عبر أكثر علماء النفس عن الفن بأنه هو الوسائل والطرق المنظمة للوصول لغاية ، وتلك الغاية ترمي إلى النفع أو الحقيقة أو الفضيلة أو الجمال .
بينا الفن يقتفي أثر الفائدة إذ صادف الجمال في طريقه فارتبط به ايما ارتباط حتى أصبح يعبر عن الجمال بطريقة محسوسة .
إن جردنا النفوس من المادة وجدناها سواء وقد فنشأ ما نشاهده من البون والتفاوت من وجود حجاب بين النفس والجسم يتفاوت في الرقة والكثافة
نجد نفس الفني متصلة به إذ لا يوجد بينهما غير حجاب شفاف فتراه يشعر بوجدانه وشعوره وعواطفه
فيردد عين النغمة التي تصدح بها نفسه ويقرأ ما خفي من دقائق الفن كالإنسجام وقوة التعبير والإتقان والجمال والرشاقة والعواطف والإبداع والابتكار وشخصية المبدع التى امتاز بها في عمله وبلاغة الوصف كما انه يسبغ هذه الصفات على ما يجود به خياله أو بنائه
لا نعد مبالغين إن اعتبرنا المصورين والموسيقين شعراء لأن المصور يعبر بريشته وألوانه كما يعير الشاعر بألفاظه وكذلك الموسيقي فإنه يعبر بأنغامه فإن خلت اعمال هؤلاء ، من صفات الفن التي سردناها فخليق بنا أن نعد الشاعر وزانا والمصور صباغا والموسيقي حدادا
بحسن بنا قبل الخوض في موضوعنا أن نتكلم عن الجمال إذ هو أساس الفن الذي يرتكز عليه وقضاياه ونظرياته الجمال حقيقة لا تدرك كنهها العقول ولكن تشعر به
نفوس هذبتها تربية خيالية تجردت من ميولها المادية فتتهلل لمرآه وتصبو إليه وتفتنن بمظاهره الساحرة .
عير أفلاطون عن الجمال فقال إنه حقيقة ذاتية تفوق الشخص والنوع ونموذج أعلى أسعد بكل ما هو خليق بالاعجاب من المحاسن
ليس الجمال مطابقا للقبول والنفع والحقيقة والفضيلة ولكن الصلة بينه وبينها وثيقة العري .
الجمال غير مطابق للمقبول - لامراء إن الجميل يسرنا ويفتننا من بين جميع الأشياء فما هو بجميل لانه مقبول ولكنه مقبول لأنه جميل فالمقبول إذن لا يحرك من نفوسنا غير عاطفة الارتياح إلي الشئ فلا يفتننا ولا يجذبنا إليه كل الجذب .
الجمال غير مطابق للنفع - إن كان الشئ نافعا فلا يعد جميلا ، والجمال غني بذاته عن المنفعة لأنه غاية مطلوبة لذاتها إذ نري الإنسان إذا لم يرتبك بحاجياته انصرف إلي الجمال باذلا كل ما استطاعه من الوسائل والحول والحيل ليصل اليه
وقد يكون اللباس جميلا ولكن لا يفوته النفع إن كان غير جميل
إن الفلاح الذي ينتظر أن تجود له أرضه بثمراتها المباركة لا يلحظ ميدان سنابل البر داعيتها الصبا فأمالت اعناقها وما تلك الحال للزارع إلا دليل وفرة الحصيد .
وأما المتريض في الحقول فإنه يفتتن بمشاهدة تموج البر عند مهب الريح ، وقد ازدهي لونه المسجدي من أشعة الشمس فأمسى كأنه يم هائج من ذوب النضار .
إن الفلاح قد أسبل حب النفع على بصره عشاوة كثيفة ، فلم يبصر من ذلك الجمال شيئا ، وانصرف إلي تقدير الفائدة .
- إن الجمال غير مطابقة - قال ) بوالو (
لا شئ أجمل من الحقيقة ، لأن الحقيقة أول شروط الجمال والمراد بالحقيقة حقيقة الجمال الذي يدركه العقل فيكون العمل مطابقا للفوائد الطبيعية ، وتتجلي الحقيقة في طرق التعبير ، وإن كانت الحقيقة من شروط الجمال ، فذلك لا يدل على أن كل شئ حق جميل
وغير خاف أن الحقيقة المجردة ليست بجميله لأنها تسر العقل وحده لا الخيال والنفس .
إن الهيكل العظمي الإنساني ليس جميلا ، وإنما الجمال في حياة الإنسان .
وقال أفلاطون : " الجمال هو بها ، الحقيقة ، أي الحقيقة أفرغت عليها أشكال فخمة أو جذابة
الجمال غير مطابق للفضيلة - الفضيلة هي موافقة الأعمال للعقل ، وهي فرض واجب إلزامي ، ولكن الجمال يخالفها من وجهة الإلزام .
والفضيلة والجمال لفظان يدلان على شيء واحد وهو الكمال ولكنه منظر من منظرين ، لأن الفضيلة هي كمال الخلق ، والجمال هو كمال الشكل
تشاهد في التمثيل روايات تجرح الحياء وتنافي الفضيلة بل تجسم الفجور والقحة والأستهتار ، مثل اولبيرا دون جويان لموزار ، ولكن الجمال الذي اسبته الفن على هذه الأولبيرا من متانة الموضوع ، وشجي الموسيقى الفخمة قد فتن النفوس واسترق القلوب وستر منها هذه العيوب فلهجت الألسنة بمحاسنها ، وغفرت رذائلها ومساوئها واصبح شخص دون جويان ، وهو مثال الرذيلة محبوبا حتى عند فضليات النساء
نجد في الشعر أمثلة كثيرة مماثلة ، إذ نري ابلبس فخما في الفردوس الضائع لملتون ، وإن عاب الناس عناده وعقل الثوري ، فإنهم يعجبون رغما منهم بعظمته وشجاعته وثباته عند الشدائد والملمات .
- ارتباط الجمال بالرشاقة - الرشاقة ركن من الجمال ، وهي من أسرار السرور والأفتتان ، تنشأ من سهولة الحركات والأسترسال واللدونة ، ولو في الأشياء الساكنة الجامدة ، كالتماثيل ، إذ تنحصر فيها الرشاقة في السهولة الظاهرة في الحركة الأولى .
وكذلك حالها في الموسيقى ، إذ تتناول الحركة أيضا ولكنها في نفوسنا فتصل إلي فكرنا من تتابع الأصوات والألحان .
ونري الرشاقة في الزهرة تنحصر في شكلها ، وقدر الساق ونسبتها واللدونة والحركات الظاهرة من تموج الخطوط ، ويشترك شكل التويج في تكوين الرشاقة ، ولا سيما نضرة ألوانه المندمج بعضها في بعض
واختلف علماء النفس في الجمال ، فاعتبره بعضهم عرضيا والآخرون جوهريا ، ومن انصار المذهب الأول " هو نشتسون " و " كنت " ، إذ قالا إن الجمال لا يوجد خارجا عنا في الطبيعة ) أو فوقها ، وإنه أمر داخلي يوجده الفكر أو حالة نفسية تشوبها أحسن مما نصفها ، فهو شئ عاطفي باطني .
واصطلاح القائلون بأنه جوهري ، على أن الجمال موجود خارج الإنسان ، إما بشكل خيالي يفوق الطبيعة والفن ، وإما في الطبيعة نفسها . وقال بعضهم إن الجمال هو الفن نفسه .
يجمل بنا أن نسرد بعض ملاحظات دقيقة للأعمال الفنية يستعين بها القارئ علي فهم دقائق الفن وأسرار الإتقان .
صنع أحد الفنيين الذين نالوا جائزة روما تمثالا يمثل " أورفية " بعد موت " اوريديس " يجوب الجبال مخترقا الصخور مترنما بأغاني هوي ما برح متأججا في فؤاده .
فلو تتبعنا " فرجيل " الشاعر اللاتيني لعلمنا انه يعبر عن شاعر محب ، ذهب الهيام بحجاه واضله اليأس فخرج هائما على وجهه لا يدري اين يضع قدميه ، ولكن الفتي مثل اورفيه " جالسا يغني وهو ساكن مطمئن اطمئنان ممثل ماهر يغني في حفلة موسيقية
وعرض فني آخر في أحد معارض باريس تمثالا يمثل قصة " أمور " إله الحب مع ربة الجنون وهي من حكابات " لافونتين
ينبهر المشاهد لأول وهلة أمام هذا التمثال ، إذ يراه بديع الصنع ، ويلاحظ انه بذل فيه صنوف الاعتناء ؛ ولكن فاته أمر واحد وهو قراءة " لافونتين وذلك ما كان يستغرق الزمن بضع دقائق ، وقد قص علينا أن إله الحب وربة الجنون تخاصما في طفولتهما وتشاجرا فضربت الثانية الأول ضربة عنيفة افقدته بصره فقضي الأرباب عليها بأن تقود هذا الطفل الأعمى وتكون له مرشدة ويظهر أن هذا الفتي لم يقرا تلك القصة بامعان قصور إله الحب طفلا وربة الجنون فتاة لا تقل عن العشرين ربعا ، فكيف لهذه الفتاة الكبيرة أن تبلغ بها تلك الوحشية والقسوة فتعمي صديقها الصغير ، وكيف يسوغ لها أن تقود تلك الضحية وهي متهللة ضاحكة ظافرة ؟

