للصروح والهياكل العظيمة، كما للأشخاص والدول شخصيات تشغل مكانها في حياة الأمم والعصور، وتؤدي دورها في الحوادث والسير العظيمة؛ فإذا ذهبت الدول وفنيت الأجيال بقيت الصروح والهياكل شاهدة بما توالى عليها من الإحداث والمحن تلقى على الماضي نوعا من الضياء القاتم، وتذكرنا بتلك الأدوار العظيمة التي لعبتها في سير الدول والشخصيات الذاهية
وما زالت طائفة كبيرة من هذه الصروح والهياكل العظيمة تزين العواصم الأثرية القديمة؛ ولدينا في مصر عدة من الهياكل الفرعونية الخالدة لعبت أدوارها العظيمة في تاريخ مصر القديمة، ولكنا لا نتحدث عنها هنا لأنها تقترن بعصور تغيض منا في ظلمات الماضي البعيد؛ ولم يبق بمصر من الصروح الإسلامية العظيمة سوى المساجد، وهي ليست مما نعني به في هذا الفصل
وإنما نريد أن نتحدث هنا عن بعض الصروح الأوربية العظيمة التي شهدناها، والتي تعتبر بما لعبت من أدوار خطيرة في الدول والعصور التي قامت فيها صروحا (مثلى)
إن أسماء صروح كاللوفر وفرساي والفاتيكان وقصر الدوجات لا تمثل الهياكل والأبنية العظيمة التي تعرضها هذه الصروح فقط، ولا تقف أهميتها وروعتها عند النقوش والذخائر الفنية العظيمة التي تحتويها، ولكن أعظم ما تدلى به هذه الصروح في نظرنا هو تراثها المعنوي والحوادث والذكريات العظيمة التي اقترنت باسمها
فقصر اللوفر مثلاً يمثل عصوراً بأسرها من حياة الملوكية الفرنسية ويعرض لنا في أبهائه الشاسعة ونقوشه وذخائره طرفا من روعة هذه الملوكية وأيام عظمتها وازدهارها؛ هذا جناح هنري الثاني، وهذا جناح زوجه كاترين دي مديتشي التي تملأ سيرتها كثيراً من القصص الشائق؛ وهذه غرف ولديها فرانسوا الثاني وشارل العاشر؛ وهذا جناح هنري الرابع؛ ولويس الثالث
عشر، وهذا جناح الملك العظيم لويس الرابع عشر: في تلك الغرف والأبهاء الشاسعة عاشت الملوكية الفرنسية أحقابا تشرف على مصاير أمة عظيمة، وفيها كم دبرت أمور وكم قررت شؤون خطيرة كان لها أكبر الأثر في سير التاريخ الأوربي؛ كان اللوفر مدى قرنين قلب فرنسا النابض، وأحيانا قلب أوربا بأسرها شأنه في عهد لويس الرابع عشر
وقد كان قصر فرساي يكمل حياة اللوفر؛ وكان في أواخر عهد الملوكية الفرنسية ملاذها ومستقرها: هذا جناح لويس الرابع عشر الفخم، وهذه غرفة نومه، وهذا بهو عمله ومتزينه، وهذا جناح الملك الخليع لويس الخامس عشر قد أثث بأثاث ما يزال إلى اليوم نموذجا فنياً رائعاً؛ أجل وهذا جناح خليلاته دوباردي ودي بومبادور الخ على مقربة من جناح زوجه الشرعية، ماري لكزنسكا، وهذه أبهاء الحفلات الباذخة التي كان ينفق عليها بغير حساب، وكانت تثقل كاهل الشعب المسكين؛ وأخيراً ها هو ذا (بهو المرايا) الشهير الذي عقد فيه مؤتمر الصلح في سنة ١٩١٩ وأملت فيه فرنسا وحلفاؤها الظافرون إرادتهم على ألمانيا المنهزمة ووقعت فيه ألمانيا وثيقة انكسارها وذلتها
في هذه الربوع والمواطن الصامتة التي تغدو اليوم آثاراً يحج إليها السائح كان يكتب تاريخ فرنسا وتاريخ أوربا
على أن الأحداث والذكريات التاريخية الرائعة لم تجتمع قدر اجتماعها في صرحين عظيمين، هما قصر الفاتيكان في رومة، وقصر الدوجات في البندقية (فينزيا) فأما الفاتيكان فهو بلا ريب أجل آثار النصرانية وأعظمها؛ وفي الفاتيكان الذي غدا علماً على البابوية والكرسي الرسولي، تتمثل عظمة البابوية، وبذخ البابوات، وكل ما في عصر الأحياء من عبقرية وجمال وافتنان؛ وليس الفاتيكان قصراً تستطيع أن تحيط برؤيته في ساعات و انما الفاتيكان مدينة من القصور الرائعة يقتضي التجوال فيها والتمتع بروائعها أياماً عديدة. وقد نشأ الفاتيكان في أواخر القرن الرابع عشر قصراً متواضعاً إلى جانب كنيسة القديس بطرس، وغدا من ذلك التاريخ مركز الكرسي الرسولي، ثم تعاقب عدة من البابوات على إنشائه وزخرفته، فأقاموا إلى جانب القصر
القديم قصوراً وأجنحة جديدة بلغت أعظم مبلغ من الفخامة والبهاء، نخص بالذكر منها مصلى سكستوس الرابع المسمى كابيلاسستنا، والذي خلف ميشيل آنجلو فوق جدرانه من ريشته آيات خالدات، وجناح آل بورجيا الذي أنشأهإسكندر السادس، وأفاض عليه أبدع ما تمخض عنه الأحياء من بذخ وزخرف وبهاء؛ وجناح جوليوس الثاني (لوجي) ، وهو الذي زينه رافائيل بآيات باهرات من فنه وريشته؛ ولبث البابوات يزيدون في صروح الفاتيكان وفي زخرفته حتى غدا مجموعة من القصور الشامخة الباذخة، تضم عشرات من الأبهاء والأروقة الفخمة، وعشرات الساحات والأفنية العظيمة، ونحو عشرة آلاف غرفة. ولا يستطيع القلم مهماً أوتى من قوة أن يصف ما تزدان به تلك الصروح والأبهاء الخالدة من نقوش وزخارف وصور تأخذ الأبصار بجمالها وروعها؛ ويكفي أن نقول إنها مثوى لأبدع وأروع ما تمخضت عنه عبقرية الجمال والفن في أعظم وأزهى العصور
على أن روعة الفاتيكان لا تقف عند جمال الفن؛ وإنما تمثل بنوع خاص في ذلك الدور الخطير الذي أداه في تاريخ النصرانية، وتاريخ البابوية، فقد كان الفاتيكان وما زال رأس الكنيسة المفكر وروحها المسير، وكان مدى عصور طويلة مبعث تلك السلطة الزمنية القوية التي زاولتها البابوية مع سلطنها الروحية جنباً إلى جنب؛ وكانت أبهاء الفاتيكان ومخادعة مسرحاً لكثير من الحوادث التاريخية البارزة، وكانت أيضاً مسرحاً لكثير من المؤامرات والدسائس والمآسي المروعة
وليس بين صروح أوربا الأثرية كلها صرح يثير ما يثيره الفاتيكان في النفس من روعة وإجلال وإعجاب؛ وسيبقى الفاتيكان عصوراً علما على عظمة البابوية الذاهبة، وسيبقى حلية الآثار النصرانية والكنسية كلها
ولنتحدث بعد ذلك عن قصر الدوجات ذلك الصرح الذي لا يدلى مظهره المتواضع بذلك الدور العظيم الذي لعبه في تاريخ أعظم جمهوريات العصور الوسطى
كان قصر الدوجات Palazzo ducale الذي لا يزال يجثم بحناياه العربية البيزنطية وشرفاته المنخفضة بجوار كنيسة القديس
ماركو على المنعطف الذي يصل بين البحر وبين ميدان سان ماركو (القديس مرقص) منزل الدوجات ومستقر الهيئات النيابية التي امتازت بها نظم البندقية في العصور الوسطى، مثل المجلس الأعلى ومجلس العشرة الشهير الذي يثير اسمه كثيراً من الذكريات المروعة؛ وكان رأس الجمهورية المفكر وقلبها النابض، يكتب فيه تاريخها وتدبر فيه أسباب قوتها وعظمتها، وتضطرم فيه تلك الدسائس والمؤامرات الخطيرة التي تدفع بها إلى براثن المحن الدموية أو الفوضى، وكان أخيراً حرمها المقدس وملاذ دستورها، وسلطانها الأعلى
ومن هم أولئك الدوجات الذين سمى الصرح العتيد باسمهم، وتوج اسمهم تاريخ البندقية الحافل من مبدئه إلى منتهاه؟ كان الدوج (أو الدوق(1) ) رئيس الجمهورية وحاكمها الأعلى، وكان في المبدأ يعين بالانتخاب على يد جمعيات من الشعب، ثم أنشئ المجلس الأعلى في القرن الثاني عشر من نواب يعنيهم زعماء الولايات، ومنهم ينتخب الدوج والوزراء وكبار القضاة؛ وكانت البندقية جمهورية، ولكن جمهورية أرستقراطية، تقبض الأرستقراطية على مصايرها وتستأثر فيها بالحكم والسلطان؛ وكان الشعب يجاهد طول الوقت لكي ينتزع لنفسه تلك السلطات التي تستمد منه وتدار باسمه؛ ولكن تلك الأرستقراطية الطاغية المستنيرة معاً كانت حريصة على سلطانها وزعامتها؛ وفي القرن الثالث عشر استطاعت الأرستقراطية أن تقصي الشعب نهائياً عن كل اشتراك في الشؤون العامة، وذلك بأن حول المجلس الأعلى من هيئة نيابية انتخابية إلى هيئة وراثية خالدة، وبذا قامت في البندقية تلك الأرستقراطية الوراثية القوية التي يصفها المؤرخ الفيلسوف سسموندي بقوله: (كانت فياضة الحزم والغيرة والطمع، جامدة في مبادئها، راسخة في سلطانها، تقترف باسم الحرية طرفا من أشنع مثالب الاستبداد، مشاكسة غادرة في السياسة، دموية في الانتقام، متسامحة مع الفرد، باذخة في الشؤون العامة، مقتصدة في الإدارة المالية، عادلة نزيهة في القضاء، قديرة في إزهار الفنون والزراعة والتجارة، محبوبة مطاعة من الشعب؛ يرتجف النبلاء الذين تمثلهم منها فرقا) ثم اختارت
الارستقراطية مجلس العشرة الشهير، وخول سلطات استثنائية وعهد إليه بحماية الجمهورية وسحق كل جريمة وثورة يدبرها الخوارج والطامعون، فتم بذلك للأرستقراطية سلطانها المطلق، وغدت كل شيء في نظم الجمهورية وحياتها ومصايرها
وقصر الدوجات من أقدم الصروح التاريخية يرجع بناؤه إلى نحو ألف عام، ولكن القصر القديم أحرق وزالت معالمه غير مرة خلال الحوادث والفتن، وأعيد بناؤه، وتعهده الدوجات بالإنشاء والزخرف حتى اتخذ شكله الحالي منذ القرن الرابع عشر؛ وتشرف واجهة القصر الأمامية التي تذكرنا حناياها المرمرية بالمشرفات الشرقية، على منعطف سان ماركو، وتشرف واجهته الخلفية على قناة من الماء؛ ويقع في مواجهته بناء عتيق قاتم هو سجن الدولة القديم؛ وتربط الصرحين قنطرة معلقة هي قنطرة الزفرات الشهيرة (بونتي دي سوسبيري) التي يمثل اسمها في كثير من القصص المؤسى، والتي يقال إنها لعبت أيما دور في مصارع النبلاء والسادة، يدفعون منها إلى السجن أو يلقون إلى الماء
وتتكون أبنية القصر من طبقات ثلاث تشرف من الداخل على فناء مستطيل واسع، وليس في مظاهرها الخارجية كثير من الزخرف، ولكنها تبدو قاتمة عابسة تؤذن بأنها كانت أيام مجدها ملاذ الكتمان والصرامة، فإذا نفذت إلى الداخل أخذتك روعة الغرف والأبهاء الشاسعة الفخمة التي زينت جدرانها وسقفها بأجمل ما خلقته عبقرية الأحياء من النقوش والصور؛ ولقد زينت شرفات الطبقة الأولى بتماثيل عدة من مشاهير الدوجات، وزينت إحدى غرف الطبقة الثانية بطائفة كبيرة من الدروع والأسلحة القديمة التي كان يرتديها أو يتقلدها الدوجات أو قادة الجمهورية؛ بيد أن أروع ما في هذا القصر الشهير هو الطابق الثالث حيث يوجد جناح الدوج والأبهاء الرسمية التي تحيط به؛ هذا هو بهو اجتماع المجلس الأعلى لا يزال بتقاسيمه ومقاعده الخشبية القديمة وفي صدره مقعد الدوج؛ وهذا هو البهو الأكبر حيث تنعقد الاجتماعات الرسمية الكبرى، وهنالك في أعماق القصر وراء هذه الأبهاء الشاسعة توجد غرفة متوسطة متواضعة أقيمت في صدرها عدة مقاعد خشبية هي
غرفة اجتماع مجلس العشرة! وهنالك بالضبط عشرة مقاعد يتوسطها مقعد الدوج؛ وفي الغرفة المتواضعة التي يخيل إليك أنها تمثل روح العصور الوسطى، وتمثل الصرامة والغدر والسلطان المطلق معا، كانت تبرم أهم الشؤون وأخطرها، وتصدر أعظم القرارات في حياة الجمهورية، ولقد زينت جدران هذه الأبهاء وسقفها بطائفة بديعة من الصور التاريخية رأينا بينها صورة لافتتاح الصليبيين والبنادقة لقسطنطينيه سنة ١٢٠٣ وموقعة لبانتو البحرية الشهيرة التي هزم فيها الترك سنة ١٥٧١
وقد عرفت مصر الإسلامية عظمة الجمهورية البندقية وعظمة الدوجات في العصور الوسطى وكانت ثمة في عصور السلام علائق ومخاطبات منتظمة بين بلاط مصر وبين قصر الدوجات، وكان البلاط المصري يخاطب (الدوج أو الدوك) باسمه مقرونا بألقاب التعظيم والتكريم
هذه طائفة من الصروح العظيمة التي تمثل بماضيها الحافل عصوراً وأحقاباً عظيمة من التاريخ؛ وهي بذلك صروح مثلى كالأمم والشخصيات المثلى، لا تقف عظمتها عند تلك الأبنية الشامخة وتلك الروائع الفنية التي أسبغتها عليها عبقرية الأجيال والعصور الزاهرة؛ ولكن أشد ما تمثل عظمتها في تلك الصفحات الخالدات التي سجلتها في بطون التاريخ، وذلك التراث المعنوي الزاخر الذي يغمر كل رحابها وجنباتها الصامتة

