الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 34الرجوع إلى "الثقافة"

الفيتامينات

Share

ورد فى كتب قدماء الأغريق أن مرض الاسقربوط كان معروفا منذ زمن بعيد ، ولكن لم يعرف سبب إصابة الإنسان به . ولقد ظهر بين الصليبيين ، وعلل بوجود مواد سامة فى غذائهم . وكثر ظهوره بين البحارة ومن فى حكمهم ، فلوحظ ظهوره بعد ثلاثة أسابيع أو أربعة من بدء الرحلة . فثقل قدرة الشخص على بذل أى مجهود ، وسرعان ما يصاب بالرهقان . وتزداد حالة المصاب سوءا فتفور عيناه ، وبضيق تنفسه ، ويظهر ألم شديد فى العضلات ، وبعقب ذلك ضعف فى القوى العقلية ، وتضطرب الأوعية الدموية، فيرشح الدم من اللثة والعين والأنف ، بل إن أقل ضغط على الجلد يسبب نزفا بين الخلايا .  وكل هذه الأعراض تزداد شدة حتى تنتهى بوفاة المريض .

ولما كانت البحارة في ذلك الوقت تقتصر غالبا على نوع واحد من الغذاء، فقد أخذ هذا كعلة لظهور المرض . ولذا أضيف إلي غذاء البحارة لحوم مملحة وأنواع من البسكوت . ولكن ذلك لم يخفف من وطأة المرض ، إذ أن هذا التعليل لم يكن صحيحا.

وأختلفت المصادر فيمن يرجع إليه الفضل فى تعرف السبب الحقيقى لهذا المرض ، وما كان للخضراوات والفواكه الطازجة من أكبر الأثر فى الشفاء منه ؛ فمنهم من نسبه إلى ( R, Hawkins) ، إذ أنه فى سنة ١٥٩٣ عالج البحارة من مرض الاسقربوط باعطائهم شرابا من عصير الليمون ، ولم يلبث ان تبعه في ذلك جميع قبطانات المراكب .  وعم استعمال عصير الليمون، وكان أن حتمت قيادة البحرية الإنجليزية سنة ١٧٩٥ استعماله فى جميع سفنها .

وهناك فريق آخر ينسبون الفضل للمكتشف كوك . فقد عرف فوائد الخضراوات والفواكه الطازجة كوقاية من الأمراض التي تنتشر بين البحارة . ففي رحلته التى قام بها سنة ١٧٧٢ والتى استمرت ثلاث سنوات، ثم تظهر بين بحارته حالة واحدة لهذا المرض . وقد علل كوك ذلك بأكل الخضراوات والفواكه الطازجة .

ولم يكن مرض الاسقربوط هو المرض الوحيد من نوعه الذي ظهر بين البحارة . بل عرف مرض آخر يسمى البرى برى .  وقد ظل سببه مجهولا حتى منتصف القرن التاسع عشر .  وقد عرف المرض فى البلاد الحارة منذ زمن بعيد .  وتظهر أعراضه باضطراب فى الجهاز العصبى ، ويبدو المريض خائر القوى .  ثم ينتشر الشلل في أطرافه مصحوبا بحرقان يعقبه تتميل (numming) . وقد يصل الاضطراب إلى القلب والحجاب الحاجز .

ونتيجة ذلك عدم انتظام التنفس وضربات القلب ، وهذه كلها تودى بحياة المريض .

وقد لوحظ ظهور هذه الأعراض بين أناس استمروا على تعاطى نوع واحد من الغذاء ، إذ حدث بين رجال الأسطول اليابانى ، وكان غذاؤهم مقصورا على الأرز المقشور ، ولقد قلت الاصابة عندما استبدل الأرز بالشعير ، ولم يكن الشعير مقشورا كالأرز .

وظن فى باديء الآمر أن المرض مسبب عن وجود فطر أو بكتريا .  ولكن هذه الفكرة لم تلبث أن خطئت بالتغذية على المواد النباتية أو الحيوانية الطازجة ، والتي كانت سببا فى اختفاء المرض .

وأول من بحث هذا المرض على أساس علمى هو العالم الهولندى Eigkman سنة ١٨٩٧ .  إذ غذى الدجاج على أرز مقشور . فلاحظ ظهور أعراض المرض ، وخاصة شلل الأطراف الذى يميز مرض البرى برى . وقد ظهرت الأعراض بعد بدء التغذية بمدة تتراوح بين أسبوعين وثلاثة أسابيع . وكم كانت دهشته عندما تمكن من شفاء الدجاج من هذا المرض وزوال أعراضه بتغذيتها بأرز غير مقشور .  ومع ما لهذه التجربة من عظيم الأهمية فقد ظلت مهملة ولم يوجه إليها ما تستحقه من العناية .

ولكنها أخذت كأساس لتجارب أجراها Hopkias سنة ١٩٠٦ فى كمبردج على الفيران ، وقد حصل على نتائج مماثلة ، وقد بين أن الغذاء الذى يقتصر على مواد نقية (حضرت تحضيرا كيميائيا )لا يساعد على النمو ، كما لا يضمن استمرار حياة الكائن ، مهما احتوى على البروتينات والدهون والسكرات والأملاح المختلفة التى يحتاج إليها الجسم .

وقد أثبت Hopkins أن مقدارا بسيطا من اللبن الطبيعى (٣ سم ٣) لو أضيفت يوميا إلى الغذاء المركب صناعيا وأعطيت للفيران ، نمت نموأ طبيعيا .  وقد استنتج من ذلك أن سبب النمو لم يكن ما باللبن من دهون أو سكرات أو بروتينات الخ ، ولكنه مسبب عن وجود مادة غير معروفة ولكنها ضرورية للحياة والنمو .

وفى سنة ١٩١١ تمكن Funk من أن يستخلص من قشور الأرز بواسطة الكحول ، مادة متبلورة تشفى الطيور المصابة بالمرض (التي تكون قد غذيت بأرز مقشور) لو أضيفت إلي غذائها بمقادير بسيطة جدا . وفى نفس الوقت نشر Susuhi ومساعدوه فى اليابان نفس النتيجة .

وقد وجد Funk أن المادة التى حضرها تحتوى على أزوت ، كما أنها تعطى التفاعلات الخاصة بالامينات . ولكنه لم يتمكن من استخلاصها فى حالة النقاوة حتى

يتمكن من معرفة تركيبها معرفة دقيقة ، وقد اعتبرها إحدى الامينات . وبما أنها ضرورية للحياة فقد سماها فيتامين .  ولكن هذه التسمية قابلة للنقد ، لأنه قد ظهر فيما بعد أن بعض الفيتامينات لا تحتوى على الأزوت ، ولذا لا يمكن أن نكون من الامينات . ولكن التسمية بقيت رغم ذلك منعا لتعدد الأسماء .

هذه كلمة عن الأطوار التى مرت بهذه المواد الحيوية . والآن فلنذكر شيئا عن هذه المواد المختلفة وما لها من الأثر فى جسم الانسان .

فيتامين ا (٨) :

يوجد هذا الفيتامين فى الأغذية الطبيعية مع دهون  الحيوانات وخاصة فى الكبد ، مثل زيت كبد الحوت (Cod liver oil) وفى الزبدة الطبيعية ، ويوجد فى الدهون النباتية بمقدار بسيط . أما فى أوراق النباتات الخضراء فيوجد بكثرة ، وقد وجد أن مقدار هذا الفيتامين يتناسب مع مقدار صبغة الكاروتين فى النبات . ففي البطاطة والجزر نجد فيتامين (إ)بكثرة ، وكذلك القمح الأصفر . أما القمح الأبيض والبطاطس فهما خاليان من الكاروتين وليس بها فيتامين (أ) .

ويندر أن يعانى الإنسان من قلة هذا الفيتامين إلا إذا كان هناك شذوذ فى التغذية . فقد حدث بين سنة ١٩١٧ و ١٩١٨ أى إبان الحرب العظمى أن ارتفع سعر الألبان والزبد إلي درجة أصبحت معها الطبقات الفقيرة عاجزة عن شرائها . ولذا عانت من قلة هذا الفيتامين إلى حد كبير .

فكثرت إصابة الفقراء بمرض يصيب العيون وفى بعض الحالات أدت إلي فقد البصر . وقد حدث ذلك فى اليابان وبعض مدن أوربا مثل فينا . وقد تغلبوا على المرض فى بلاد الدعرفة بتنظيم توزيع الألبان توزيعا عادلا .

وقلة هذا الفيتامين تسبب الأعراض الآتية : ١ - وقوف النمو ، ويظهر ذلك بوضوح فى الأطفال الصغار ، إذ يحتاجون لمقدار كبير كى يستمر نموهم .

٢ - يقل إفراز الغدد الموجودة بجفون العين ، وهذا يؤدى إلى جفافها ، فتتعرض للإصابة بواسطة البكتريا ، ولذا يكثر الصديد فى العين ، ويلجأ البعض إلى معالجة بعض أمراض العين باعطاء الأطفال هذا الفيتامين .

٣ - يقل إفراز الغدد الدهنية التى توجد فى الجلد . ويظهر ذلك فى الحيوانات ذات الفراء إذ يصبح شكلها قبيحا بتلف فرائها .

فيتامين  ب  (B):

وهذا الفيتامين كان سببا فى إيجاد كثير من الشك

حوله . فتبين أنه لم يكن فيتامينا واحدا بل عبارة عن اثنين ، وقد وجد أن أحدهما يمنع البرى برى والثانى يمنع البلاجرا ، وقد سميا B٢، B١ ويوجد الفيتامين ب فى النباتات بكثرة ، وأغنى المواد بهذا الفيتامين هي الخميرة وأجنة الحبوب ولا سيما القمح ، كما أن الفواكه تحوى كمية كبيرة منه .  وكذلك الأجزاء الخضراء فى النبات ، كما يوجد فى الجذور والبطاطس والبنجر والبصل والجزر ؛ ونظرا لكثرة انتشار هذا الفيتامين فى كثير من النباتات فإنه يندر الاصابة بأمراض البرى برى والبلاجرا المسببة عن انعدامه فى الغذاء .

وقد سبق شرح أعراض مرض البرى برى وكيف يؤثر على الأعصاب ويؤدى إلى الشلل . وزيادة على ذلك فإنه يسبب انقراض المبيض عند الاناث والخصية فى الذكور ، ويؤدى فى النهاية إلى العقم ، وربما أدى إلى الوفاة إذا وصلت الإصابة إلى القلب .

وقد وجد بالتجربة على طائر أحدث له شلل شديد بتأثير التغذية على غذاء خاص ، أنه يمكن شفاؤه تماما بعد مدة تتراوح بين ثلاث ساعات أو أربع ، من بدء التغذية بغذاء يحتوى على الفيتامين (ب) .

ولهذا الفيتامين أثر كبير فى قيام الغدد الهضمية بوظيفتها الافرازية .  إذ أن انعدامه من الغذاء يؤثر على الأعصاب التى تسيطر على هذه الغدد . ولا يوجد هذا الفيتامين فى أنسجة الحيوان لأنها لا تخزنه .

فيتامين جـ  (C)  :

وأهم مصادره الفواكه وعصير الليمون والموالح وفى الطماطم والكرمب ، ويحتوى البطاطس على كمية بسيطة منه ، ولكن أكله بمقادير كبيرة يعوض هذا النقص . ويوجد هذا الفيتامين فى البذور المنبته ، ويمكن للحيوان

أن يخزنه فى أنسجته .  ويفسد بالحفظ والحرارة ، ولذا لا يوجد فى الأغذية المحفوظة فى العلب أو المواد المملحة . وقد وجد أن التسخين مع عدم وجود الأكسجين يمنع تلفه ووجود هذا الفيتامين يمنع مرض الأسقربوط . وقد

سبق شرحه كما عرفنا أعراضه وما يؤدى إليه من نزف تحت الجلد . وقد وجد أنه يؤثر على الآسنان فيسبب تسويسها . وتختلف مقاومة الحيون للأمراض الناتجة من غياب هذا الفيتامين من الغذاء ؛ فخنزير غينا يصاب بسهولة ، بينما الفيران لا تصاب ؛ والسبب فى ذلك أن الفيران تكون الفيتامين فى أنسجتها وقد وجد فى كبدها مع عدم وجوده فى غذائها .

فيتامين  د (D):

عرفت طبيعة هذا الفيتامين وتركيبه ، إذ أمكن استخلاصه مما يكون معه من دهون بواسطة عملية النصبين ، ويبقى الفيتامين بعد ذلك مع مواد أخرى يمكن فصلها عنه بواسطة عمليات دقيقة . وقد أ مكن تحضير مادة إذا عرضت لضوء الشمس كان لها أثر الفيتامين (د) وهذه المادة تسمي Ergosterol وتركيبها C٢٧ H٤١ OH وهذا الفيتامين إذا انعدم من الغذاء سبب مرض الكساح . وقد ظن فى بادى الأمر أن الكساح مسبب عن قلة أملاح الكلسيوم فى الغذاء . ومع صحة هذا الرأي فان عدم وجود الفيتامين (د) فى الغذاء مع وجود الأملاح لا يمنع مرض الكساح ولذا فالعاملان ضروريان . ويمكن للجسم أن يكون هذا الفيتامين ، وتثبت تجارب الفيران هذه الحقيقة ؛ فاذا غذيت على مواد لا تحوي الفيتامين (د) مع احتوائها على جميع المواد الأخرى ، وروعي وجود الفيران فى الظلام ، فانها لا تلبث أن تصاب بمرض الكساح بعد أربعة أسابيع . أما إذا أعطيت نفس الغذاء مع تعريضها للضوء مدة عشرين دقيقة يوميا فلا

تظهر أي أعراض للمرض . وهذا يثبت أن الفيران كونت الفيتامين بتأثير الضوء .

وما قيل عن الفيران ينطبق على الانسان ، فأشعة الشمس تمنع مرض الكساح ، ولذا تقل الاصابات فى البلاد الحارة وتزدار نسبتها فى البلاد الباردة .

ويعمل هذا الفيتامين على تنظيم ترسب أملاح الكلسيوم لتكوين العظام . كما أن له اثرا فى تكوين الأسنان وصلابتها ومقاومة التسوس .

فيتامين هـ  (H):

وقد اكتشف هذا الفيتامين حديثا . ويوجد في الزيوت النباتية وأوراق النباتات الخضراء . أما في أنسجة الحيوان فيوجد بمقدار بسيط . وحرمان الانسان من هذا الفيتامين يسبب له عقما تدريجيا . ففي الذكور تموت الحيوانات المنوية فى الخصي ، ثم تنقرض الخلايا التى تكونها ، ولا تلبث الخصية أن يبطل عملها ، ويصاب الشخص بالعقم .

أما فى الإناث فإن الغدد اللبنية لا تقوم بوظيفتها . فلا ترضع الأم طفلها . وتزداد الأعراض فلا يتم تكوين الجنين فى الرحم ، بل تمتصه جدرانه فى أول تكوينه ، وتزداد الأعراض فلا يحدث الحمل مطلقا .

من كل ذلك يتبين لنا ما للغذاء الطبيعي من أهمية تفوق ما عداه ، وأن فى الفواكه والخضراوات مددأ كبيرا من هذه المواد الحيوية التى لا يمكن للانسان أن يعيش بدونها . أما إذا اعتمد الانسان فى غذائه على الخبز الأبيض واللحم التام النضج والحلوى التى انعدم منها الفيتامين بتأثير الحرارة ، فهنا يتعرض الانسان لنقص الفيتامينات وما يتبعها من أخطر الأمراض .  ولا عجب إذ يعلن تجار الفاكهة فى انجلترا : ) ( Eat more fruit) . ونحن نقول : كل خضراء فاكهة وتريض .

اشترك في نشرتنا البريدية