الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 129الرجوع إلى "الثقافة"

القصاص

Share

إذا خالف أحد المتحاربين قواعد الحرب المعترف بها فمن حق خصمه أن يلجأ فى الدفاع عن نفسه إلى وسائل تعد فى ذاتها غير مشروعة ، وهذا هو المقصود بالقصاص فى الحروب ؛ وبناء على هذا فان الجندى الذى يطلق الرصاص على عدوه فى أثناء المعركة لا يعد عمله قصاصا . أما تدمير قرية من القرى لأن أهلها قتلوا جنديا ، فهو عين القصاص لأن تدمير القرى فى غير هذه الحال غير جائز .

وقد قيل أحيانا إن القصاص أمر غير جائز مهما تكن الظروف ، لأن خطأين مجتمعين لا ينتجان صوابا ،

ولكن يرد على هذا بأن عملا خاطئا قد يجعل عملا آخر صوابا ، ولهذا لم يخطئ القانون الدولى حين أجاز القصاص .

وقد سار المتحاربون جميعهم على هذا السنن فى كل الحروب تقريبا ، ولم تتردد الحكومة الانجليزية فى الحرب الماضية فى أن تقتص لنفسها من أعدائها فى ثلاث حالات هامة : الأولى عند ما أعلت فى سنة ١٩١٥ أنها تستخدم الغازات السامة كما استخدمها الألمان . وقد كتب رئيس أساقفة كنتربرى فى ذلك الوقت إلى رئيس الوزراء يرجوه (( ألا يسلك مسلكا ينزل بالأمة الإنجليزية إلى مستوى الأعداء )) . ولكن المستر آسكوت لم يقبل رجاءه .

وكانت المرة الثانية عندما أعلنت ألمانيا أنها ستغرق كل سفينة تجارية فى البحار المحيطة بالجزائر البريطانية ، فأعلنت الحكومة البريطانية على الأثر أنها ستصادر كل البضائع المملوكة للأعداء والذاهبة إليهم أو الصادرة من بلادهم . وكانت الحادثة الثالثة هى إغارة الانجليز على مدينة فريبرج عندما أغرق الألمان سفينتين من سفن المستشفيات . ويمكن أن يعد العملان الأولان من الأعمال الضرورية لكسب الحرب ، أما العمل الثالث فمشكوك فيه من هذه الوجهة .

ومن هذه الأمثلة وغيرها يمكننا أن نستخلص الأسباب التى يستند إليها واضعو القانون الدولى لتبرير القصاص : فأولها أن القصاص قد يمنع العدو من مواصلة سئ أعماله . وثانيها أنه لا يمكنه من أن يمتاز على عدوه بميزة غير مشروعة . وثالثها أن القصاص تعبير فعلى إيجابى عن غضب الشعب من عمل غير مشروع .

ولا شك فى أن غضب المحارب من شر يقع عليه مخالف للقانون وتعبيره عن هذا الغضب بالفعل أو بالقول عمل يجيزه القانون الدولى . ولكى يكون للقصاص ما يبرره يجب أن يتوافر فيه شرطان : الأول - أن يثبت بالدليل القاطع أن العدو قد سلك حقا مسلكا غير

مشروع . والثانى - ألا يكون العمل الذى تثأر به القوا المعتدى عليها غير متناسب فى شدته مع العمل المثئور له .

ويصعب فى كثير من الأحوال أن يحكم الانسان هل كان هذا القصاص أو ذاك جائزا أو غير جائز . وحتى إذا لم يكن هناك شك فى جوازه ، فان الحكومات كثير ما تتردد فى الاقدام عليه ، لأنه قد يؤدى إلى تنافس فى الانتقام والوحشية وخيم العاقبة على الطرفين المتحاربين ولذلك يحسن ألا تلجأ إليه الدول إلا إذا أعيتها الوسائل الأخرى ولم تجد منه بدا .

اشترك في نشرتنا البريدية