- ٨ -
سأتناول بحث حديث الإفك المشهور من ناحيته القضائية، وسأعنى فى ذلك بتحقيق أمور فيه لم يتناولها الذين بحثوه من ناحيته التاريخية ليكون بحثاً قضائياً ينسجم والبحوث القضائية التى تدخل فى موضوعنا، ويتفق فى ذلك مسلكه ومسلكها، ويندرج به فى مسائل القضاء لا فى مسائل التاريخ
وكان حديث الإفك فى السنة الخامسة من الهجرة، وقد جرى بعد انتهاء النبى صلى الله عليه وسلم من غزوة بنى المُصْطَلَق، فلما دنوا من المدينة قافلين من تلك الغزوة أُذِّنَ ليلة بالرحيل، فقامت عائشة رضى الله عنها لقضاء حاجتها حنى جاوزت الجيش، فلما قضت شأنها أقبلت إلى رحلها،
فلمست صدرها فإذا عِقْدٌ لها من جَزْعِ ظَفَارِ قد انقطع، فرجعت تلتمسه فى المحل الذى قضت فيه حاجتها، وقد حبسها التماسه حتى أقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لها، فاحتملوا هودجها على بعيرها وهم يحسبون أنها فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافاً لقلة أكلهن، لأن السِّمَنَ وكثرة اللحم تنشأ غالباً عن كثرة الأكل
وقد رجعت عائشة بعد أن وجدت عقدها إلى محل الجيش فوجدتهم قد ارتحلوا، فجلست فى مكانها الذى كانت فيه، وظنت أنهم سيفقدونها فيرجعون إليها، فبينما هى جالسة فى مكانها غلبتها عينها فنامت، وكان صفوان بن المُعَطَّل رضى الله عنه من عادته أن يسير وراء الجيش، يفتقد ضائعه، ويرد ما يجده من ذلك إلى صاحبه، وقيل إنه كان ثقيل النوم لا يستيقظ حتى يرتجل الناس، فلما وصل إلى عائشة عرفها لأنه كان رآها قبل الحجاب، فاسترجع أى قال: إنا لله وإنا إليه راجعون.
فاستيقظت عائشة باسترجاعه وسترت وجهها بجلبابها، فأناخ راحلته وأركبها من غير أن يتكلما بكلمة، ثم انطلق يقود بها الراحلة حتى وصل الجيش وهو نازل للراحلة.
وكان عبد الله بن أُبيّى بن سَلولٍ رئيس المنافقين نازلا مع جماعته مبتعدين عن الناس، فلما مرت عليه عائشة وصفوان قال: من هذه؟ قالوا: عائشة وصفوان. فقال: فجر بها ورب الكعبة. وفى رواية: ما برئت منه وما بريء منها. وصار يقول: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت. ثم أشاع ذلك فى المدينة بعد دخولهم لها، وقيل إنه كان يُتَحَدَّثُ به عنده فيقره
ويستمعه ويستوشيه، أى يستخرجه بالبحث عنه، ولكن الذى ثبت عليه الاشتراك فى هذا الإفك أربعة: عبد الله بن أُبَيٍ، ومسْطَحُ بن أثاثة، وحمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش أم المؤمنين وعبيد الله بن جحش أخوها. وبعضهم زاد خامساً هو زيد بن رفاعة. وبعضهم زاد سادساً هو حسان بن ثابت
ولا شك أن هذا لا يعد قذفاً فى حق عائشة رضى الله عنها، لأن دعوى الزنا تقرر أمرها قبل حديث الإفك بآية النساء: (واللاتى يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا امسكوهن فى البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً) ؛ فلا يثبت الزنا بعد هذه الآية إلا بأربعة من
الشهود، ولا يجوز لشخص أن يرمى أحداً بالزنا فيما دون ذلك ولو عاينه معاينة، فكيف بأمر عائشة وقد جرى على أسلوب لا يدل على شيء من الريبة، لأن الذى يقع فى الريبة يحاول إخفاؤها، ولا يفعل ما فعل صفوان من الإتيان بعائشة على راحلته، وكان الذى يجب أن يقع لو كان هناك ريبة أن يأتى وحده ويتركها إلى أن يبعثوا فى طلبها، أو يقيم قريباً منها إذا خاف أن يتركها وحدها، بحيث لا يراها ولا تراه، ولا يراه أحد من الناس، حتى إذا عثروا عليها سار على عادته فى طريق الجيش، وقطع على الناس طريق الكلام فى أمرهما
وإذا لم يكن حد القذف قد نزل إلى ذاك الوقت، فإن ما حصل من عبد الله بن أُبَيّى وإخوانه يستحق التعزير الشديد، لأنه قذف قبيح فى حق سيدة شريفة لها منزلتها كزوجة نبي، وكابنة أكبر أصحابه وآثرهم عنده، ولكن النبى صلى الله عليه وسلم لم تتوجه نفسه إلى إقامة التعزير عليهم فى ذلك القذف، لأنه كان كثيراً ما يغضى عما يحصل من أولئك المنافقين، ويؤثر فى ذلك المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، لأن عبد الله
ابن أبى كان من رؤساء الخَزْرَج، وكان الإسلام لا يزال غضاً طرياً لم يقتلع من النفوس كل آثار العصبية، وهذا إلى أن من الحكمة فى مثل ذلك الإفك أن يقضى عليه بالإغضاء، وأن يترك أصحابه حتى يملوه من أنفسهم ويروا أنه لا قيمة لكلامهم
فلم يهتم النبى صلى الله عليه وسلم إلا بمعرفة أثر ذلك الإفك فى نفوس أصحابه، وقد أخذ يستشيرهم فى أمره، فقال له عمر رضى الله عنه: من زوجها لك يا رسول الله؟ قال: الله تعالى. فقال عمر: أفتظن أن الله دلّس عليك فيها، سبحانك هذا بهتان عظيم. ثم دعا النبى صلى الله عليه على بن أبى طالب وأسامة ابن زيد ليستأمرهما فى فراقها، فأما أسامة فقال: أهْلَكَ يا رسول الله، ولا نعلم إلا خيراً. وأما على بن أبى طالب فقال:
يا رسول الله، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإنك لتقدر أن تستخلف. وفى رواية أنه قال: قد أحل الله لك فطلقها وأنكح غيرها، وإن تسأل الجارية تصدقك، يعنى بُرَيرَةَ رضى الله عنها، لأنها كانت تخدم عائشة وتعرف من أمرها ما لا يعرفه غيرها. فدعا النبى صلى الله عليه وسلم
بريرة فقال لها: أيى بريرة، هل رأيت من شيء يريبك؟ قالت: والذى بعثك بالحق ما رأيت عليها أمراً أغمِصُهُ أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتى الداجن فتأكله. ثم سأل النبى صلى الله عليه وسلم زوجه زينب بنت جحش. فقالت: يا رسول الله، حاشا سمعى وبصري، ما عملت إلا خيراً، والله ما أكلمها وإنى لمهاجرتها، وما كنت أقول إلا الحق
فلما فرغ النبى صلى الله عليه وسلم من استشاره كبار أصحابه قام فى الناس وخطبهم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، من يعذرنى من رجل قد بلغنى أذاه فى أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلى إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، ولا يدخل بيتا من بيوتى إلا وأنا حاضر، ولا غبت فى سفر إلا غاب معى
فقام سعد بن معاذ سيد الأوْس وقيل أسيد بن حضير فقال: يا رسول الله، أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك
فقام سعد بن عبادة سيد الخزرج وقد احتملته الحَمِيَّةُ فقال: كذبت لَعَمْرُ الله لا تقتله ولا تقدر على قتله. وثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، والنبى صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، فلم يزل يُخَفَّضُهمْ حتى سكتوا، ولم يفعل شيئاً مع ذلك الرجل الذى آذاه فى أهله، درءاً لتلك الفتنة، وإيثاراً للصلح بين الحيين اللذين قام على عاتقهما الإسلام
كل هذا وعائشة لا تعلم شيئاً مما يقال فى حقها، لأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يرد أن يؤذيها به، فكل شيء يهون إلا الشرف، وكل شيء يحتمل إلا ما يخدش العِرْض، وكانت قد مرضت عقب وصلها إلى المدينة، فلم يشأ أن يزيدها آلاماً على آلام المرض، ولكنه كان فى نفسه شيء من تصرفها الذى
مَكَّنَ ذلك الرجل من ذلك الإفك، وكان عليها عند خروجها لالتماس عقدها أن تترك خبراً بذلك فى الجيش، حتى ينتظر رجوعها ولا يسير ويتركها وحدها، فرابها من النبى صلى الله عليه وسلم أنها لم تر منه اللطف الذى كانت تراه منه حين تمرض،
وإنما كان يدخل عليها وعندها أمها تُمرِّضها فيسلم ثم يقول: كيف تيكم. لا يزيد على ذلك شيئاً، ثم ينصرف ولا يمكث عندها ولم يزل هذا حاله معها إلى أن خرجت بعد ما نقهت، فخرجت معها أم مسطح بن أثاثة، وهى بنت خالة أبى بكر، وكان أبنها مسطح يتيماً فى حجر أبى بكر، وكان أبو بكر ينفق عليه لأنه كان فقيراً، وقد سارتا حتى وصلتا إلى المنْصَعِ، وهو محل متسع كانت النساء يخرجن بالليل للتبرز فيه، فلما فرغتا من شأنهما وأقبلتا عثرت أم مسطح فى مرطها، فقالت: تعس مسطح، فقالت عائشة لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلاً شهد بدراً! قالت: يا هَنْتَاهُ أو لم تسمعى ما قال؟ قالت: وما قال؟ فأخبرتها بقول أهل الإفك
فخرت عائشة مغشياً عليها حين أخبرتها بذلك، وازدادت مرضاً على مرضها، وأخذتها حُمَّى نافضة، ثم رجعت إلى بيتها ومكثت ليلتها حتى أصبحت، لا يرقأ لها دمع، ولا تكتحل بنوم، ثم أصبحت تبكي، فدخل عليها النبى صلى الله عليه وسلم، فسلم ثم قال: كيف تيكم؟ فقالت له: أتأذن لى أن آتى بيت أبَوَيَّ. وهى تريد بهذا أن تتثبت من ذلك الخبر، فأذن لها فى ذلك وأرسل معها غلاماً من الغلمان، وكان قد مضى إذ ذاك بضع وعشرون ليلة على قول أهل الإفك، فقالت لأمها: يغفر الله لك، تحدث الناس بما تحدثوا به، لا تذكرين لى من
ذلك شيئا! فقالت لها أمها: هَوَّنى عليك الشأن، فوالله لَقَلّما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كّثَّرْنَ وكَثَّرَ الناس عليها. فقالت عائشة: سبحان الله! ولقد تحدث الناس بهذا، وعلم به أبي، وعلم به رسول الله. قالت: نعم. فاستعبرت وبكت ومكثت ليلتان لا يرقأ لها دمع، ولا تكتحل بنوم، وكانت تبكى وأبواها يبكيان، وأهل الدار يبكون، وبينما هم على ذلك دخل عليهم النبى صلى الله عليه وسلم، فسلم ثم جلس، ولم يكن قد جلس عندها منذ قيل ما قيل، وقد لبث على ذلك شهراً لا يوحى إليه فى شأنها
وهنا يذكرون أن النبى صلى الله عليه وسلم تشهد حين جلس، ثم قال: أما بعد يا عائشة، فإنه قد بلغنى عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفرى الله وتوبي، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تعالى تاب الله عليه. قال بعضهم: دعاها إلى الاعتراف
ولم يأمرها بالستر، مع أنه المطلوب ممن أتى ذنباً لم يُطلع عليه فقالت عائشة لأبويها: ألا تجيبان رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالا: والله لا ندرى بماذا نجيبه. فقالت: لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر فى نفوسكم، فلئن قلت لكم إنى بريئة - والله يعلم أنى بريئة - لا تصدقونى بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر - والله يعلم أنى منه بريئة - لتصدقني، فوالله لا أجد لى ولكم إلا قول أبى يوسف عليهما السلام إذ يقول: فصبر جميل والله المستعان. ثم تحولت فاضطجعت على فراشها
ولا شك أن هذا الذى يذكرونه لا يتفق وما سبق من النبى صلى الله عليه وسلم حين جمع الناس فخطبهم، وذكر أنه لا يعلم على أهله إلا خيراً، وأن أهل الإفك ذكروا رجلاً لا يعلم عليه إلا خيراً، فكيف يعود بعد هذا إلى الشك فى براءة أهله من ذلك الإفك، وقد استشار كبار أصحابه فبرأوا عائشة منه، وذكروا أنه إثم وبهتان عظيم
ولما بلغ الأمر أشده، ولم يعد من السهل أن تعود عائشة إلى بيتها على هذا الحال، نزل الوحى ببراءتها فى الآيات الأولى من سورة النور، ونزل فيها حكم القذف: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون، إلا الذين تابوا من بعد ذلك فإن الله غفور رحيم) .
فخرج النبى صلى الله عليه وسلم إلى الناس وخطبهم وتلا عليهم تلك الآيات، وأمر بجلد أصحاب الإفك، وقد اتفقوا على جلد ثلاثة منهم، وهو مسطح وحمنة بنت جحش وأخوها عبيد الله، واختلفوا فى جلد عبد الله بن أبى وحسان بن ثابت، فقيل إن عبد الله جلد أيضاً، وقيل إنه لم يجلد، لأن الحد كفارة وليس من أهلها لنفاقه، أو لأنه لم تقم عليه البينة بذلك، أو لأنه كان لا يأتى بذلك على أنه من عنده، بل على لسان غيره
وأما حسان فقيل إنه كان من أهل الإفك وإنه جلد فيه، وقيل إنه لم يكن منهم ولم يجلد مثلهم، ومما يدل على أنه لم يكن من أهل الإفك تبرؤه مما نسب إليه فى أبيات مدح بها عائشة رضى الله عنها، ومنها قوله:
مهذبة قد طَيَّبَ الله خيِمها ... وطّهَّرَها من كل سوء وباطل
فإن كنتُ قد قلتُ الذى قد زعمتمُ ... فلا رفعت سوطى إليّى أناملى
وكيف وودى ما حييتُ ونصرتى ... لآل رسول الله زين المحافلِ
وقد ذكر الزبير بن بكار أنه قيل لعائشة رضى الله عنها وقد قالت فى حق حسان رضى الله عنه إنى لأرجو أن يدخله الله الجنة بذبه بلسانه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس هو ممن لعنه الله فى الدنيا والآخرة بما قال فيك؟ قالت: لم يقل شيئاً، ولكنه القائل:
فإن كان ما قد قيل عَنَّى قلتُهُ ... فلا رفعتْ سوطى إليّى أناملى

