الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 696الرجوع إلى "الرسالة"

القافلة الضالة

Share

(منشورات دار الجامعة)

ومن ثم تنتهي القصة! فبالله عليك أيها القارئ خبرني:  أي شيء استنتجته من هذه القصة المملة؟! لاشك انك ستجيبني  بـ (لا شئ) ! إذاً ما قيمة تلك الحوادث التافهة ليصاغ منها  قصة تستغرق ثماني عشرة صفحة؟! ثم ما علاقة تلك الخاتمة التي  تنتهي بها القصة، واقصد بها زواج سنية من تاجر الجلود بحوادثها  المتواترة الاخرى؟! كأنى بالمؤلف تورط في سوق الحوادث بغير  حساب، ولم يدر كيف سينهيها، ثم عن له أخيراً أن يختمها على  تلك الصورة الغريبة ففعل! وما هذه المصادفات العجيبة المسيطرة  على جو القصة، والتي لا تحدث في الواقع إلا نادراً؟! فتلك  الصدف تدفع ممدوح صادق مثلا أن يخبر سنية أنه سيبعث لها  برسائل غرام، ولكنه يضرب عن هذا العمل، وتجعل من ممدوح  أسعد محباً لسنية أيضاً حيث يبعث لها برسائل غرامه فتعتقد أنها  من ممدوح صادق؟!!

أنظر إلى تلك المصادفات وأعجب، إذ يجعل منها قصاص  قدير حوادث قصة منتزعة - على ادعائه - من صميم حياة مصر  الاجتماعية!!

إن المصادفات في هذه القصة لتتوارد وكأن المؤلف قد أقحمها  إقحاماً، بل كأن أبطال القصة شخصيات آلية يحركها المؤلف  بدلا من أن تتحرك هي نفسها! وبهذا فقد فقدت القصة عنصراً  مهماً من عناصرها الفنية هو عنصر إظهار حيوية الشخصيات!

وأخيراً، دعني أسألك يا عزيزي القارئ قبل أن أغادر هذه  القصة: إن كنت قد ضحكت أم لا عندما أخبرتك في ملخصها  أن الصبي ممدوح أسعد (الحلاق) الذي تخرج من صف الثالث  الابتدائي أديب موهوب يكتب قصصاً وأزجالاً ينشرها في

مجلات معروفة. ويكتب رسائل غرام تجعل من ممثلة تحتقر الأدب  تقدس كاتبها غاية التقديس؟!

-  ٣ - وقصة الكتاب الثالثة (تمثال يتحطم) قصة تحليلية ممتازة  ولا أود التعرض لها بشئ، فليس فيها نقيصة، بل إن من واجبي إن أشركك يا صديقي القارئ بإعجابي بتحليلها النفسي الملذ الذي  توفق فيه المؤلف أعظم التوفيق!

-  ٤ - ولأنتقل الآن سريعاً إلى القصة الرابعة التي كانت بعنوان        (المعلم حنفي) . والواقع أن جو هذه القصة فاتر الفتور كله.  ولعلك تتبين هذا من الملخص الذي سأسوقه لك الآن:

فـ (رفيق حامد طالب في الجامعة، ولكنه لا يشبه رفاقه  ممن اعتادوا في مثل هذا السن أن ينشئوا علاقات غرامية مع  النساء، بل كان منصرفاً إلى قراءة المسرحيات الفرنسية ليكون  في المستقبل كاتباً مسرحياً. وكان يتحاشى الاختلاط برفاقه  الطلاب الآخرين حتى قيل عنه إنه متوحش. وقد اعتاد أن يتردد  على مقهى (فينيكس) في شارع عماد الدين، فينتبذ مقعداً  منعزلا - من جهة الزقاق الذي تجتمع فيه سيارات وعربات  الأجرة - فأشيع عنه أنه يعتز بصداقة الحوذية والسواقين. ولكنه  لم يهتم بكل تلك الإشاعات ومضى يطبق برنامجه حتى إنه كتب  قصة بعنوان (المعلم حنفي) استوحاها من شخصية معلم من معلمي  عربات النقل في (الجيوشي) إمعاناً في العناد.

ثم إنه نال ليسانس الآداب وتوظف في إحدى المدارس الثانوية فأبعدته مشاغله عن مقهى فينيكس وأقصته عن الجو  الأدبي نوعاً ما.

وبدأ يسترد لونه الطبيعي - بعد أن كان (صفراوي) من  كثرة الجهد الذي يبذله في المدرسة - ثم بدأ يعني بهندامه

ويخيط ملابسه لدى خياط شهير. وتقدم خطوة أخرى في ميدان  حياته الجديدة فاشترى سيارة.

ثم إن الأستاذ علي عبد السلام - ناظر مدرسته - دعاه  ذات يوم بمناسبة عيد ميلاد ابنته سعاد وقدمه لها على أنه قصصي  فسألته عن قصصه؛ وعندما اخبرها بقصة (المعلم حنفي) هزت  كتفيها احتقاراً؛ وأشارت إلى أنها تفضل قراءة القصص الغرامية  على قراءة قصة عن حوذي. فعاد إلى منزله وقد صمم أن يكتسب  إعجاب ابنة رئيسه. وأعد هيكل مسرحية تدور حول حادثة حب  عنيف. وبعد أسبوع (!!) تمت الرواية؛ ومثلتها إحدى الفرق  التمثيلية فنجحت نجاحاً باهراً (!!) وتناقلت خبرها الصحف  المصرية والأجنبية بإعجاب (!!)

وعاد رفيق في الليلة الأخيرة لتمثيل روايته إلى داره؛ ففوجئ  بدقات التلفون؛ وإذا بفتاة تخبره أنها شاهدت تمثيل روايته  أسبوعاً كاملاً وأنها معجبة به كل الإعجاب.

وتطور هذا الإعجاب من جهة الفتاة وجهته فأصبح حباً  عنيفاً. وانطلقا يتواعدان على اللقاء باستمرار دون أن تعلم أسرة  الفتاة بتلك العلاقة الغرامية. ولكن علاقتهما انكشفت ذات  يوم لسائق سيارة الاسرة؛ فبينما كانت الفتاة تهبط من سيارة  رفيق أمام منزل من المنازل وإذا بالسائق السوداني العجوز  يبصرها. فثار لكرامة ابنة سيده، واعترض سيارة رفيق؛  ورفع يده ليهوي بها على راسه، ولكن رفيق دفعه دفعة ألقته على  الأرض وأسرع بسيارته هارباً.

ووقف عند مقهى فينيكس فاختار مقعداً منفرداً وجلس  يفكر بما صنع مع السائق العجوز وقد شعر بالندم يتسرب إلى  نفسه. وفي أثناء ذلك اجتمع حوله السواقون والحوذية يسائلونه عن  سر تلك الغيبة الطويلة. فرحب بهم ودعاهم إلى تناول أقداح الشاي

ولما عاد إلى منزله لبث ليلته ساهراً حتى الصباح وقد انهمك  في كتابة قصة جديدة عن سائق عجوز لأسرة من الأسر كان  أكثر وفاء لإبنة الأسرة وحرصاً عليها من أهلها.

ومنذ تلك الليلة فضل أن يستعيد لقبه القديم الذي عرف به  فيما مضى على أن يقوم بعمل مشابه للعمل الذي قام به في تلك  الليلة المشئومة!

وبهذا انتهت القصة. . .!! وبانتهائها تسنح لي الفرص  لإبداء رايي فيها.

فأول نقطة لاحظتها عليها هو الفتور الذي صبغ به المؤلف  جو القصة. يبدو هذا الفتور في حوادثها الاعتيادية المجردة من  عنصر الحركة والنشاط. وفي ذات الوقت فهي تفتقر إلى عنصر  مهم من عناصر القصة الفنية هو عنصر اللذة أو التشويق. إذ  أن القارئ قد يترك هذه القصة في أي قسم منها دون أن يشعر  بجاذبية تربطه بها كيما يتمها. تلك الجاذبية التي يخلقها عنصر  اللذة أو التشويق في القصة الفنية.

والملاحظة الثانية هي أن الصورة التي انتهت بها القصة قد  أقحمت إقحاماً. وإلا فما وجه الندم في دفع سائق عجوز وإلقائه  على الأرض؟؟!!

أهذا الحادث التافه يقلب حياة شاب رأساً على عقب؟!!  أهذا الحادث البسيط يبدل أفكار رجل وآراءه ويوجهها وجهة  جديدة؟!! اللهم هذه نفيسة شاذة ولا قياس على الشاذ. .!!

ولكن رويدك يا أستاذ. ما هذه الغلطة الفظيعة؟!! أيمكن  لقصاص مبتدئ أن يكتب مسرحية في ظرف أسبوع وأن  لا يطول مدى تفكيره في هيكلها أكثر من ساعة أو ساعتين؛  ثم تنجح نجاحاً باهراً؟!! إن هذا النجاح الذي لقيته تلك  الرواية التي كتبت في أسبوع والتي تناقلت أخبارها المجلات  والصحف المصرية بإعجاب ونقلتها عنها المجلات الأجنبية المحلية  لا تلقاها إلا رواية كاتب كبير ذو مران طويل؛ لا كاتب ناشئ  ليس له - حسب تحليلك - المقدرة القصصية.

ثم إن الرواية التي ترفع كاتبها إلى مرتبة كبار كتاب المسرح  - على حد قولك - لا يفكر في هيكلها ساعة ولا تسجل في  ظرف أسبوع يا أستاذ بل يحتاج إلى مدة طويلة ليعاد تهذيبها  مرات ومرات.

ودع عنك كل ذلك، ولكن ما هذا التحليل السطحي  يا سيدي؟!! إنه لا يفوق تحليل أقل كاتب ناشئ إطلاقاً. أين  هذا التحليل - ولا أدري كيف أسميه   (تحليلا) !! - من  نفسيات شخوص قصتك   (تمثال يتحطم) ؟!! ولكن صبراً  فهناك ما هو أدهى من ذلك وهي. . .

-٥- قصة   (شبح اللقاء) . إنها قصة مفككة الحوادث باردة  الأسلوب عادية المعنى. ولا أغالي إن قلت إنها أتفه ما في الكتاب  من قصص. وهي تتلخص فيما يلي:

ف (الأستاذ حمدي يحب فتاة اسمها راجية. وينافسه في  حبها ابن عم لها اسمه سامي. إلا أن الفتاة لا تحب سامي بل حمدي  على الرغم من أن أهلها يعارضون في ذلك الحب.

ثم إنهما اتفقا على الزواج، ولكن حمدي سافر إلى باريس  لقضاء عطلته ولكي يمتع نفسه بمباهجها قبل أن يربط حياته بحياة  راجية. وهناك تعرف براقصة فرنسية كانت قد اتفقت مع إحدى  الملاهي في الإسكندرية على العمل فيه.

فلما أراد أن يعود إلى الوطن صحبته تلك الفرنسية. وعند  عودته علم أن راجية قد عقدت خطبتها على ابن عمها سامي، فقرر  أن ينتقم منها: وقد اغتنم ذات يوم فرصة وجودها في أحد  المطاعم مع خطيبها فدخل إليه مصطحباً الراقصة الفرنسية معه.  فتعشيا معاً، ثم انقضت فترة قصيرة وعزفت الموسيقى تدعو للرقص  فأما راجية فقد أحجمت عن الرقص لئلا يتألم حمدي. وأما حمدي  فقد نهض وتبعته الراقصة إلى حلقة الرقص ومضيا يرقصان. وكان  هذا هو الانتقام الذي أعده لها (!!) .

وفي صباح اليوم التالي تلقى حمدي من راجية رسالة تخبره  فيها بانقطاع العلاقة بينهما إلى الأبد. . .) وبذا انتهت القصة. .!

أتمعنت في حوادثها الخطيرة يا عزيزي القارئ؟؟!! تلك هي  الصورة المنتزعة من صميم المجتمع المصري. .!!

ولا حاجة بي أن أكرر الحديث عن ضعف أسلوبها وركاكته  مرة أخرى. ولا حاجة بي أن أكرر الإشارة إلى حوادثها  الاعتيادية - وأقصد بالاعتيادية تلك التي تصلح أن تكون  مادة لقصة من القصص - وموضوعها التافه. والحق أنني أعجب  لقاص شهير كالأستاذ محمود كامل المحامي أن يكتب أمثال هذه  القصة. والواقع أننا يجب أن نطلق على مثل هذه القصص اسم    (حكايات العجائز)  لا اسم (قصص اجتماعية) . وكان الأحرى  بالمؤلف أن يطلق عليها ذلك الاسم كي لا يكلف نفسه مئونة نقد  النقاد. فبالله عليك أيها القارئ خبرني أي فائدة جنيتها من

مطالعة تلك القصص؟!! وأي عبرة اعتبرتها من قراءتها؟!!  ومع ذلك فالمؤلف يفخر في مقدمة كتابه بأن قصصه هذه عبارة  عن مجموعة صور اجتماعية انتزعت من صميم حياة مصر الاجتماعية

-  ٦ - والقصة السادسة هي قصة (الجارة الراحلة) . وهي قصة  نفسية جيدة وإن كان فيها شيء من الاستخفاف بنفسية المرأة  لا نصيب له من الواقع.

ولكنها على كل حال قصة فنية من طبقة قصة (تمثال  يتحطم) .

وأختتم نقدي لهذا الكتاب بالإشارة إلى ضعف لغته فهي  إن لم تكن في الدرجة المتوسطة فأقل منها. وقد لاحظت أن  المؤلف قد استعمل كلمات في غير موضعها أمثال كلمة (الحياكة)  - في قصة (موسيقار الطريق) - بدل (الخياطة) ،  و(الحائك) - في قصة (المعلم حنفي)  بدل (الخياط) .

العراق - الحلة

اشترك في نشرتنا البريدية