وجد من المشاهدات العديدة ، أن النباتات تصاب بأمراض خطرة معدية لا يعرف لها سبب ؛ فهى ليست من الأمراض الفطرية التي يسببها الفطر (١) Fungi ولا من الأمراض البكتيرية التي تتسبب عن البكتريا ( Bacteria ، إذ هي تختلف منها في كون المسبب للمرض لم يتمكن العلماء من رؤيته حتى بأقوى الميكروسكوبات المستعملة ، بينما الفطر والبكتريا ترى بسهولة. كما أنها تختلف من الأمراض الفسيولوجية (۳) أيضاً ، فى أن المرض يمكن أن ينتقل بسهولة تامة من النبات المصاب إلى النبات السليم.
حار العلماء إذاً في كنه المسبب للمرض ؛ وهم إذ درسوا خواصه ، تبين لهم أنه ضئيل في الحجم لدرجة لا يتصورها الفكر : ونحن لو علمنا أن أقوى مجهر لدى العلماء الآن وهو المسمى Ultramicroscope ، يمكن أن يبين لغاية حجم ملليميكرون (الميكرون عبارة عن ١/١٠٠٠ من المليمتر ) أى جزء من مليون من المستر ، وأنه مع ذلك لم يتيسر للعلماء بحال من الأحوال أن يشاهدوا تلك الكائنات ، لأدركنا بوضوح دقة حجم تلك الكائنات المتناهي في الصغر : ولقد بذلت محاولات كثيرة لإنماء هذه الكائنات على بيئات صناعية ، ففشلت جميعاً ؛ كذلك لم يمكن حجزها في المرشحات مهما بلغت دقتها ؛ وقد اتفق العلماء على تسميتها بالفيرس virus
وضعت نظريات عدة لتفسير طبيعة الفيرس ، ففريق العلماء يرى أن الفيرس نوع من الأنزيمات Euzymes أو كائنات شبيهة بها ؛ والاعتراض على هذه النظرية أن الأنزيمات لا يمكنها أن تتكاثر ، بعكس الفيرس ، وفريق كان من العلماء يعتقد أنه عبارة عن أنواع من البكتريا فوق الميكرسكوبية ، ويجمل هذا الرأي مشكوكا فيه قدرة الفيرس على المرور من المرشحات التي تمنع مرور البكتريا مهما صولت فى الحجم ، وكذا عدم نموه على البيئات الصناعية التى تنمو عليها البكتريا .
وفى سنة ١٩٣٨ أشار العالم بويكوت Boycott إلى أن الفيرس قد يكون كائناً يقع في سلم الارتقاء بين الأنزيمات والبكتريا ، أى بين الكائنات الميتة والحية ، فليس هناك حد فاصل بين المادة المبينة والمادة الحية ، إذ أن الواحدة منهما قد تندمج في الأخرى بطريقة غير محسوسة ، وهو يقترح أن ترتب سلسلة النشوء التدريجي التى تصل ما بين الانزيمات والبكتريا كما يلى :
(١) كائنات لا أثر فيها للحياة وهى الانزيمات (١) Enzymes
(٢) كائنات في طريقها إلى الحياة وهى الليزوزيم Lysozyme
(۳) كائنات في المرحلة الأولى من الحياة وهى البكتربوفاج Bacteriophage (٣)
(٤) كائنات في المرحلة الثانية من الحياة وهى الفيرس virus
(٥) كائنات تدب فيها الحياة الكاملة وهى البكتريا Bacteria
وأحدث رأى في ماهية الفيرس ، هو ما أعلنه العالم الأمريكي ستانلي Stanley سنة ١٩٣٦ ، وقد كان يشتغل على مرض موزيك الدخان ، فأمكنه أن يفصل الفيرس وأثبت أنه جزئ قوى من البروتين المتبلور ، وقد بلغ من قونه أنه لو أذيب جزء ضئيل منه في كمية هائلة من الماء، لبقى حافظاً لحيويته ؛ وتبلغ قوته في الإصابة ٢٥٠ ضعف قوة عصير النبات . وإصابة النبات به تتلخص في أن عمليات النبات الفسيولو بية تتحور تيماً لهذه الإصابة، فبدلا من أن يكون النبات بروتينه الاعتيادي، يكون كميات كبيرة من روتين الفيرس .
ومع هذا التباين في الرأى بين جمهرة العلماء ، نجد أن الرأى السائد الآن هو اعتبار الفيرس كائناً حياً ، يؤيد هذا قدرته على التكاثر فى خلايا المائل ، وتسببه في عدوى النباتات السليمة ، وتأثره بالمؤثرات الطبيعية والكيميائية
أمراض الفيرس :
أمراض الفيرس منتشرة بدرجة كبيرة في النباتات، ومن أهم النباتات الاقتصادية التي تصاب بهذه الأمراض القمح والذرة والدخان والموز وقصب السكر والخوخ وغيرها . وتظهر على النباتات المصابة أعراض مميزة أهمها مجموعة الموزايك Mosaic ، وهذه تشمل تبقع الأوراق ببقع صفراء أو خضراء باهتة نتيجة انحلال الكلوروفيل ، ويصحب التبقع التواء في الأوراق أو تجمد في سطوحها ، وتتشوه الأزهار وتسقط في النهاية، وتضمر الثمار وتقل حيوية البذور ؛ وأما الأجزاء الباهتة فتظهر على شكل خطوط طويلة أو قصيرة ؛ وقد يبلغ من شدة الاصابة أن
تتحول الأنسجة الخضراء إلى بيضاء ، وفى بعض النباتات تتجمع الأجزاء المصابة كالسوق أو الأوراق في مجاميع مزدحمة غير طبيعية.
ويؤثر الفيرس على تركيب الأنسجة المصابة ، إذ أنه يعرقل نمو الخلايا في الأنسجة الباهتة ، وبذلك تصبح أقل سمكاً من الخلايا الخضراء، وهو يؤثر أيضاً على الكلورو بلاستيدات ، فتقل فى الحجم والعدد ؛ وفي الاصابات الشديدة تتحلل إلى حبيبات لا لون لها ، وهناك ميل إلى تجمع النشا في الخلايا المصابة ، وقد يؤثر أيضاً على الأنابيب الغربالية والخلايا المرافقة لها الموجودة في اللحاء فتموت ، ويصحب ذلك اصفرار اللون في الأنسجة الميتة ، وكثيراً ما توجد في الخلايا المصابة أجسام كروية لم يدرك كنهها للآن ، ولذا أطلق عليها العلماء اسم (X) ، ويحتمل أن هذه الأجسام تكونها الخلايا المصابة كرد فعل .
وقد وضعت عدة فروض لانتقال الفيرس في أنسجة العائل ، فقيل إنه ينتقل بالانتشار من خلية لأخرى ، أو ينتقل في الحزم الوعائية وعلى الأخص في اللحاء ، ويحتمل أيضاً أنه يتحرك ميكانيكياً مع حركة البروتو بلازم ؟ ومن المشاهدات العديدة وجد أن الفيرس ينتقل في مرض تخطط الذرة بسرعة ٣٠سم في ٣ ساعات ، وينتقل في مرض تجمد القمة في البنجر بسرعة ١٧,٥سم في ١/٢ ساعة ؛ وهذا الانتقال أسرع من أن يكون سببه الانتشار من خلية لأخرى ، وأبطأ من أن يكون سببه انتقاله في الحزم الوعائية مع مجرى الماء. فمن الجائز إذا أن الفيرس يتحرك حركة مستقلة لا علاقة لها بصعود العصارة في النبات هذا ولا يستطيع الفيرس الانتقال في الأوعية الخشبية وإذا ما أدخل صناعياً في وعاء خشبي فإنه لا يستطيع أن يخرج منه ما لم يمزق ذلك الوعاء .
وأهم وسيلة لانتقال أمراض الفيرس من نبات لآخر هي الحشرات الناقلة ، وعلى الأخص تلك التي تتبع رتبة Hemiptera أي التي تحتوى على أجزاء فم ثاقب ماض
وتتفاوت الحشرات الناقلة في درجة تخصصها في نقل العدوى، قشرة المن التي تعرف باسم Myzus persicae تنقل حوالى ١٢ نوعاً من أمراض الفيرس ، بينما يخلص المن السمعى Pentalonia neteronervosa بنقل نوع واحد فقط من الفيرس وهو المسبب المرض تورد القمة في الورد. وإذا ما نفذت إحدى الحشرات الناقلة على عصير نبات مصاب، فإنها تلقب الأنسجة وتفرز لعابها الذى يختلط محتويات الخلية، وحين امتصاصها للعصارة بنتقل الفيرس معها وينتشر في جسم الحشرة حتى يصل إلى الغدد اللعابية ، وبذا يصبح اللعاب ملوثاً بالمرض ويكون مصدراً لعدوى النباتات السليمة ؛ ويمكن للحشرة الناقلة إذا ما تلوثت بالمرض مرة واحدة ، أن تحتفظ بقدرتها على نقل المرض لمدة طويلة بدون أن تتغذى على نبات مصاب ؛ وكثيراً ما تكون قادرة على الاحتفاظ بنقل
العدوى مدى حياتها على أن هذه الصفة لا تورث ، فلسل الحشرات المعدية يفقد هذه الخاصية إلا إذا تغذى بدوره على نبات مصاب . وهناك نباتات تعرف باسم النباتات الحاملة Carriers وهى النباتات التي تصاب بالفيرس دون أن يظهر عليها أي أعراض تدل على وجوده ، أي أن ظاهرها سليم بينما هي مصابة في الداخل ؛ ووجود هذه النباتات بعقد دراسة الفيرس ويزيد في صعوبة مقاومته.
ولا يقتصر الفيرس على إصابة النباتات فحسب، بل إنه يصيب الحيوانات بأمراض خطرة ، مثل الطاعون البقرى والجدرى والحمى القلاعية والكلب Rabies وغيرها ؛ كما أن أمراض الدنج والحمى الصفراء والأنفلونزا التي تصيب الإنسان سببها فيرس.

