كان الممثلون المتجولون سميرنوف وبوبوف وبلا بايكين يسيرون والسكة الحديدية ذات صباح اذ عثروا على محفظة ففتحوها فوجدوا فيها بمزيد الانذهال والعجب عشرين ورقة من اوراق المعاملات وست رقاع من القرض الثاني وحوالة ذات الثلاثة آلاف روبل (Roble) فاول ما كان منهم عن طريق الغريزة ان صاحوا " الله " ثم جلسوا على المنحدر وتركوا العنان لاندفاعهم الحماسى
قال سمير نوف وهو يعد المال : كم سيكون نصيب كل واحد منا . . واولياء الجنة انه لخمسة الاف واربعمائة وخمسة واربعون روبلا ايها الاخوان وان ثروة كهذه الثروة والله لثروة يستهان في سبيلها الموت
فقال بلابايكين والله ان اغتباطي لكم ايها الاصدقاء لاشد من اغتباطي لنفسي فمن الان لن تموتوا جوعا ولن تمشوا حفاة وانى لمغتبط للفن خاصة واني لسوف اذهب ببادئ بدء الى موسكو قاصدا آيات (Ayet) فاقول له هيا يا صديقى القديم جهز لى خزانة ثيابي وسوف لن اظهر بمظهر القرويين فاتوخى طريقة الظرفاء المتأنقين فاشترى قبعة عالية وقبعة كيرية (Chapeau claque) وقبعة الظرفاء الرمادية العالية
فقال الروائى الاول بوبوف ملاحظا يجب علينا احتفالا بهذا الحدث السعيد ان نشرب خمرا ونأكل اكلة فنحن منذ ثلاثة ايام نقتات بالخبز العفير ولنا الآن ان ناكل نوعا . . اليس كذلك .
فقال سمير نوف موافقا نعم يا خرافي هذا راي لا باس به وكيف نكون ايها الاطفال محرومين من الماكل بينما لدينا واسع الثروة . . يا عزيزى بوبوف انت احدثنا سنا واخفنا روحا فخذ روبلا صغيرا من المحفظة واسرع آتنا بزاد يا ملاكي . . فهنالك هنالك قرية انظر الى تلك النقطة البيضاء خلف الاكمة فهى كنيسة لا يفصلنا عنها سوى خمسة اميال او ستة تقريبا لا اكثر . انظر انها لقرية كبيرة ستجد فيها كل شىء
فاشتر لنا زجاجة من الفدكة (vodka) ورطلا من محشو المصبر (saueisson) ورغيفين وارنكا (Hareng) ونحن منتظروك هنا يا صغيري العزيز
فاخذ بوبوف الروبل وتهيأ للرحيل فعانقه سمير نوف دامع العينين وقبله ثلاث مرات وباركه وهو يدعوه صديقه وملاكه وروحه . واحتضنه ايضا بلابايكين واقسم له بحفظ الود الابدي ولم ينحدر بوبوف مع المنحدر متوجها الى القرية التى كانت تبدو عن بعيد نقطة قائمة الا بعد سلسلة من اشد التدفقات الشعورية حنوا واعنفها اشفاقا
فقال مفكرا وهو يسير : ما اسعد هذا الحظ يكون المرء محروما من فلس ثم إذا لديه دينار . لديه الثروة لو ذهبت الى منزلي في كسترومة (kostroma) فانشات جوقة وبنيت مسرحا . والحقيقة ان خمسة آلاف روبل لا تمكن المرء من بناء حتى معمدة (Hangar) مناسبة . . لكن لو كان كل مال المحفظة لي لكان الامر على غير ذلك وسيكون لي مسرح يبهر العالم باسره ، وان حصرنا القول فما قيمة سميرنوف بلابايكين في ميدان التمثيل ليس لهما اية موهبة انهما كلبان حاملان قبعتين بانهما جلفان وسيبذران مالهما في الحماقات . . اما انا فساكون قد احسنت الى وطني وخلدت اسمي وهذا ما انا صانعه . . ولن اسلك فيه مسالك فسيكون بكسترومة مسرح لم يكن لروسيا قط به سابق عهد ولقد قال بعضهم ، وكبير ظنى انه ماك ماهون (Mac mahon) - قال ان الغاية تبرر الوسيلة وقد كان ماك ماهون رجلا عظيمما
وبينما كان بوبوف يسير هكذا مغرقا في حساباته كان رفيقاه فى السفر سميرنوف وبلابايكين يدور بينهما الحديث الآتي :
كان سميرنوف يقول والدمع يترقرق في عينيه ان صديقنا بوبوف لشاب عجيب واني لأحبه واقدر قريحته فائق التقدير وانى ولوع به لكن . . افهمت ان هذا المال سيقضي عليه . اذ انه سيفقه في شرب الخمر او يرمى به فى معاملة تكون قاصمة ظهره انه لحديث السن جدا لا يجدر به ان يكون له قبل الاوان مال خاص ايها العزيز الاخ القديم العهد
فيوافقه بلابايكين فيتعانق الرفيقان الماكران ويقول بلابايكين : اجل فما يقدر هذا الصبي ان يصنع بنصيبه من المال اما نحن فامرنا امر . . نحن ابوا عائلتين
نحن من ذوي الرصانة وروبل زائد له في نظرنا قيمة ويواصل بعد توقف قائلا : اما علمت يا رفيقى القديم . . لنكف عن الحديث ولنعدل عن الاحساس ولنزمع في الحال من غير تردد على قتله فيكون لكلينا ثمانية آلاف روبل . . نقتله ونقول فى موسكو انه انحدر فمر عليه القطار . . انا ايضا احبه حبا عظيما لكن لنقصد مصلحة الفن قبل كل شىء وعلى كل فهو ركيك واحمق حمقه حمق الخشبة العارضة
فيقول سميرنوف مذعورا كيف ماذا . انه لفى منتهى اللطف والصدق . . الا انه من ناحية اخرى - ان صدقنا فى القول يا عزيزى - الا انه فظ غلظ وصاحب دسائس ونمائم وحيل ولو قتلناه فعلا لكان هو شاكرا لنا صنيعنا ايها الصديق القديم العزيز . وسعيا وراء ، عدم احزانه سننثر له في جرائد موسكو رثاء مثيرا للاشفاق فنكون بذلك قد حفظنا حق المرافقة
وما كادا ينتهيان من الحديث حتى اخذا فى تنفيذ الامر . . فعندما عاد بوبوف من القرية محملا بالزاد عانقه صديقاه وقبلاه والدموع تترقرق فى عيونهما واكدا له طويلا انه ممثل عظيم ثم فجاة وثبا عليه فقتلاه ووضعا جثته على السكة الحديدية لتزول بذلك آثار الجريمة .
ثم بعد ان اقتسما المال المعثور عليه اخذا ياكلان وقد انفعلا بعض الانفعال ويتبادلان عبارات المجاملة واثقين كل الوثوق ان الجريمة ستذهب هدرا . . لكن الفضيلة تنتصر دائما والرذيلة تنال حتما عقابها . . وكان السم الذي القاه بوبوف فى زجاجة الفدكة اشد السموم زعفا فلم يتمكن الصديقان من تناول شربة ثانية واذا هما جثتان هامدتان على السكة الحديدية . وبعد ساعة اخذت الغربان تحلق عليهما ناعقة
مغزاه انه اذا تحدث ممثل عن رفقائه الاعزاء فترقرق الدمع في عينيه وجهر بالمحبة والتضامن المتبادل واذا ضمهم الى صدره وقبلهم - وجب عليكم الا تتحمسوا مغترين
