الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 323 الرجوع إلى "الثقافة"

القصة، بين الفن والمجتمع

Share

خرجنا من دار الصور وابتدأ صديقي الحديث فأخذ يطري ( الفيلم ) الذي رأيناه ، ولم اشأ أنا ان اقطع عليه إعجابه فوافقته ، ولكنه تمادي في المديح فسكت . . ولكنه لا يريد أن يسكت ، فقد دخل في موضوع لو اتمه لكلفني سماعة ثلاث ساعات اخرى وهذا ما لا يحتمله راسي . لقد جعل يصف مشاهد ( الفيلم ) الواحد بعد الآخر ، وكنت اتحاشي أن أنهى ليلتنا بمناقشة ، وصديقي هذا هادئ ، وادع الطبع . ولكنه إذا دخل في مناقشة اتعبني فهو متحيز لرايه ولكن في منطقي منظم وحجج قوية.

لم أشأ إذا أن أنهي الليلة بمناقشة أخاف أن أهزم فيها ، فالتفت إليه وقلت متضاحكا : اراك تقص علي مشاهد (الفيلم ) تري انسيت أنني رأيته معك ؟ فضحك وقال :

لم أنس هذا ، ولكني معجب به الإعجاب كله ، وإن لم تشاركني هذا الإعجاب فأنت إذا قليل الذوق . قالها هكذا قوله جامعة لم استطع عليها السكوت ، لم يكن يد من أن أناقش لأثبت على الأقل انني لست قليل الذوق . قلت :

- إن ( الفيلم ) لا شك جميل كقصة ولكن ماذا سيفيد المجتمع منه ؟ وإني اعتقد ان المؤلف يجب ان يراعي ناحية المجتمع ايضا بجانب رغابته لحبكة القصة حتى تخرج من ( الفلم ) وقد عرفنا درسا جديدا دون ان نشعر ونحن نتلقاه اننا نتلقى دروسا واجب علينا حفظها .

ما إن بلغت هذه الكلمة حتى انفجرت بجانبي قهقهة عالية فيها من معاني السخرية والأستهزاء ما لم أتوقعه قال صديقي : - إذا أنت تحب تلك الأفلام التي يعرضها علينا بعض ممثلينا مليئة بالمقالات الرنانة التي يبعثها المثل لتغتصب له التصفيق من أيدي المشاهدين . لاتؤاخذني يا اخي لقد ضعفت ثقتي بآرائك إلى حد بعيد

فرددت عليه وفي نفسى بعض الآلم من ضحكه وأسلوبه . قلت :

- ما إلي هذا قصدت فمثل هذه المقالات تجعلنا نرغب عما تقصد إليه ، وانا من اشد الناس إيمانا بأن اثقل الطيبات على النفوس هي النصائح . ولكن لا بأس على المؤلف إذا اكتنف قصته شيئا من العظة يستطيع المشاهد أن يستنتجه دون تبيان الممثل ومقالاته ، فإن هذا يكون أروح للنفس وأنفع للمجتمع

فعدل صديقي من لهجته الساخرة وقال : - كلامك هذا جميل ، ولكني عرفتك فنانا تدرك ما يعانيه الفنان من تعب وكد ليخرج لنا قصة او مقالة ، واضعا نصب عينيه ان يكون إخراجه فنيا فحسب ، فإذا اخرج لنا هذه القطعة التي اتعب نفسه فيها نقول له " انها حقيقة جميلة وفنية ولكن المجتمع لم يستفد منها شيئا ، ما للفنان والمجتمع ؟ "

وهنا بدأ دوري في السخرية فضحكت ضحكة أخرجت ما علق بنفسي من سخرية الصديق . قلت له :

- وانت ايضا تقول هذا ؟ ! إذا انت تقر أن الفنان يجب ان يعيش في اجواء الملائكة حيث ينقطع عن هذا العالم ، وانت إذا تقر أن الفنان لابد ان يرتمي في احضان الفن ويهب نفسه له ولا ينظر إلى ما عداء . . انى يا صديقي لاعجب من هذا الفنان حينما يتهادي من علياء سمائه لينزل إلي منحط دنيانا فيأكل معنا ويشترك في كل لهونا الدنيوي ، ولكنه متكبر . . إذا مشي لمحت في خطواته نوعا من الزهو والخروج على المألوف . ولعلك إذا سألته إذ ذاك ( لم هذا ؟ )  اجابك بكل تبجح ( هكذا يمشون في السماء ) وهو هكذا في كل احواله ، فإذا جلست إليه مثلا تركك في كلامك المادي ليسرح هو . فإذا سألته ( فيم ؟ ) اجابك بكل شموخ ( في الفن . في الفن ) ولكن ما آخرة هذا

الفن ؟ هو القلم لاشك . فالقلم يكتب والكتابة تطبع فتجمع فتوزع في السوق فتأتي بالأموال فيقبضها الفنان فإذا سألته ( فيم ستصرف ؟ ) اجابك ( على ملائكة الفن والوحي ). ليس هكذا الفنان ياسيدي . والذي يفعل هذا يكون عنده من مركب النقص ما جعله يشعر بتفاهة حقيقته فيحاول أن ينثر حولها هذا الضباب الفضي الذي يبرق في عين أمثاله ممن عندهم شعور بعدم التكامل ، يصدقونه ليقول عنهم ( فنانون ) وليسوا في الواقع كذلك . إنما الفنان الكامل يا سيدي هو الذي يعرف انه من المجتمع وإلي المجتمع . . فالشاعر ينتظم بوحي المجتمع ، والكاتب يديج ويحدوه المجتمع ، والقصصي يقص من صميم المجتمع ، فلا أقل من أن يفيد المجتمع كما استفاد منه قال صديقي وعلي وجهه ابتسامة الفائز :

- ولكن المشاهدين إنما يهربون إلي دور التمثيل ليستريحوا قليلا من المجتمع ، وليرسلوا أزهانهم مسترخية تتبع حوادث القصة التى يشاهدونها ، فإذا صدموا بالمجتمع في هذا المكان أيضا فأين يفرون إذا ؟

قلت : - إن القصة التى يشاهدونها هي في ذاتها صور من المجتمع مختلفة مع العصور والطبقات . وكل الفرق الذي اريده أن تتناول القصة في غضون حوادتها درسا لا يبين عنه حوارها ، أما المفر من المجتمع فلا مفر . فإن الحدائق التي يقولون إن الطبيعة تتجلي فيها هي الآخري لم يتركها المجتمع إلا بعد ان لعب فيها حتى اصارها إلى ما هي عليه من الجمال والرونق . ولكن عساهم يجدون في الصحراء البعيدة عن المدينة ما ينشدونه من القرار.

اختفت الابتسامة عن وجه الصديق وحلت محلها ابتسامة المقتنع . فهو كما قلت هادئ وادع الطبع .

اشترك في نشرتنا البريدية