الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 586الرجوع إلى "الرسالة"

القرآن فى الإذاعة العالمية، اقتراح عملى جديد

Share

فى هذا الميدان العظيم من دعاية صاخبة بين الأمم والجماعات،  دعاية تثور وتصخب وتقوى وتشتد حتى تشمل العالم جميعه،  وتأخذ بمجامع القلوب، وتفتن الألباب - فى هذا العالم المائج  المضطرب بالفتنة والحروب. يقف الشرق الإسلامى هادئا متثاقلا  كأنه حاشية من جرم المريخ لا وسط من هذه الأرض. هدوء  غريب كأنه مركز الإعصار الفارغ من حوله الحركة والهياج  والدوران. إن العالم اليوم يقف على منقطع من جادة الحياة،  ولابد لكل أمة أن تسير فتجتاز هذا المنقطع، وإن لم تفعل  أنت بها الطريق وتعرضت للفناء. وفى هذه الفترة القصيرة  من تاريخ البشرية لا تكاد تجد أمة لم تأخذ من الحياة الجديدة  بنصيب، أو لم تنتفع من هذه الظروف القائمة الانتفاع الذى لم  تحلم بمثله من قبل. والدعاية التى خلقتها عوامل الحرب الناشبة  من أهم ما أفاد الأمم وأتاح لها التعريف بنفسها، والتقدم بما تملك  من مواهب وثروة، وما تعانى من متاعب ومصاعب، وسوف  لا تنتهى هذه الحرب حتى تهتدى كل أمة إلى مكانتها من العالم  وقيمتها فى الوجود، وتجد أحسن الحلول لمشكلاتها فى السياسة والاجتماع والاقتصاد

إننا نريد من هذا الخلوص إلى موضوع جدير بالعناية  والبحث، له من العناصر والظروف الحاضرة ما يوجب الالتفات  إليه والاهتمام له. أعنى بذلك القرآن من حيث هو كتاب عالمى  يكون أساساً للدعاية إلى مبادئ الإسلام، وعرضه على العالم  عرضاً يوائم أساليب العصر الحديث. فالإسلام بوصفه ديناً  عالمياً، له من قواعده وأخلاقه ما يجعله سهل الفهم والقبول بين الجماعات البشرية فى كل زمان ومكان. وذلك ما يسهل إعلانه والدعوة إليه. إن أحوال العصر الحاضرة تتطلب مجاراة العالم  والدخول معه لا فى ميدان الحرب، ولكن فى ميدان السياسة والاجتماع. وإذ كان العالم اليوم يبحث عن أجدى الحلول لمعضلة الإنسانية الحاضرة. فإن الإسلام ليجد من نفسه الكفاية

لعرض أنفس المبادئ التى يعتقد أن فيها ما يساعد على شرح  الأزمات الإنسانية وعلاجها علاجاً يضمن لها السلامة والشفاء.  ولقد جرب العالم نظريات شتى بعضها خاب وبعضها نجح نجاحاً ضعيفاً، ولكن الإسلام يبقى نظرية اجتماعية ثابتة، عرفتها  الإنسانية قروناً، وعمل بها البشر أحقاباً طوالاً حتى ثبتت  عقيدة وعملاً ومنهاجاً فى الحياة، وظهر صلاحها ومواتاتها  لحاجات الناس فى معاشهم ومعادهم. وحرى بالعالم اليوم أن يتعرف بالإسلام، ينشد منه خططاً جديدة إلى جانب ما ينشد من خطط ونظريات. وحرى بالمسلمين أن يكونوا هم العاملين على تحقيق  هذا القصد. وأن يسلكوا إليه هذه السبيل الممهدة التى عبدتها  الحرب القائمة فجعلت منها ميداناً لكل غرض نبيل ورأى جليل.  أعنى بذلك الإذاعة العالمية التى تتمتع منها العربية والمسلمون  بحظ لا يقل شأناً عن حظوظ كثير من الأمم الأخرى

إن على المسلمين اليوم أن يتقدموا إلى الإنسانية بمبادئ  الإسلام وعقيدته، وما فيه من قواعد اجتماعية تكفل سلامة  الأمم وضمان الحقوق وهناءة المعاش. فالعالم اليوم أحوج ما يكون  إلى بسط نظرية الإسلام فى تنظيم الكون. وكل تقصير فى هذا  يقع على عاتق المسلمين، ويعذر من نتائجه سائر الناس. وفى العالم  اليوم من يتحرى الوسائل الشافية والعلاجات الناجعة من أى  مصدر أتت، ومن أى الوسائل وردت، لا يتعصب لرأى دون  رأي، ولا لنظرية دون أخرى. إذ ليس المقام تبشير بدين  وإنما هو تعريف لعلاج مجرب، وقواعد مطبقة تعرض كما يعرض  سائر النظريات والآراء على ألسنة الخطباء، وأقلام الكتاب  فى المؤتمرات وفى الصحافة وفى التأليف

والوسيلة الجامعة للتعريف بمبادئ الإسلام، القرآن نفسه،  يعرض بأوسع اللغات الحاضرة، أسيرها ذكراً وأعلاها مقاماً.  ولا تنافس الإنكليزية فى هذا الميدان لغة ثانية. ولا نعنى بعرض  القرآن باللغة الإنكليزية ترجمته بها الترجمة الحرفية، إذ أن هذه  معضلة يظهر أنها لم تذلل بعد. وهى إلى جانب ذلك لا دخل لها  فى بحثنا هذا. إننا نعنى أن يؤدى القرآن بمعناه أداءً مطابقاً  بحيث يفهم منه باللغة الأجنبية ما يفهم منه بنصه العربي. وذلك يقتضى اجتماع لجنة من علماء أكفاء ومترجمين مسلمين حاذقين. يجتمعون على معنى القرآن آية بعد آية، وكلما أتموا يسيراً منه  فاقروه واتفقوا عليه وجه به إلى الإذاعات التى تذيع القرآن

اليوم من غير انتظار إلى الفراغ من الشروع كله. حتى إذا  ما تم العمل سهلاً مألوفاً بما قرئ وسمع وتردد بين الناس،  وكان له انطباع عام فى أذهان العالم يساعد على بسط  عناصره وشرح مجمله، فتتولد بذلك النظرية التى يريد الإسلام عرضها على الناس. ومصر وحدها هى الجديرة بهذا العمل الجليل وإليها  نتقدم به. من هذه الطريقة يتعرف العالم بالإسلام، ويجد فيه  من دون ما عنت، ولا إرهاق الوجوه التى قد تعجبه فى علاج  الأزمات. والعالم اليوم لا يجد حرجاً فى السماع لكل قول  والتعرض لكل رأي، يقرأ ذلك فى الكتب أو ينصت له  فى الإذاعات أو يعرض على أنظاره فى المشاهد

إن العالم اليوم ليعرف القرآن من طريق الإذاعة، ولكنه  لا ينجذب إليه ولا يأبه به، لأنه إنما يطرق الأسماع بنصه العربي.  وليست العربية لغة شائعة ولا هى ضرورة من ضرورات الثقافة  العالمية. وكل ما يراد من إذاعة القرآن اليوم إنما هو غرض  دعاويّى بحت يقصد منه التحبب إلى المسلمين واجتذابهم بالنغمة  الناعمة الساحرة. والعالم الإسلامى لا يجتنى أية فائدة من هذه  الطريقة التى يذاع بها القرآن، كلا ولا العالم يستفيد شيئاً من

القرآن بهذه الإذاعة. وإذا نحن استمررنا على الرضاء بهذه  الحصة الفارغة من الإذاعة العالمية فستنقضى الحرب، وتستغنى  الإذاعات الأجنبية عن القرآن. وبذلك تضيع أمكن فرصة  اغتنمتها البشرية لاجتناء أكبر الفوائد وأحسن النتائج، ونضيع  على العالم غروضاً قد يستفيد منها ما يؤدى إلى أفضل مما يصل  إليه وهو على جهل بهذه العروض

إن فى الإسلام يقيناً لعلاجاً لأزمات الإنسانية الحائرة،  وإن فيه لأسساً قويمة فى الحياة؛ فى الدولة والتشريع. وفى  الاجتماع والمعاش، وإن فيه لصلة روحية تسمو بالإنسان عن  طغيان الشهوات والميول الفاسدة، وتفترض بين الأفراد وحدة  عالمية لا غنى عنها لبعض دون بعض، وفى القرآن الشيء الكثير  مما يهتدى الباحث المجد. فلنتقدم بالإسلام بين هذه الفروض  والأسس التى تقترح لإعادة بناء العالم، والإذاعة العالمية زعيم  بإبلاغ القرآن إلى كل قلب بعد أن شغلت به كل أذن. والى  مصر نتوجه بهذا الرأى.

(بغداد)

اشترك في نشرتنا البريدية