الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 216الرجوع إلى "الرسالة"

القرآن وعلامات الترقيم - فتوى لمشيخة الأزهر

Share

تلقت لجنة الفتوى بالجامع الأزهر اقتراحاً، من الأستاذ محمود  عفيفي المحامي، خاصاً بطبع المصحف الكريم على الكيفية الآتية: أولاً: أن يكون بالرسم العادي المتبع الآن بالأزهر الشريف  وفروعه وجميع المعاهد العلمية بمصر والبلاد العربية إسلامية وغير  إسلامية.

ثانياً: أن يراعى وضع علامات الترقيم وسط الجمل لا فوقها كما  هو متبع الآن. ثالثاً: أن يوضع تفسير عصري مختصر بهامش هذه الطبعة  بمعرفة هيئة من كبار العلماء.

وقد جاء في تقرير مرافق لهذا الاقتراح ما خلاصته: إن  الغرض هو تيسير تناول كتاب الله الكريم وسهولة تلاوته كما  أنزل مع فهم ما غمض من معانيه، لأن كثيراً من المتعلمين في  المدارس مع نبوغهم في اللغة العربية لا يستطيعون تلاوة القرآن  في المصحف بطبعته الحالية، لاختلاف هجائه عن الهجاء الذي  ألفوه ودرسوه في معاهدهم، فحرصاً على أن تكون تلاوة هؤلاء  وأمثالهم ممن لا يحفظون القرآن ولم يتلقوه عن القراء صحيحة يجب  طبعه بالهجاء العادي المعروف لهم، وحرصاً على فهم معاني القرآن  لمن يقرأه في المصحف يجب وضع تفسير مختصر مفيد على هامش  هذه الطبعة.

رأي اللجنة في هذا الاقتراح

وقد أبدت اللجنة رأيها في ذلك فقالت: إنها توافق على  وضع تفسير مختصر مفيد على هامش المصحف، وتوجو أن يوفق  الله جماعة من العلماء لوضع هذا التفسير، حتى يعم الانتفاع  بالقرآن الكريم.

أما وضع علامات الترقيم وسط الجمل لا فوقها، فاللجنة ترى  أن المصحف الكريم قد وضعت فيه قديماً وحديثاً علامات على  بعض الحروف وبعض الكلمات وفي وسط الجمل للدلالة على كيفيات  لهذه الحروف كالإدغام والإخفاء وللدلالة على معان تتعلق بالتلاوة  كحسن الوقف ولزومه وامتناعه وغير ذلك، وهذه العلامات لا ترى  اللجنة حاجة لإحداث تعديل في وضعها لأنها وضعت في أماكنها  للدلالة على أغراض خاصة وقد أدت بوضعها في أماكنها هذه  الأغراض بوضوح لا لبس فيه، وبين كل ذلك في التعريف  الشامل بالمصحف الذي وضع في ذيل الطبعة التي أمر بها حضرة  صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول سنة ١٣٤٧هـ

وأما إنشاء علامات ترقيم أخرى للدلالة على أن الجملة  استفهامية مثلاً، ومقولة لقول سابق أو محذوف، فلا ترى اللجنة  مانعاً منها بشرط أن يوضع بشكل لا يوجد لبساً على القارئ  فقد كان المصحف الكريم مجرداً عن  (التعشير)  و (الإعجام)   و  (النقط)  و   (رموز الوقف)  ثم أحدث كل ذلك واستحسنه

كثير من العلماء حفظاً للآي وضبطاً للإعراب خصوصاً للأعاجم  وغيرهم ممن لا يحسنون العربية، قال الزيلعي من علماء الحنفية:  هو وإن كان محدثاً فمستحسن، وكم من شيء يختلف باختلاف  الزمان والمكان. اهـ

وأما طبع المصحف الكريم على قواعد الرسم الكتابي العادي  المتبع الآن، فاللجنة ترى لزوم الوقوف عند المأثور من كتابة  المصحف وهجائه وذلك لأن القرآن الكريم كتب وقت نزوله  على النبي صلى الله عليه وسلم، ومضى عهده صلى الله عليه وسلم  والقرآن على هذه الكتبة لم يحدث فيها تغيير ولا تبديل، وقد  كتبت بها مصاحف عثمان، ووزعت على الأمصار لتكون إماماً  للمسلمين، وأقر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عمل عثمان رضي  الله عنه، ولم يخالفه أحد فيما فعل؛ واستمر المصحف مكتوباً بهذا  الرسم في عهد بقية الصحابة والتابعين وتابعي التابعين والأئمة  المجتهدين في عصورهم المختلفة ولم ينقل عن أحد من هؤلاء جميعاً  أنه رأى تغيير هجاء المصحف عما رسم به أولاً إلى تلك القواعد  التي حدثت في عهد ازدهار التأليف والتدوين في البصرة والكوفة، بل  ظل مصطلح القرآن قائماً مستقلاً بنفسه بعيداً عن التأثر بتلك القواعد.

ولا ريب أنه وجد في تلك العصور المختلفة أناس يقرؤون  القرآن ولا يحفظونه وهم في الوقت نفسه لا يعرفون من الرسم إلا  ما وضعت قواعده في عصر التأليف والتدوين وشاع استعمالها بين  الناس في كتابة غير القرآن، ولم يكن وجود هؤلاء مما يبعث  الأئمة على تغيير رسم المصحف بما تقضي به تلك القواعد.

قال العلامة نظام الدين النيسابوي في كتابه  (غرائب القرآن  ورغائب الفرقان)  ما نصه:

(وقال جماعة من الأئمة: إن الواجب على القراء والعلماء  وأهل الكتاب أن يتبعوا هذا الرسم في خط المصحف، فإنه رسم  زيد من ثابت، وكان أمين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكاتب  وحيه). اهـ.

وجاء في الإتقان للإمام السيوطي ما نصه: (وقال أشهب: سئل مالك: هل يكتب المصحف على ما  أحدثه الناس من الهجاء؟ فقال: لا، إلا على الكتبة الأولى.  رواه الداني في المقنع، ثم قال: ولا مخالف له من علماء الأمة.  وقال في موضع آخر: سئل مالك عن الحروف في القرآن، مثل

الواو والألف: أترى أن يغير من المصحف إذا وجد فيه كذلك؟  قال: لا. قال أبو عمرو: يعني الواو والألف المزيدتين في الرسم  المعدومتين في اللفظ، نحو   (أولوا)

وقال الإمام أحمد: يحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو  وياء أو ألف أو غير ذلك.

وقال البيهقي في شعب الإيمان: من يكتب مصحفاً ينبغي أن  يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به تلك المصاحف، ولا يخالفهم فيه،  ولا يغير مما كتبوه شيئاً فانهم كانوا أكثر علماً، وأصدق قلباً  ولساناً. وأعظم أمانة منا، فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا استدراكا  عليهم). اهـ.

وقد جاء في فقه الحنابلة ما يؤيد نقل السيوطي في الإتقان  عن الإمام أحمد بن حنبل.

وجاء في حواشي المنهج في فقه الشافعية: أن كلمة   (الربا)   تكتب بالواو والألف، كما جاء في الرسم العثماني، ولا تكتب  في القرآن بالياء أو الألف، لأن رسمه سنة متبعة. وجاء في المحيط والبرهان في فقه الحنفية: أنه ينبغي ألا يكتب  المصحف بغير الرسم العثماني.

على أن قواعد الإملاء التي حدثت في عهد التأليف والتدوين  لم يتفق عليها واضعوها بل اختلفوا في رسم كثير من الكلمات كما  هو مدون في مواضعه، وهي بعد ذلك عرضة للتغيير والتبديل،  وقد صارت اليوم موضع شكوى وتفكير نظراً لما فيها من كتابة  أحرف لا وجود لها في المنطق، وترك أحرف منطوق بها، فلا  ينبغي والحالة هذه أن يخضع القرآن في رسمه لهذه القواعد المختلف  فيها، والتي هي عرضة للتغيير والتبديل.

وأما ما يراه أبو بكر الباقلاني من أن الرسم العثماني لا يلزم أن  يتبع في كتابة المصحف، فهو رأي ضعيف، لأن الأئمة في جميع  العصور المختلفة درجوا على التزامه في كتابة المصاحف، ولأن  سد ذرائع الفساد مهما كانت بعيدة أصل من أصول الشريعة  الإسلامية التي تبنى الأحكام عليها، وما كان موقف الأئمة من  الرسم العثماني إلا بدافع هذا الأصل مبالغة في حفظ القرآن وصونه. وأما ما ذكره صاحب الاقتراح من أن كثيراً من المتعلمين  لا يحفظون القرآن، ولا يحسنون قراءته في المصحف، لعدم  معرفتهم الرسم الثماني، فللجنة ترى - تسهيلا للقراءة على هؤلاء -

أن ينبه في ذيل كل صفحة على ما يكون فيها من الكلمات المخالفة  للرسم المعرف.

على أن الأمر أهون مما يتصوره المقترحون للتغيير، لأن  رسم المصحف العثماني لا يخالف قواعد الإملاء المعروفة إلا في  كلمات قليلة معدودة. ومع ذلك، فليست هذه المخالفة مما تحدث  شيئاً من اللبس على القارئ المتأمل، لأنها إما بحذف حرف،  كحذف الألف في   (بسم الله الرحمن الرحيم) ، أو زيادة حرف،  كزيادة الألف في   (أولوا)  أو إبدال حرف من حرف، كرسم    (الصلوات)  بالواو بدلا من الألف، أو وصل ما حقه الفصل  مثل وصل  (ان)  بما الموصولة، كما في قوله تعالى:   (إنما  لتوعدون لآت)  أو فصل ما حقه الوصل، كفصل  (في)   الجارة من  (ما)  الموصولة، مثل   (في ما فعلن في أنفسهن) وواضح أن مثل هذا لا يشتبه على أحد أن ينطق به صحيحاً وإن من يطلع على التعريف بالمصحف الذي أشير إليه فيما  سبق، يستطيع أن يتعرف تلك الكلمات بسهولة، والله أعلم (الرسالة) بقي أن لجنة الفتوى لم تذكر الحكمة في الاستمرار على الرسم  المضلل في كتابة قوله تعالى (ولا تقولن لشاى   (لشيء)  إني فاعل ذلك  غداً إلا أن يشاء الله) وقوله تعالى (والسماء بنيناها بأييد   (بأيد ) ) ،  و (بأييكم   (بأيكم)  المفتون)

اشترك في نشرتنا البريدية