان العقل والعاطفة من القواعد حتى يدمره تدميراً. وسنوجز القول ما استطعنا، فإن الإفاضة والشرح والبيان مما لا يتسع لها هذا الباب.
فالفنان هو القلب النابض الذي يفضي إليه الدم الحي الذي تعيش به حضارة أمته في عصره، وهو الفكر القلق النافذ المتلقف الذي ينقد الحياة الاجتماعية في عصره بألفها أو ينكرها، وهو العبقرية الماردة التي لا تخضع إلا لناموس الحياة الأعظم. والفنان بطبيعته الإنسانية فكرة معبرة عن حقيقة الاجتماع الإنساني الذي يعيش عليه، وعن طبيعة الأرض التي يمشي فيها، والسماء التي يستظل بها؛ وكل أولئك ينشئ للفنان أفكاراً وأخيلة وأحلاماً تستمد غذاءها من ينبوعها الذي يتفجر بين يديه ولعينيه وفي قلبه.
ونحن لو تتبعنا الآثار الفنية وتاريخها في كل أجيال الناس من الهند والصين والعرب والترك والروم، وكل الأمم القديمة، وسائر الأمم الحديثة - لم نخطئ أثر الحياة الاجتماعية في الأثر الفني، ولا أثر الطبيعة الجغرافية في جوه الفني. ونعني بالحياة الاجتماعية كل ما تقوم عليه من الدين وعقائده وشرائعه، وما يتميز به العصر من الأخلاق والعادات والوراثات والأساطير الشعبية التي انحدرت إليه من القدم، ثم سائر أسباب الحضارة المعاصرة بكل مادتها وألوانها وحقائقها وأباطيلها. وأما الطبيعة الجغرافية، فهي صورة
الأرض بنباتها وأنهارها وفدافدها وحيوانها وغابها، وما إلى ذلك، وجو السماء بصفائه والتماعه وشمسه وقمره ونجومه وسحابه وثلوجه وصيفه وشتائه وربيعه، وغير ذلك مما يولد في نفس الفنان ألواناً من أخيلة الفن التي يريد تحقيقها أو تمثيلها أو ابداعها؛ والأثر الفني لا يمكن أن يكون خالياً من تأثير هذين العنصرين المميزين.
فالفن - ولاشك - نتيجة من نتائج الاجتماع الإنساني والطبيعة التي تحتضنه، فهو يتأثر بها تأثراً بينا، لمكان الإحساس المرهف البليغ من الفنان القدير المتمكن. فأعظم الآثار الفنية التي يعدها الجيل الأوربي - مثلاً - في طليعة العبقرية الفنية، هي الآثار العظيمة الخالدة، التي نشأت وربت وترعرت وامتدت تحت ظلال الكنيسة والعقائد المسيحية، التي عاش في مدنيتها الفنانون الذين أبدعوها، وتأنقوا فيها وبالغوا في إتقانها؛ ونحن لا نحتاج هنا إلى أن نضرب المثل بفلان وفلان من الفنانين الإيطاليين والفرنسيين وغيرهم، ولا أن نعدد آثارهم التي بقيت إلى اليوم أصلا للفن الأوربي الحديث. وهذه الآثار كما يشاهدها المشاهدون تختلف باختلاف الطبيعة الجغرافية التي هي سبب ثان في إنتاج الفنان. فكذلك الفنون الصينية والهندية تتميز بالاجتماع الوثني الذي يعيش فيه الفنان الصيني أو الهندي، وبطبيعة البلاد الهندية والصينية. ونحن لا نشك أن أعظم الفنون والآثار عامة قد كان نتيجة لازمة للعقيدة الدينية - وثنية كانت أو إلهية - وللطبيعة الجغرافية التي تمد عليها من ظلالها؛ وإن الدين والعقيدة هما عماد الاجتماع وأصله وأعظم مؤثر في توجيه أغراضه وحياطتها وتدبيرها وتوليدها، فهما إذن اصل قائم في الحضارة التي تدين بهما مهما تطورت بعد ذلك وخرجت عليهما فأهملتهما. وذلك لأن الشعوب تحتفظ من الأديان بخصائص كثيرة لا يمكن أن تؤثر فيها تطورات الحضارة المدنية الخاضعة للعلم والسياسة وما إليهما.

