الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 943الرجوع إلى "الرسالة"

القصص, من الأعماق

Share

قصة واقعية :

إلى الأستاذ المعداوى ، وكل من فى حياته قصة وفى أعماقه حب قديم  وفى قلبه أشجان، أهدى قصتى. ع. ع

صديقى. . . إنك أعرف الماس بمقدار حرصى على الإبقاء لهذه الذكرى  طي الكتمان فى أعناق القلب الذى حملها سنوات، وما تثيره هذه الذكرى فى نفسي من ألام وأشجان تذهب بهناءتى أياما بل  شهورا لأنها تذكرنى بجريمة ارتكبتها جنيت فيها على قلب كبير،  وتصور لى نفسى مذنبة آثمة، فيهب ضميرى من رقاده فلا يزال  وخزه كالحراب حتى يقيض الله لى من ينسينى هذه الذكرى  بعض الوقت.

ألست أنت الذى حاول مرارا أن ينتزع ها السر الذى  احتفظت به وضننت به على أقرب الناس إلى وغليها، فهل  تظن أن البعد الذي بيننا بحل عقدة لسانى فأقص عليك قصتى  التى من أجلها هجرت بلدى إلى غير رجعة، وأفضى إليك بذات  نفسى فأطلعك على جرح قلبى الدامى الذى تجعله الذكرى ينزف  كأول عهده ؟

إن هذا الجرح هو الذيحال بينى وبين مشاركة الناس التمتع  بهذا الجمال الذى وهبه الله عباده. إننى لا آتمن  هذه الصحائف لأخط عليها ما عجز عن انتزاعه الآخرون  ولكن. . . لا! محال أن البوح. لقد كثر إلحافك بعد أن  افترقنا وأنا أريد أن اسكت هذا اللسان الذي يطاردنيفي حضوره  وغيبته مهما بعدت بيني وبينه المسافات، وكأنك تتعمد إيلامي  لأفضى لك بسرى. وماذا لو أخبرتك خبرها، وأنا اليوم

لا أخاف قالة السوء ولا أخشى أن يزاحمنى عليها أحد. كان ذلك منذ أعوام سبعة يوم كنت معى والتقينا بصديقنا

(م)  بعد عودته من الغيبة التى طال أجلها بيننا، ثم التقيت به  مرات ولم تكن أنت معنا. ودعانى يوما لزيارته فلبيت دعوته ولا أدرى لم دعانى وقد مضت سنوات على صداقتنا ولم يدع أحدنا  الآخر إلى منزله ؟ ولا لماذا خرجت أنا عن مألوف عادتى فلبيت  دعوته ؟ ذهبت فراعنى منزلهم الجميل ورياشه الفاخر وتلك الحديقة  الزاهرة التى تحيط به.

ولما استقر بى المقام جاءت شقيقته (ن) وهى إذ ذاك فى  الثالثة عشرة من سنى حياته ، وهى طالبة فى المدرسة وقدمنى  إليها قائلا: (أستاذك الذى سيقوم بإعطائك درس اللغة العربية)   وأخذت بهذه المفاجأة إذكنت أتحاشى دائما هذا النوع من  الدروس مهما كانت سن الفتاة. بيد أن الموقف ألجم لسانى  وصداقتنا حالت بينى وبين الاعتراض، كل ذلك كان سهلا  بجانب نظرتها إلى، نظرة فيها كل أنواع البراءة والدلال، فوجدتنى  أومن على قوله بغير شعور منى.

ومدت يدها الصغيرة تصافحنى وعلى ثغرها ابتسامة جميلة خلت  من أنواع المخاتلة والرياء، لأنها بسمة تكسوها براءة الطفولة،  إذ كانت إلى هذه السن لا تزال طفلة فى كل أعمالها. فإذا  قدرت سنى حياتها عند رؤيتها ما زادت على عشر سنوات لضمور  جسمها ووداعة خلقها وتعثر كلماتها فى النطق

وحددنا موعد الرس ، وفى اليوم التالى ذهبت إلى منزل  صديقين أو بالأحرى تلميذتى ، فوجدتها فى حجرتها الخاصة  تنتظرنى فقضينا بعض الساعة فى ترتيب وتنظيم، واتفقنا على الخطة  التى تناسبها

صرت بعد ذلك أذهب إليها فى الموعد المحدد . وعلى مر  الأيام زال ما بها من تلعثم ، وكنت أرى منها غبطة وسرورا كلما  رأتنى قادما ، فقد كانت تنتظرنى فى نافذة حجرتها المطلة على الحديقة  فإذا رأتنى هبت تتلقانى بباب حجرتها. وبدأت ألحظ عليها أنها  تبذل جهداً كبيراً لتعوقنى عن الخروج وتحتال لذلك الحيل ، وأكثرها  توجيه أسئلة أجدنى مضطرا للإجابة عنها لأنى كنت أخشى  أن تظن بى العجز. وكم من مرة أضاعت على فرصا كنت أنتظرها

بفارغ صبر. مر العام على خير وجوه. وكانت أولى المتقدمات  من زميلاتها وانتقلت من مرحلة إلى مرحلة أخرى. وظننت أن مهمتي قد انتهت، فانقطعت عنها، وماذا بقي علي؟  لقد أديت واجبى وقمت بما تقتضيه الصداقة.

وبعد أيام من انقطاعى وكنت جالسا فى حجرتى غارقا بين  أوراقى، إذ طرق الباب طارق، فلما أذنت له بالدخول وكنت  أحسبه خادمي فلم أهتم بالأمر. ولما رفعت وجهي لأسأله ما يريد،  رأيت أمامى صديقى (م)  وتلميذتى فأخذت بهذه المفاجأة  ومددت يدى مسلما معتذرا. فلما تقدمت أسلم عليها مدت يدها وهى  تتصنع الغضب ولكنها لن تستطع أن تخفى تلك الابتسامة الحلوة  التي عودتنى إياها كلما لقيتها.

جلسنا فى غرفتى ، وكلما نظرت إليها ازدادت شفتاها انفراجاً ،  ولكنها سرعان ما كانت تسردها بمظهر الغاضبة. ثم  انفرجت شفتاهالا عن ابتسامة ولكن عن عتاب جميل لتقصيرى  عن زيارتهم بعد انتهاء العام الدراسى. ولقد كانت فى إلقاء الأسئلة  وتضييق الحلقة ماهرة كأنها نائب يحقق فى حادثة يريد أن يصل  إلى الجانى، وكلما هربتمن طريق جاءتنى من آخر. وقدمت لها  من المعاذير ما لا يحصى ولكنها تقبل منها واحدا وكانت كلما  ألقيت إليها عذرا رأيتها تهز ذلك الرأس الصغير علامة عدم  الارتياح، ولم تتركنى حتى قطعت على نفسى عهدا باستئناف زيارتهم  مرة أخرى وسيكون ذلك بعد غد. ذهبت إلى منزلها فإذا بى  أفاجأ باستعداد الحفل. باسمة الثغر طلقة المحيا عليها سماء  من تجاوزن سنها، وكان حف تزينه زهرات لم تتفتح مثلها  وما زالت قلوبهن فى الأكمام وتم عقد المدعوين ووقفت تقول  كلمة صغيرة كما قالت فإذا هى تبدع وتجيد، وفى نهاية كلمتها  قدمتني للمدعوين على أن أتكلم كلمة فلم أسر لاقتراحها قدر  ما سرنى كلمتها التى أشادت فيها مما بذلت معها من مجهود أهلها  لهذا التقدم ، فكدت أعتذر لولا نظرتها إلى وما رايته من عيون

متجهة إلى شخصى

وقدمت لنا بعض زميلاتها أغنيات ورقصات أضفت على  الحفل عنصر البهجة والسرور. وكانت جلستى بجانب فتاة وسيمة الوجه طلقة المحيا ذات  شعر فاحم وقوام  أهيف. . وعلى غير قصد منى لمست يدى ذراعها  العارى فسرت رعشة غريبة فى يدى فاضطربت ولحظت فتاتى

ذلك إذ كانت لا تفارقنى، فأسرعت تقدمها إلى، فإذا  هى ابنة عمها قد أتممت دراستها الجامعية هذا العام، وحادثتنى  حديثاً شهياً خلب لبى واستولى على مشاعرى ولم ينته الحفل حتى  كنا على موعد للقاء فى اليوم التالى. وتكرر لقاؤنا فازددت بها  شفا وهمت بها حبا، وترامت الأخبار إلى تلميذتى بعلاقتى بابنة  عمها، فكنت كلما زرتها شاهدت على وجهها مسحة من الهم  والألم، وكانت تتعمد ذكر ابنة عمها أمامى وتنظر إلى أثناء ذلك  نظرات لم أعرف مغزاها إلا بعد فوات الأوان.

وصحبتها إلى السينما وكنت على موعد مع ابنة عمها  فاختارت المقعد الأوسط لتجلس بيننا فنفذت رغبتها ولكن  فعلها آلم ابنة عمها، فعتبت على على مصاحبتى لهذه الصغيرة وإذعانى  لرغبتها، فقد كانت كل منهما تتربص بالأخرى ولكنها تتحاشى  لقاءها، عرفت حبيبتى أن ابنة عمها تحبنى ولكنها لم تذكر لى  شيئا عن ذلك.

وها لنى ما طرأ على تلميذتى من تغير ملحوظ فأصبحت تؤثر  الوحدة وتتحاشى الناس. وتجلس معى صامتة واجمة، وبدأت  عيناها تذبلان ونظراتها تتكسر، فحاولت أن اعرف سر ذلك  منها فلم أفلح. وكانت كلما خرجت معى بمفردها - لأنها كانت  ترفض دعوتى إذا علمت أن ابنة عمها سترافقها - تسر لذلك  ويذهب عنها بعض حزنها وصارت لا تذكر غريمتها أمامى كما  كانت تفعل قبل اليوم.

وذهبت لأطلب يد ابنة عمها فلما تم كل شيء بعثت من  يعلن الخبر في بيتها وكانت ترمي من وراء ذلك إلى غرض في  نفسها. ولما ذهبت فى اليوم التالى  إلى صديقى إذ كنا على  اتفاق لنذهب إلى إحدى الحفلات، ولم أجد تلميذتى تنتظرنى كما هو  مألوف. وهنأنى الجميع ولكنها لم تحضر، فسألت عنها فعجب  الجميع لغيابها، وبحثوا عنها حتى وجدوها، فلما جاءت رأيتها  قد انكمشت فى نفسها

وسألتها عن تقدم استعدادها للذهاب معنا فاعتذرت بتعب  تحسه. وحاولت كثيراً فلم توافق. وفى اليوم التالى علمت بأنها  مريضة فزرتها وواظبت على زيارتها كل يوم، غير أن حالها كان  يسير من سيئ إلى أسوأ. وكانت تسرع خطواتها إلى العام الآخر  فأضفت على البيت الحزن والكآبة. وفى أحد الأيام ذهبت  لعيادتها فانتهزت فرصة خلو حجرتها من الآخرين وسلمتنى

غلافا. فلما ههمت بفضه أشارت إلى إشارة فهمت منها أنها لا ترغب  فى ذلك. ولما صرت خارج الدار فضضت الغلاف فوجدت صورتها  بين أوراقه وتصفحت كتابها فإذا فيه. . .

(حبيبى لقد أحببتك وأنت لا تدرى ، وان كنت قد بادلتنى  هذا الحب ، غير أنك كنت تستخف به لأنه فى نظرك حب طفلة  وما دريت أن لهذه الطفلة قلبا. . .

(وكم ندمت على أنى كنت سبباً فى تعرفك بتلك التى سلبتك  منى واستولت عليك من دونى، وكثيراً ما حدثتنى نفسى أن  أسحقها كما سحقت قلبى وأحطم حياتها كما حطمت حياتى. ولكنى  كنت أخشى أن يكدر فعلى هذا صفو حياتك ويسبب لك  الشقاء والآلام.

(لقد كان أسعد يوم فى حياتك هو أشقى أيام حياتى ، فبينما  أنت تنعم بقرب حبيبتك وقد فاضت منك كأس السعادة.  كنت أنا أقاسى آلاما تهد الجبال وأتجرع كأس الخيبة والحرمان  غارقة فى حمى الحب الذى حطم أعصابى . بينما أنت تضحك ملء  فمك، كنت أنا أبكى مصير حبى وأندب ذكرياتى الجميلة واشبع  آمالى الواسعة ، فى حجرتى المظلمة التى تذكرنى كل قطعة فيها  بحبى، وبأنك كنت فى يوم من الأيام لى وحدى فكم تمتعت  فيها بالجلوس إليك لا يشاركنى فيك أحد . فى هذه الحجرة رحت  أشكو منك وكنت قبل اليوم أشكو لك. فى هذه الحجرة  سعدت بأحلامى الجميلة واليوم أذرف فيها الدمع على أطلال  سعادتى الذاهبة.

(لقد همت كثيرا بأن أكتب إليك بما ألاقى لكن كان الوقت قد مضى والفرصة ضاعت. وهل كنت تصغى لكلماتى وأنا فى نظرك لا اعدو طفلتك الصغيرة ؟

( أتذكر يوم لقيتنى فى حجرتى منفردة أضع رأسى بين  يدى وعلامات الألم تبدو على وجهى فقلت لى : لقد كبرت وغدوت  تفكرين كما يفكر الكبار. ثم جلست تربت على كتفي وتمسح  بيدك شعرى، وأنت تسألنى عن سبب همى ، فكدت أجثو على  ركبتى وافتح قلبى بين يديك وأريق أمامك كل ما كنت أكظمه  من الحنان وما يكربنى من لاحب ، ويملأ قلبى من العواطف.

( لقد أصبح كل شىء فى هذا الوجود مصدره عذابى فكرهت  كل شيء وأحست بالبغض لهذا العالم ومن فيه فلم أعد أطيق  رؤية أحد .

( لقد كان حبى لك كبيرا خبيته اكبر . فلم اقدر  على تحمل ثقلهما . فاذا طوانى الموت ياحبيببى على حبى لك  لأنه سبيلى ولأنه قد توسد الثرى وكان يحلم بتوسد ذراعك ولأنه  ضمه القبر وكان الواجب أن تضمه فى أحضانك  ،ولفه الكفن  وكان حقيقيا أن يلفه وإياك فراش واحد ، واحتوته صحراء مقفرة  وكانت أمنيته أن يحتويه عش تكون أنت سيده .

( إن تعلق بالحياة لا لأن نفسى عزيزة على ولكن للحب  الذى تكنه لك . فاذا مت فلاتيك على لأن بكائك يؤلنى .. ولا تحزن  فان حزنك يشقينى .. ولكن اذكرنى كلما خلوت إلى نفسك ) .

فى هذا الاسلوب الذى لا غموض فيه وتكاف فيه كتبت  إلى خطابها وهو خطاب طويل ، فما انتهيت من قرائته حتى  أحسست الدمع بتساقط    من عينى ، وأن الأرض تدور بى ، ولم  أعرف أين أنا سائر ، وكدت أعود لأضعها بين ذراعى وأغمر  وجهها بالقبل لأخفف عنها وطأة آلامها ولكنى لم استطع إذ  كانت قواى قد خارت ونفسى قد تضمضمت فجلست على أقرب  مقهى وجدته ، وما شعرت إلا والنادل ينهى إلى موعد الانتهاء  من سيرته .فقمت أهيم على وجهى طيلة الليل وأنا حائر ماذا أفعل  وقد قطعت مع عمها وعدا بالزواج من ابنته . لو كان الحب فقط  الذى اكنه لابنه عمها لكتمت أنفاسه وتخلصت منه .. لكن  كيف اتخلص من وعدى وبماذا لأعود إلى ذلك التى أحبتنى  فى صمت وتعذبت فى سبيلى كل هذا العذاب وأنا صادر عنها غافل  عن أجانها وآلامها ، فذبلت كما تذبل الزهرة قبل تفتحها لأنها  حرمت الساقى الذى يتعهدها

وفى اليوم التالى بكرت فى الصباح وقد بيت فى نفسى أمرا .  وقبل أن اصل إلى الدار سكت أذنى أصوات النساء بتدينها . فلما  ولجت الباب رأيت خادمها . فلما سألته أخبرنى أن شريانا  قد انفجر منها إثر صدمة نفسية لم نستطع لها احتمالا . هكذا  قال الطبيب . يارحمتاه لها

فطلت أنى قد قتلتها وأنا غافل   وبعد أسبوع كنت أستقل القطار مبتعدا عن معهد ذكرياتى  المؤلمة ولكنها ما زالت تطاردنى كلما وقعت عينى على صورتها  التى لا تفارقنى

اشترك في نشرتنا البريدية