كان ينظر فى القاضي إلى عقليته القانونية وإلى جانب خاص من خلقه الفردى مما يترك وراءه أثرا ظاهرا في فصل الدعاوى بالشكل الذي تنعي فيه . وقد نص فقهاء الإسلام على جملة صفات خلقية أوجبوا توفرها فيمن يلى القضاء ويحكم بين الناس . غير أن هذه النظرة الخاصة إلى مزايا القاضي القانونية والخلقية وتحديدها فى الإطار المعين الذي وضعت فيه ، مما يدعو إلى كثير من التأمل ، ذلك لأنها لا تكاد تتعدى الشكل الظاهرى لولاة القضاء دون النفوذ إلى ما وراء هذا الظاهر ، حيث تقوم هناك البواعث التي قد تقيد القضاء بماهية الاتجاه وبنوع الحركة وبمدى الزمن الذي يجب أن يصل القضاء فيه إلى مرماه المعين . فإن توفر العقلية القانونية فيمن يلى القضاء وافتراض توفر عدة مزايا خلقية معينة لا يكفي وحده لصيانة القضاء من التردى في مهاوى الميل مع الهوى وكفالة الضمانة القانونية لصاحب الحق على من يتولى القضاء .
إن المعنى المستنتج مما كان قد نص عليه فقهاء القانون في موضوع كفاية القاضي من الناحيتين العلمية والخلقية قد يكفى لتأمين العدالة في مجال القضاء الحقوقى بالنظر إلى طبيعة هذا القضاء وكونها منصبة فى نطاق محدود فرضت شكله وموضوعه قوانين الدولة . غير أن الوضع ينقلب إلى شكل وموضوع آخرين في حدود الدائرة الجنائية ، وتتبدل الغاية والطريقة وما وراءهما من بواعث ينطوى عليها معنى الحق العام في كل جريمة
إن تأدية المهمة الملقاة على عاتق القاضي الجنائي تتطلب كفاية أوسع مدى من تلك التى يجب توفرها فيمن يحكم بين الناس فى المنازعات الحقوقية ؛ ذلك لأن المبدأ الجنائي العام منطو على
أن الأدلة فى الأصل إقناعية . وهذه القناعة قد تكون مجرد معنى تمتلىء به نفس القاضي دون أن يجد اللفظ المفصح عنه لأنه ليس إلا شعورا قائما وراء حدود اللفظ
وفي انطلاق هذا الأفق فى الدائرة الجنائية أصبح قاضي الدعوة رهين بواعث خفية في عقله الباطن وهي تعبر عن ذاتيتها فى أعماله القانونية ، وقد تتحكم فى عقليته القانونية فيأتي بأحكام منشؤها مجرد البواعث النفسية ، وقد يصدر عن مثل هذه الأحكام وهو غير شاعر بالبواعث
إن هذا الانقلاب الذي حدث فى تفهم وتطبيق موضوعات الدائرة الجنائية والذي عرفته وأخذت به دول الحضارة قد جاء عقب الفتح الذى قام به العالم النفسي المنقطع النظير - فرويد- فقد غزا العقل وتمثله ثم نشر كل مطوى فيه ونفذ إلى الصميم من معاقل النفس فعلل وفسر كل ظاهرة وكل اختلاجة . ثم تبعه علماء النفس الآخرون تفصلوا ما أجمله فرويد أو عقبوا عليه ، وظهر من وراء كل هذه البحوث أن هناك تيارات خفية فى نفس الإنسان أو فى عقله الباطن ، هي ولية الشأن فيه ، وهو وديعة الأيام في ذمتها . وجاء بدورهم فقهاء القانون فأيقنوا أن وراء العقلية القانونية ، حياة نفسية مقنعة يجب على القضاء أن يقف على ما هي فيه وما هى عليه إذا أراد أن يمتلك عواطفه فى رؤية الدعاوى ويبدو عن العدل فى الأحكام
إن العوامل غير الشعورية إنما تقوم بدورها وهي من وراء قناع تختفى فيه عن الأبصار فتوقع أثرها الخاص من دون أن يشعر بها صاحبها فى جليل أو قليل ؛ غير أن هذه البواعث وإن كانت تظهر برداء مستعار فإنه يمكن إخراجها إلى المشاهدة بتطبيق حقائق علم النفس الحديث ، وهذا ما أوجب على القاضي الجنائى أن يكون عالما نفسيا فوق تفقهه فى القانون ، ليكون فى أحكامه بمنجاة من غوائل مجرى شعوره النفسي فيقيم من نفسه على نفسه رقيبا فيه ضمان العدالة
إن هناك آفات تصيب العدالة من جرائر القضاة ، وأخطر هذه الآفات تلك التى يقوم بها القاضي من غير شعور أو إرادة وهو يستلهم الطريقة والاتجاه مما وراء عقله الظاهر من عقل باطن
ومنطقة غير شعورية . فمن القضاة من تنطوى نفسه على نزعة الاندماج في الجاني أو من كان مجنيا عليه ، وهو إذا تمثل نفسه فيمن قارف الجريمة ، ورأى فيه رجلا غير معصوم وأنه مثله لولا اختلاف الظروف ، فقد جنح إلى البراءة ووقف من شهود الإثبات في موقف الارتياب ، وقد يؤثر فيهم موقفه هذا بحكم من مركزه الممتاز ، فيضيع على الحق العام كثيرا من الحقائق الجرمية ؛ وهو إذا ذهب إلى الإدانة ، فإنه ينزل بالعقوبة إلى أدنى حد مستطاع . أما إذا تقمص شخصية المجنى عليه ، فقد انقلبت آية الموضوع وأصبح شديد الصرامة على الجاني في حكم الإدانة وفي تقدير العقوبة .
إن القاضي المحدود بعقليته القانونية كالرجل العادى يميل بهواه إلى جانب من الدعوى منذ البداية ، ومن هذا الموطن تبدأ خطورة الضلالة في إصدار أحكام البراءة والتجريم ؛ ذلك لأن القاضي الجنائي متى تكونت عنده فكرة الحكم قبل أن يحيره دوره ويستكمل كافة أدوار التحقيق والمحاكمة ، فقد جنح بإجراءاته كلها إلى ما يدعم ويحقق تلك الفكرة ، ورأى فى كل دليل يعرض عليه الجانب الذي يؤيد فكرته التى كونها منذ البدء عن الدعوى
وهناك مظاهر أخرى يتلبس بها القضاة فتلتبس عليهم مواضع الرشد والهدى في تحقيق العدالة ، وكلها تنطوى تحت مفهوم " الرغبات الخفية " تلك التى تنبعث إلى العقل الظاهر مما وراءه من مناطق باطنه وغير شعورية ، تكنز في تضاعيفها ثمرات أجيال طويلة . فإذا كان القاضي الجنانى لا يمتلك شيئا غير عقليته القانونية ، ولا يعول فى إصدار الاحكام إلا على هذه البيئة العلمية المحدودة وماله من خواص خلقية يعرفها فى نفسه ؛ فقد أضاع ما يجب أن تكون له فى الدعاوى من شخصية مستقلة هو فيها كمن يلحظ المحيط وهو على الساحل . وكان جزءا من كل دعوي تطرح أمامه ؛ فلا ينظر فيها إلا بعين عاطفته المصطبغة بلون الظاهرة البارزة فى وقائع الدعوى ، فيفقد استقلال فكره وحياد نفسه من دون وعي منه ، ويأتى بأحكام مبعثها الهوى وهو غير شاعر بما هو فيه
(بغداد)

