فيضان النيل في هذا العام فيضان لا عهد للأحياء من المصريين مثله ، فوزارة الأشغال تقول لنا إنه أعلى فيصان منذ سبعين سنة بعد ان قالت من قبل إنه أعلى فيضان عند عشر سنين ثم منذ ثلاثين سنة ثم سند سبعين . والفيضان لا يزال يرتفع كل يوم . ولعلنا نسمع عما قريب أنه أعلى فيضان عرفته مصر منذ عرفت الفيضانات أى منذ وجدت مصر ، لأن مصر هبة النيل ووليدة فيضانه .
ولقد قامت وزارة الأشغال بواجبها خير قيام في تجريد كل قوة استطاعت تجريدها لحصر ماء النيل في مجراه حتى يصل إلى البحر الأبيض بسلام .
والناس يشكرون لوزارة الأشغال همتها في السهر على تقوية شاطئي النيل ودعم جسوره حتى تحصر مياه القبضان الطامية بين ذبنك الشاطئين ، وتبلغ الناس كل يوم أن مياه النيل تندفع إلى البحر الأبيض المتوسط ونحمد الله إلى الناس كل يوم لأنها نجحت في حصر المياه بين شاطئ النيل حتى تذهب إلي البحر.
أما أنا فأعتقد أن النيل قد ساء. نوم المصريين و تجاهلهم لما يأتى به كل عام من ثروة تذهب إلى البحر ، فلم يجد وسيلة يوقظ بها أفراد هذا الشعب الذي يتبناء النيل من فجر الحقيقة إلا أن يشتد عليهم بفيضانه ويرتفع في مجراء ارتفاعاً يهدد بأن يذهب بجسوره فيندفع الماء الاحمر إلى كل قرية يطرق الأبواب ، كأنما هو يقول : أيها النأيمون أنا هنااا .
نعم هذا الفيضان العالي الذي أرق الجفون يقول لوزارة الأشغال والمهندسين : أنا هنا ! أنا هنا بحمواتي من الطمي التى يقدرها المهندسون بألاف الملايين من الامتار المكعبة تذهب كل عام كلها إلى قاع البحر مع الماء الذي يضيع فى
البحر ! أنا هنا بحمولتي التى تحيل الصحراء جنات تجرى من تحتها الأنهار . الأنهار الجوفية كما يسميها رجال الرى !
لم يأت فيضان هذا العام طاغياً عاتياً مرعباً حتى جرد له المصريون رجال ثلاث وزارات وجردوا له فرقاً من الجيش ، ولجأوا إلي السخرة التى ألفاها القانون في ظل الدستور - والفيضان فوق الدستور لأن الدستور إن كان حامي المصريين فالفيضان أصل وجودهم - لم يأت الفيضان هذا العام بهذا الشكل عبثا !
إنما هو منذر وبشير فهل من مذكر ؟ ! إذا كان المصريون القدماء اكتفوا بزرع أرض مصر مرة واحدة كل عام عقب الفيضان فقد كان ذلك يقتفر لهم لأن العلم لم يكن قد وصل إلي إقامة الخزانات في مجري النهر ، وإذا كان مهندسو مصلح مصر الأعظم محمد علي الكبير قد حولوا الري في مصر عما ورتوء عن قدماء المصريين وأنشأوا القناطر الخيرية ليزرع محمد على أرض مصر طوال العام ولينبت على أرضها محصولاته الجديدة التى اتى بها من أركان العالم الأربعة ، ثم اكتفوا بذلك فلهم عذرهم لأن العلم لم يكن قد وضع تحت تصرف الإنسان ما نعرف اليوم من آلات وأساليب . اكتفوا بالسدود بقيمونها في مجري النهر يحجزون امامها اواخر الفيضان لينتقعوا بها في الرى الصيفي . أما ماء الفيضان كله فلم تكن لهم في الانتفاع به حيلة .
ومنذ عهد محمد على إلى الآن ومهندسونا ووزارة أشغالنا تقتقى اثره واثر مهندسيه ، يقيمون الخزان تلو الخزان ويملون الخزان بعد الخزان ، وهم بهذا يظنون انهم أدوا الأمانة حق أدائها
ميزانية الرى في وزارة الأشغال تبلغ نحو ستة ملايين من الجنيهات تنفق كلها على الانتفاع بالماء الذى تحجزء الخزانات ، وهو الماء الذى يأتى في آخر الفيضان . أما ماء القبضان كله وهو أضعاف أضعاف ما يحجز امام الخزانات .
فليس في هذه الميزانية الضخمة قرش واحد بصرف على إجراء أبحاث للانتفاع به .
استغفر الله فان في الميزانية رقمين متواضمين أحدهما ١١ ألف جنيه للوقاية من الفيضان في الوجه البحري و ١٠ آلاف جنيه للوقاية من الفيضان فى الوجه القبلي ، كأنما الفيضان غول رصد المال للوقاية منه او هو جراد بفتك بالزرع ...
ولقد فتح في ميزانية هذا العام اعتماد كبير للوقاية من القبضان الخطر،اعتماد يبلغ ربع مليون من الجنيهات كدفعة أولى لأعمال الوقاية إذا دعت الضرورة اعقبتها دفع أخرى
وتقول بلاغات وزارة الأشغال إنها تحجز الماء أمام خزان أسوان لتكسر من حدة الفيضان ، ولكن خزان أسوان كله لا يتسع لتصرف النهر يوما كاملا ، أى أن فتحات هذا الخزان لو افقت كلها لامتلأ الخزان فى يوم واحد ، وإذاَ فرقع المنسوب أمام الخزان لا يقدم ولا يؤخر .
لو أن وزارة الأشغال فكرت في تحويل ماء الفيضان إلي الصحراء بين أسوان وحلفا ، وقامت يبحث الأرض التى تكتف مجري النهر ، وبحثت انسب الوسائل لتحويل الماء إلي الصحراء الغربية - ماء الفيضان العالى - إذا لأصابت طائرين بحجر واحد : أولها انفاء خطر الفيضان العالي وثانيهما تخصيب الصحراء .
الدول تنفق ملايين الجنيهات على الأبحاث العلمية وتعمل على تحويل المواد التافهة إلي مواد مفيدة حتى صنعت الكاوتش واللحم واللبن ، وحتى خافت مواد متعددة من العدم . ونحن هنا لانفكر في إنفاق شئ على تحويل ماء الفيضان إلي الصحراء الغربية بين أسوان وحلفا ، ولا نتفق شيئا على جعل دلتا النيل نبدأ بين أسوان وحلفا بدل أن تبدأ بعد القاهرة كما كانت منذ عهد الفراعنة .
لو كاننا تحويل ماء الفيضان بين أسوان وحلفا إلى الصحراء عشرين مليوناً من الجنيهات لوجب القيام بذلك
المشروع لأن ماء الفيضان لو أطلق في الصحراء لنشأ فيها واد أكبر من الوادي الحالي المكتظ بالسكان ولزال الفقر والمرض والجهل في سنوات قلائل.
هل أرسلت وزارة الأشغال بعثة من مهانسيها يبحثون عن مكان تحول فيه مياه الفيضان إلى الصحراء بين أسوان وحلفا ؟ إنها لم تفعل شيئا من ذلك .
إنها تفكر في وادي الريان لأنه يتسع لثلاثة أمثال ما يتسع له خزان أسوان من الماء .
ولكن ماء الفيضان في ثلاثة أيام يملأ كلا الخزايين فماذا لباقى الفيضان وهو يستمر أربعة أشهر .
ثم إن وادي الريان تبدأ القرعة التي تملأه عند بنى سويف ، وماء وادي الريان لا يستعمل إلى بعد الفيضان ، ومن المهندسين من يقول إن ملء . وادي الربان بالماء سيقضي على أرض مديرية الفيوم .
ولكن ماء الفيضان إذا حول إلى الصحراء الغربية بين أسوان وحلفا سيحول أرض الصحراء الغربية إلى مزارع ، وقد قيل إن الواحات الخمس التى فى هذه الصحراء هي بقايا وادي النيل القديم .
لعل في فيضان هذا العام عبرة لوزارة الأشغال ، ولعل صياح حراس الجسور ليل نهار يوقظ وزارة الأشغال ، ولعل هذا السبل المدافق من الماء المحمل بالطمي الذى لفت إليه انظار المصريين جميعاً ، لعل هذا كله يخفز وزارة الأشغال إلى تأليف بعثة من المهندسين والمساحين ترسلهم إلى شاطئ النيل الغربى بين أسوان وحلفا يمسحون الأرض هناك ويقيسون ارتفاعها ليجدوا أنسب مكان يحفر فيه قنال يتصرف فيه ماء الفيضان ليذهب إلى الصحراء فيرسب عليها الطمي بدل ضياعه في البحر ، فإذا رسب الطمى على وجهها أصبحت أحسن أرض زراعية في العالم .
فإذا كانت الأرض مرتفعة فلتلجأ الوزارة إلى الآلات
الرافعة ترفع بها ماء الفيضان وتلقيه على الصحراء .
لتفعل وزارة الأشغال شيئاً ، فان استحال على العلم تحويل ماء الفيضان إلى الصحراء لا يقتال ولا بالآلات ، فلتقل لنا وزارة الأشغال إنها مسحت الأراضي هناك ودرست المشروع من كل وجه وإن تكاليف المشروع تجعل من المستحيل تنفيذه
عند ذلك نسلم أمرنا للنيل ولله ونجلس على شاطئ النهر نرقب هذا السيل الذهبي يمر بنا ليختفي في البحر ، فقد بحثنا وحاولنا ؛ ولكن يعجز العلم عن تحويل الماء الطامي إلي الصحراء - لا عجزنا نحن ، ونومنا نحن - هو السبب في ضياع هذا الكنز كل عام في أعماق البحر .
