أحس أن على دينا لقراء الرسالة يجب الوفاء به ، فقد كنت وعدت إذا زال الحائل الذى كان يحول بينى وبين الكتابة ان اعود فأفصل ما أجملت فى خطابى الذى نشرته الرسالة وتقيدت فيه بذلك الوعد . وما أجملته هناك وأريد الان تفصيله ، هو أن ما فهمه الأستاذ ( قارئ ) من بعض كلماتى ، وانتقده فى مقالاته " الدين والأخلاق بين الجديد والقديم " ( ١ ) شىء آخر غير ما أردته بما كتبته ، وأزيد الآن انه شىء آخر غير ما تفيده تلك الكلمات
وليس الذى يدعونى إلى الكرة بعد تلك الفترة مجرد حب الوفاء ، ولا مجرد الرغبة فى أن أبين أبى أصبت ولم اخطىء ، فالإنسان يخطئ ويصيب ، ولا غضاضة على المخطئ مادام يخلص النية ويبتغى وجه الحق . إنما أكبر ما يجعلنى احرص على الرد هو الرغبة فى تصفية مسألة القديم والجديد مرة أخرى - فقد صفيتها قبل ذلك فى بعض فصول كتابى النقد التحليلى - ليتبين وجه الحق فيها عسى ألا يعود أحد ينخدع بما بين لفظى القديم والجديد من تفاوت ، فيؤثر فى المعنويات الجديد لجدته على القديم لقدمه ، كما تعود أن يؤثر فى الماديات الجديد على القديم فى المأكل والمسكن واللباس
والنقد الذى كتبه الأستاذ ( قارئ ) ، وصدر فيه عن أدب جم موجه إلى كلمتين اثنتين من كلماتى : إلى الكلمة الأولى التى قدمتها بين يدى ما كنت أريد من كتابة حول ادب الرافعى ، وإلى بعض الكلمة السابعة التي جعلتها خاتمة تلك الكلمات . ويظهر أن الأستاذ حين بدأ يكتب ، كتب عفو الساعة من غير أن يرجع إلى الكلمة المنقودة وإلى أخواتها إن لزم ليستوثق من أن المعنى الذى فى ذاكرته هو حقا المعنى المقصود بالكلام المنقود ، فقد كان مر على الكلمة الأولى المنقودة بضعة أسابيع حين كتب الأستاد
ثم يظهر أن تلك الكلمة الأولى من كلماتى صورت مسألة القديم والجديد صورة غير مألوفة . قلم تقصرها على ميدان الأدب
ولكن عدتها إلى ميدان الاجتماع ، ثم جعلت من الميدانين ميدانا واحدا ، ومن حركة النزوع إلى الجديد فى كل منهما حركه واحدة تشملهما جميعا هى حركة الانصراف إلى جديد الغرب ولو استلزم ذلك الانصراف عن قديم القرآن
لكن هذا التصوير أقرب إلى صميم الامر وإن كان تصويرا غير مالوف . غير أن قربه من الحق لا يتبين حتى تتبين حدود تينك الحركتين الأدبية والاجتماعية اللتين ركبتا معا فى حركه واحدة حين صورنا ذلك التصوير
وأول هذه الحدود وأوضحها أن تكون الحركة العلمية أو الصناعية غير داخلة فى تينك الحركتين ، فإن الأدب والاجتماع غير العلم والصناعة بالبداهة . وإذن فلا محل للرجوع بحركة الجديد إلى عهد محمد على كما يريد الاستاذ ( قارئ ) لأن عهد محمد على فيما نعرف لم يأخذ عن الغرب إلا علمه وصاعته ، ولم يمس النظم الإسلامية الاجتماعية فى كثير ولا قليل
وحد آخر من حدود حركه الجديد التى أردناها : أن روحها يخالف روح الإسلام فى الصميم . من أجل ذلك أخرجنا منها حركة التجديد التى قام بها الإمامان جمال الدين الافغانى و محمد عبده كما هو صريح مقالنا الأول الذى نقده الأستاذ من الذاكرة من غير رجوع إليه . وهذا الحد الثانى كاف وحده فى إخراج عهد محمد على مرة أخرى من نطاق البحث ، وإخراج كل حركة جديدة تتفق مع الدين
وحد ثالث من حدود حركة الجديد التى أرخنا لها : أنها حركه أفراد لا حركه حكومات ، اللهم إلا أن تكون حركة الحكومة نتيجة من نتائج انتشار حركة الأفراد كما حمل أصحاب الحركة النسوية مثلا الحكومة المصرية على تحديد سن الزواج . ولم يخطر ببالنا أن ننبه بهذا الفارق حين كتبنا ما كتبنا ، لأننا أولا لم نكن بصدد التاريخ للجديد على إطلاقه ، ولكن كنا بصدد الكلام على حركه صارت بعد مذهبا اعتنقه أفراد دعوا إليه وثاروا على دعوتهم حتى انتشرت وصار لها من السلطان ما لها اليوم ثانيا - كان واضحا من سياق ما كتبنا ومن الظرف الذى دعا إلى الكتابة ومن بعض عبارات فيها مثل : " ومسألة القديم والجديد عمرها لا يكاد يزيد على ثلاثين عاما آثارها فى الناس نفر تثقفوا ثقافة غريبة من غير أن يكون لأكثرهم من الثقافة الاسلامية نصيب مذكور .
وهذا ، وغيره لا يدع مجالا للشك فى أن المقصود هو مسألة القديم والجديد التي ثارت بين الناس والتى لا تزال موجودة بيننا فهذا الحد الثالث كاف هو أيضا لأن يخرج من نطاق البحث كل حركه لم يقي بها فرد أو أفراد ولم يعتنقها جمهور من الناس . وإذن فالحركه التى قصدنا بالنقد والتى قدرنا عمرها بثلاثين عاما هى حركه قائمة بيننا الآن لا ترجع إلى عهد نابليون فى مصر ولا إلى عهد محمد على ولا إلى عهد اسماعيل ، ولكن ترجع فى راينا من الناحية الأدبية إلى العهد الذى كان هيكل وامثاله يكتبون فيه فى " الجريدة " ، ومن الناحية الاجتماعية إلى العهد الذى كتب فيه قاسم أمين وأصدر فيه كتابيه " تحرير المراة " و " المرأة الجديدة "
والعهدان فى الحقيقة عهد واحد يظلهما زمن واحد هو زمن اشتداد الحركة الوطنية الأولى حوالى ١٩٠٨ او قبلها بقليل . ومن هنا أمكن تقدير عمر واحد الحركتين اللتين بدأتا في الأدب والاجتماع حوالى ذلك التاريخ ، واللتين جعلنا منهما حركة جديدة واحدة عمرها بالطبع عمرهما ، وهو تقدير طبيعى كما ترى لا عوج ولا تكلف فيه -
والأستاذ قارئ لم يأخذ علينا مخالفة للواقع فيما يتعلق بالحركه الأدبية من تقديرنا ذلك ، فهو يوافقنا فيه وإن كان بعض ما كتب فى مقاله الخامس ( ١ ) يدل على انه يميل إلى جعل عمر حركه الجديد فى الأدب أقل من ثلاثين . أما من الناحية الاجتماعية فإن التاريخ لحركة الجديد فيها بظهور كتابى قاسم أمين أمر معقول . فقبل قاسم لم يدع مسلم فى عصرنا الحديث إلى جديد فى هذا الميدان ، ولم يحاول مسلم أن يدعو الناس فى ميدان الاجتماع إلى مخالفة ما جرى عليه العمل فى زمن الرسول صلوات الله عليه فى مسألة الحجاب مثلا والسفور . وإذا كان هناك من المسلمين او غير المسلمين من سبق قاسما إلى مثل ما دعا إليه فانه لم يترك أثرا فى الناس فى مصر كما ترك قاسم ، ولم يستهو نفرا إلى مذهبه كما استهوى ، ولم يبدأ حركه كبرت بعده حتى جاوزت كل ما كان يدور له فى حسبان . فقاسم اولى الناس بأن يبدأ بكتبه تاريخ حركة الجديد مما يخالف الإسلام فى ميدان الاجتماع
والحركة التى بدأها قاسم لم تكن لتبلغ ما بلغت وتستشرى كما استشرت لو لم تجد من الحركة الجديدة فى الأدب مؤيدا وظهيرا فانك إذا تتبعت الحركتين وجدتهما سائرتين جنبا لجنب تأخذ إحداهما بعد أختها تقيها العثرة وتثبتها فى المعترك وإنك لواجد أن الصحف التى ظاهرت إحدى الحركتين هى نفس الصحف التى ظاهرت الأخرى ، وأن أنصار الجديد فى الأدب كانوا ولا يزالون هم أنفسهم أنصار السيفور من قبل وأنصار الاختلاط وما إليه اليوم . كانت الجريدة فى مبدأ الحركتين لسان الدفاع عن كلتيهما والدعوة إليهما ، ثم كانت جريدة " السفور " ، ثم " السياسة " ، ثم " السياسة الأسبوعية " وغزا أنصارهما الصحف الأخري وخلالهم الجو لما غاب " المؤيد " و " اللواء " ، وصارت الدعوى الجديدة هى البدع و " الموضة " فمن لم يقل بها عن نية واعتقاد قال بها كيلا بوصف بالرجعية والجمود . وليس بهم الآن تعليل ذلك ، إنما المهم توكيد ما كان بين الحركتين من اتصال وتلاقح وتعاون ، فالحركة الجديدة فى ميدان الاجتماع أعقبت لونا جديدا من الادب لم يكن موجودا . قبلها يصح أن يسمى بأدب السفور ، والحركة الجديدة فى ميدان الأدب مهما يكن أصل نشأتها ، قد امتزجت بعد بالحركة الاجتماعية الجديدة المتفاقمة واستوحت منها أكثر وحيها لأن روح كل منهما مستمدة فى صميمها من روح الغرب لا من روح الإسلام . ومن يكن فى شك من هذا فليرجع مثلا إلى مجلدات " السياسة " و " السياسة الأسبوعية " قبل ظهور كتاب " حياة محمد " ، فسيتجلى له المذهب الجديد فى الأدب والمذهب الجديد فى الاجتماع قد اتحدا فى حركة واحدة شاملة تنبض بروح الخلاف للاسلام ، لأن أصحابها لجهل أكثرهم بالإسلام صدقوا ما زعمه لهم الغرب من أن الإسلام هو سبب تأخر المسلمين
وإذا كان من رجال الحركة الجديدة فى الادب من لم يناوى الاسلام مع الغرب ومشايعيه من أهل الحركة الجديدة فى الاجتماع فلم يتخذ من وحيها وحيه فى كتاباته ولم يجر معها إلى آخر الشوط الذى جرت ويجرى إليه ، فإن هؤلاء نفر جد قليل . والناظر إلى صميم الأمر لا يستطيع أن يحكم على حركة إلا بما يغلب عليها ، وسيجعل لذلك القليل مخرجا إن أمكنه ولو بتقسيم آخر . ونظن أننا فعلنا ذلك بالحد الثانى من الحدود التى فصلناها آنعا ، وبما سنبينه إن شاء الله فى مقال تال
