إذا خالف أحد المتحاربين قواعد الحرب المعترف بها فمن حق خصمه أن يلجأ فى الدفاع عن نفسه إلى وسائل تعد فى ذاتها غير مشروعة ، وهذا هو المقصود بالقصاص فى الحروب ؛ وبناء على هذا فان الجندى الذى يطلق الرصاص على عدوه فى أثناء المعركة لا يعد عمله قصاصا . أما تدمير قرية من القرى لأن أهلها قتلوا جنديا ، فهو عين القصاص لأن تدمير القرى فى غير هذه الحال غير جائز .
وقد قيل أحيانا إن القصاص أمر غير جائز مهما تكن الظروف ، لأن خطأين مجتمعين لا ينتجان صوابا ،
ولكن يرد على هذا بأن عملا خاطئا قد يجعل عملا آخر صوابا ، ولهذا لم يخطئ القانون الدولى حين أجاز القصاص .
وقد سار المتحاربون جميعهم على هذا السنن فى كل الحروب تقريبا ، ولم تتردد الحكومة الانجليزية فى الحرب الماضية فى أن تقتص لنفسها من أعدائها فى ثلاث حالات هامة : الأولى عند ما أعلت فى سنة ١٩١٥ أنها تستخدم الغازات السامة كما استخدمها الألمان . وقد كتب رئيس أساقفة كنتربرى فى ذلك الوقت إلى رئيس الوزراء يرجوه (( ألا يسلك مسلكا ينزل بالأمة الإنجليزية إلى مستوى الأعداء )) . ولكن المستر آسكوت لم يقبل رجاءه .
وكانت المرة الثانية عندما أعلنت ألمانيا أنها ستغرق كل سفينة تجارية فى البحار المحيطة بالجزائر البريطانية ، فأعلنت الحكومة البريطانية على الأثر أنها ستصادر كل البضائع المملوكة للأعداء والذاهبة إليهم أو الصادرة من بلادهم . وكانت الحادثة الثالثة هى إغارة الانجليز على مدينة فريبرج عندما أغرق الألمان سفينتين من سفن المستشفيات . ويمكن أن يعد العملان الأولان من الأعمال الضرورية لكسب الحرب ، أما العمل الثالث فمشكوك فيه من هذه الوجهة .
ومن هذه الأمثلة وغيرها يمكننا أن نستخلص الأسباب التى يستند إليها واضعو القانون الدولى لتبرير القصاص : فأولها أن القصاص قد يمنع العدو من مواصلة سئ أعماله . وثانيها أنه لا يمكنه من أن يمتاز على عدوه بميزة غير مشروعة . وثالثها أن القصاص تعبير فعلى إيجابى عن غضب الشعب من عمل غير مشروع .
ولا شك فى أن غضب المحارب من شر يقع عليه مخالف للقانون وتعبيره عن هذا الغضب بالفعل أو بالقول عمل يجيزه القانون الدولى . ولكى يكون للقصاص ما يبرره يجب أن يتوافر فيه شرطان : الأول - أن يثبت بالدليل القاطع أن العدو قد سلك حقا مسلكا غير
مشروع . والثانى - ألا يكون العمل الذى تثأر به القوا المعتدى عليها غير متناسب فى شدته مع العمل المثئور له .
ويصعب فى كثير من الأحوال أن يحكم الانسان هل كان هذا القصاص أو ذاك جائزا أو غير جائز . وحتى إذا لم يكن هناك شك فى جوازه ، فان الحكومات كثير ما تتردد فى الاقدام عليه ، لأنه قد يؤدى إلى تنافس فى الانتقام والوحشية وخيم العاقبة على الطرفين المتحاربين ولذلك يحسن ألا تلجأ إليه الدول إلا إذا أعيتها الوسائل الأخرى ولم تجد منه بدا .

