الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 156الرجوع إلى "الثقافة"

الفهرست لابن النديم

Share

بحث بيليوجرافي

أبو الفرج محمد بن أبي يعقوب إسحق الوراق النديم البغدادي " بيليوجرافي " دقيق ، لخص في كتابه الفهرست التراث الاسلامي في صورة بهرت أهل الغرب . ونحن لا نعلم عن حياته الشئ الكثير ؛ فلا نعلم بالضبط اين ولد ، ولا متي ولد ، غير انه يمكننا أن نستنبط أنه ولد في الربع الأول من القرن الرابع الهجري حوالي عام ٣٢٥ ه بين عامي ( ٩١٣-٩٣٦ م ( ، إذ أنه ذكر(١) . أنه تقابل مع أحد العلماء المكني بأبي بكر البردعي عام ٣٤٠ ه . ولا يمكننا معرفة هل هو بغدادى لمولده ، أو تطول مقامه ببغداد ، ولا شك أن مقامه بها كان طويلا ، فقد تعرف إلي أبي عبد الله محمد بن عمران بن موسي ابن سعيد المرزباني ، والمعافي النهرواني القاضي أحد المتفقهين على مذهب أبي جعفر الطبري ، ودرس على أبي سليمان المنطقي ، وكان صديقا لأبي الخير الخمار أحد المشتغلين بالفلسفة في عصره ، وكذلك يحيى بن عدي(٢)

أما صناعته فقد كان وراقا يبيع الكتب . ويكشف لنا كتاب الفهرست عن صناعته هذه ، فهو ينقل عن كثير من وراقى(١) زمانه . وعن أمناء المكتبات أمثال أبي على بن سوار ، الكاتب الذي يقول عنه إنه عمل خزانة الوقف بالبصرة ، وكان محبا للعلوم شديد الشغف بها(٢) . ثم يعدد كثيرا من الكتب عن الصيد والسحر ، وغير ذلك من الكتب التي لا تهم العلماء ، والتي لاشك كانت موجودة بأسواق بغداد في أواخر القرن الرابع الهجري ( العاشر الميلادي ) . ويظهر ميله البيليوجرافي : من خبرته بالخطوط المختلفة عند الأمم وتقديره المخطوطات التي رآها بخطوط مشاهير الخطاطين . ونحن نلمس حسرته عندما يذكر لنا أن محمد بن الحسين - الذي يقول عنه إنه كان له خزانة كتب لم ير لأحد مثلها كثرة - قد عرض عليه قمطرا كبيرا به أوراق وجلود بخطوط الحسين والحسن ، وأمانات وعهود بخط أمير المؤمنين على ، وأوراق في النحو واللغة والحديث بخطوط أبي عمرو بن العلاء ، والأصمعى وسفيان الثوري والأوزاعي - نلمس حسرته لأن هذه أدركها البلى ، وأن الزمان درسها وأحرقها(3)

ولا شك أن هذه عاطفة لا توجد إلا عند من أشرب دمه حب الكتب كأداة لنقل العلم والأدب .

وكما لا نعلم سنة ميلاده بالضبط فنحن في حيرة أيضا من سنة وفاته ، فقد ذكر ابن حجر المسقلاني في " لسان الميزان " أنه توفي عام ٣٨٨ ه وذكر ابن النجار في " ذيل تاريخ بغداد " أنه مات لعشر يقين من شعبان سنة ٣٨٥ ه مع أننا نجد في الفهرست(١) مؤلفين توفوا بعد هذا التاريخ أمثال أبي عبد الله الحسين بن على بن إبراهيم المعروف بالكاغدي المتوفي عام ٣٩٩ ه . غير أن هناك رأيا يذهب إلي أن سنة الوفاة هذه إضافة ترك المؤلف لها بياضا وأضيفت بعد وفاته ؛ ويشجع على الأخذ بهذا الرأي أن ابن النديم نفسه في موضع بالفهرست(٢) حينما يتكلم عن كتب الحسين بن علي بن الحسن بن زيد يقول : " هذا ما رأيناه من كتبه ، وزعم بعض الزيدية أن له نحوا من مائة كتاب ، ولم نرها ، فإن رأي ناظر في كتابنا شيئا منها الحقها بموضعها إن شاء الله " . وقد جعلت هذه العبارة العلماء فريقين : فريق يقول بأن علماء مختلفين قد أضافوا علي مر الأيام مادة إلي الفهرست . وفريق يقول إن الفهرست من موضع ابن النديم وحده ، وان الإضافات إضافاة يسيرة في سني الوفاة ، ترك ابن النديم نفسه لها بياضا في نسخته الأصلية ؛ ولا أريد مناقشة هذين الرأيين في هذا المقال

كتاب الفهرست : ذكر ابن النديم في مواضع مختلفة من الفهرست انه ألفه عام ٣٧٧ ه ٩٨٧ م (3) اي انه كتبه وهو في الخمسين من عمره تقريبا وقبل وفاته بإحدي عشر سنة ، ولقد عرفه أهل الغرب منذ اواخر القرن السابع عشر الميلادي ، حيث نزحت مخطوطات له من مصر إلى باريس ، ثم من القسطنطينية إلي ليدن .

وقد ظل ج فلوجل Gustav. Flugel بعد ان جمع مخطوطات له من فينا وباريس وليدن يعمل على نشره مدة خمسة وعشرين عاما ، ولكنه مات عام ١٨٧٠ م قبل ان يتم طبعه ، فقام بهذا العمل رودجر Roediger ل رملر Aug. Mueller ونشر الفهرست عامي ١٨٧١ و ١٨٧٢ م بعنوان :

Kithab Al Fiheist Mit Anmerkungen Heraus gegeben Von Gustary Fluget, Nachdessen Tode besorgt Von Johannes Roediger und August Mueller, Zwei Bande, 1872.

وليس من شك في ان هذا العمل كان في القرن التاسع عشر فتحا عظيما ، ولكن المستشرق رتر H. Ritter تمكن من العثور في مكتبة كوبر بللي بالأستانه على المخطوطات الأصلية التي نقلت عنها المخطوطات التي اعتمد عليها فلوجل ، وبرهن على ان المخطوطات التى اعتمد عليها فلوجل اساس ضعيف للنشر ، ويجب الرجوع إلي الأصول التي عثر هو عليها .

اعتمد فلوجل على مخطوطات أهمها : (١) مخطوط فينا 33 Wien 33 ولترمز له بالحرف ه (٢) مخطوط فينا 34 Wien 34 ولترمز له بالحرف ف (٣) مخطوط باريس Paris 1400 1400 ولنرمز له بالحرف ص (4) مخطوط ليدن Leyden XX 30 ولترمز له بالحرف ل

برهن ريتر Ritter على أن المخطوط ه منقول عن مخطوط كوبريللى ١١٣٤ Koprulu وان المخطوط في منقول عن مخطوط كوبريللى ١١٣٥ Koprulu 1135 وان المخطوط ص منقول عن جزء من مخطوط كوبريللي ١١٣٤ Koprulu 1134 وان المخطوط ل هو كما ذكر فلوجل كمخطوط في بالضبط مخطوط فينا ٣٤ ( 1)

أما مخطوط كوبريللي ١١٣٥ فقد كتبه يوسف بن منصور في ربيع الثاني من عام ٦٠٠ ه . وفي المقدمة يتكلم المؤلف عن برنامجه فيقول : " هذا فهرست كتب العلوم القديمة من تصانيف اليونان والفرص والهند الموجود منها بلغة العرب ، واخبار مصنفيها وانسابهم وتاريخ موالدهم ومبلغ أعمارهم " الخ . ويحتوى هذا المخطوط على الأربع المقالات الأخيرة فقط من كتاب الفهرست ، ويسمى هذا النوع الضرب الصغير .

ولقد عثر ريتر على مخطوط شهيد على باشا ١٩٣٤ ، ولنرمز له بالحرف ص ، واستنتج موازنة هذا المخطوط بمخطوط كوبريللي ١١٣٤ ( الذي هو اساس لمخطوط فينا ٣٣ ) ان كوبريللي هذا نقل عن س ، أي ان س هو الأصل ، ومعنى هذا ان مخطوط فينا ٣٣ الذي اعتمد عليه فلوجل كتب عن مخطوط كوبريللى ١١٣٤ وأن مخطوط كوبريللي هذا كتب عن شهيد على باشا ١٩٣٤

وبما ان ريتر قد برهن على ان مخطوط فينا ٣٤ كتب عن مخطوط كوبريللي ١١٣٥ فحينئذ وجدت اصول هذه المخطوطات جميعا ، وهما شهيد على باشا ١٩٣٤ وكوبريللي ١١٣٥ ؛ وقد قارن ريتر مواضع مختلفة في طبعة فلوجل بهذه الاصول فوجد بها أخطاء كثيرة .

ومن ذلك نري انه من الواجب إعادة نشر كتاب الفهرست على ضوء هذه الاصول ، لا على مخطوطات في الدرجة الثالثة او الرابعة ، خصوصا ان كتاب الفهرست مملوء بالأسماء العربية والاعجمية التى تحتاج إلى دقة وتمحيص

وقبل ان اختم هذا المقال اود ان أشير إلي طبعة ظهرت في مصر عام ١٣٤٨ ه نشرها الحاج مصطفى محمد صاحب المكتبة التجارية ، وقد صدرت هذه الطبعة بمقالة شائقة عن حياة ابن النديم وفضل الفهرست ،

بقلم أحد أساتذة الجامعة المصرية . وكنا نود أن يذكر لنا الناشر كما هي العادة المخطوطات التى اعتمد عليها . وقد اضاف في آخر الفهرست وكان يجب ان يكون في أول المقالة الخامسة الجزء الذي نشره هو قسما(1)

وذكر حضرة الأستاذ الجليل صاحب المقدمة أن فلوجل اعتمد في نشره كتاب الفهرست على نسخة في مكتبة باريس ، ونسخة في مكتبة كوبريللي بالاستانة ، ونسختين في فينا ونسخة في ليدن . ونحن نعلم التي فلوجل لم يعتمد مطلقا على نسخة في مكتبة كوبريللى ، إذ لو كان لذكرها في ثبت مراجعه . ولنا رغبة في ان تقوم لجنة التأليف والترجمة على نشر كتاب الفهرست ، الذي يعتبر يحق سجلا للتراث الإسلامي "

اشترك في نشرتنا البريدية