الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 450 الرجوع إلى "الثقافة"

القضية المصرية أمام مجلس الأمن

Share

كان يوم الثلاثاء ٥ أغسطس موعد البدء في نظر القضية المصرية أمام مجلس الأمن . وقد تولى دولة النقراشي باشا رئيس الوزارة المصرية بسط وجهة نظر مصر في جلسة الصباح ، ورد عليه المستر كادوجان المندوب الدائم للمملكة المتحدة البريطانية لدي مجلس الأمن. والمفهوم أن الوفد المصري سيعقب على رد بريطانيا، ويتلو ذلك تعليق من ممثلي بريطانيا ، وبعدها يناقش المجلس المشكلة . وقد نشرت الصحف اليومية النص الكامل لكل من بيان النقراشي باشا ورد المستر كادوجان ؛ فلهذا نكتفي بإجمال النقط الأساسية التي إستند إليها كل منهما ، ثم نتناول الموقف بشئ من الدرس والتعليق.

بيان النقراشي باشا : إستهل النقراشي باشا بيانه بالإشارة إلى ثقة مصر بالمجلس وميثاق الأمم المتحدة ، وإلى أن المشكلة إذا كانت تمس بريطانيا في بعض مصالحها الثانوية ، فهي تمس مصر في صميم كيانها وحريتها ومقومات وجودها .

ثم أشار البيان إلى أن بقاء النزاع بين مصر وبريطانيا يخلق في الشرق الأوسط حالة من الإضطراب والقلق تهدد السلام .

وأشار إلى أن مصر لم تدخر وسعاً في التفاهم مع بريطانيا قبل الإلتجاء لمجلس الأمن ، وتفاوضت معها في

أمر تعديل معاهدة سنة ١٩٣٦ مفاوضة طويلة ، زاد في طولها إصرار الجانب البريطاني علي التمسك بشروط ثقيلة بهظة ثمناً لحقها الطبيعي في الجلاء . ويعد تعثر المفاوضات وإنتهائها لغير نتيجة ، حاولت مصر محاولة أخيرة ، فسافر رئيس الوزارة المصرية ووزير الخارجية إلى لندن ، وإتصلا مباشرة بالمستر بيفن وزير الخارجية ، وإنتهيا معه إلى إتفاق كان يصح أن ترضاه مصر ، فقد إعترف فيه وزير الخارجية البريطانية بوحدة مصر والسودان تحت تاج مصر المشترك ،

ولكن هذا الإنفاق لم يكد يوقع حتى أعقبه تفسير من رئيس الوزارة البريطانية يفد معناه وقامت في نفس الوقت حركات من الموظفين البريطانيين بالسودان تناقض روح الصداقة والمودة التي كان يراد تحقيقها بإبرام المعاهدة . لهذا كان من العبث مواصلة السير في طريق المفاوضة بعد أن وضح عقمه ، وتجلي إصرار بريطانيا على نياتها التى لا تبعث على الثقة والإطمئنان ، وإضطرت مصر كارهة إلى الإلتجاء لمجلس الأمن لتستعين به على حل مشكلة خطيرة ، أعياها أن تصل إلى حل لها بطريق المفاوضة المباشرة مع بريطانيا .

وتكلم النقراشي باشا عن تاريخ الإحتلال البريطاني لمصر والظروف التي إكتنفته من البداية ، وهي ظروف تنم عن روح إستعمارية سيئة ترمي إلي بسط نفوذ بريطانيا

على هذه المنطقة . وأشار إلي التصريحات المختلفة التي صدرت عن رجال بريطانيا المسئولين ، مشيرة إلى أن الإحتلال مؤقت ، وإلى أنه بقي على الرغم من تلك التصريحات خمسة وستين عاماً سيطرت فيها بريطانيا على مصر وسياستها الداخلية والخارجية . ثم أشار إلى إعلان الحماية علي مصر خلال الحرب العالمية الأولى ، وبقاء هذا الوضع الكريه بعد إنتهاء الحرب ، من غير أن تحرك لبريطانيا ساكناً لتغييره ، مما أدى إلي إنفجار مصر وثورتها وما إنتهى إليه ذلك من إعلان بريطانيا تصريحاً من جانبها تعترف فيه بإستقلال مصر في سنة ١٩٢٢ مع تحفظات أربعة إحتفظت بها خاصة بسلامة المواصلات الإمبراطورية في مصر ، والدفاع عن مصر ضد أي إعتداء أجنبي ،

أو تدخل مباشر أو غير مباشر ، وحماية مصالح الأجانب والأقليات في مصر والسودان ، فقد إستبقتها لمفاوضات تحددها . وجرت سياسة بريطانيا بعد ذلك على أساس جعل هذا الإستقلال صورياً ، وإستبقاء الكلمة العليا في كل الشئون الخارجية والداخلية لبريطانيا وممثلها في مصر ثم أشار إلي محاولات مصر في إستكمال شرائط استقلالها عن طريق المفاوضة مع بريطانيا ، وجمود السياسة البريطانية وإصرارها على موقفها ، وفشل كل تلك المحاولات من ١٩٢٢ إلي سنة ١٩٣٦ .

وتكلم بعد ذلك عن معاهدة سنة ١٩٣٦ ، والظروف التي إكتنفتها ، وكيف قبلتها مصر متأثرة بالخوف من النازية والفاشية التي كانت قواها تهددها من الغرب والجنوب .

وفي مناقشة معاهدة سنة ١٩٣٦بين النقراشي باشا أن القيود التي قبلتها مصر كانت قيوداً خاصة إقتضاها الموقف الدولي إذ ذلك ، وليس هناك ما يبرر بقاءها وإمتداد أثرها بعد إنتهاء الحرب وزوال تلك الظروف .

ثم أشار إلي أنه لا يتعرض لقانونية المعاهدة ، وإنما يود أن ينبه إلي أن مصر بعد أن إنضمت إلي ميثاق الأمم

المتحدة وإرتضته مع بقية الدول دستوراً للعلاقات الدولية أصبحت تعول عليه كل التعويل . وإنه يتنافى مع المساواة التي ينص الميثاق على ضرورة قيامها بين الدول المشتركة أن يحتل جنود دولة أراضى دولة أخرى زميلة لها في الهيئة متمتعة بالسيادة والإستقلال . وأشار إلى أن بقاء القيود التي تقيد بها المعاهدة مصر يتعارض مع التزاماتها التي تفرضها عليها عضوية هيئة الأمم المتحدة .

وأشار البيان إلى السوابق التي انتهجها مجلس الأمن في شأن إحتلال جنود دولة لأراضي دولة أخرى ، وهذه السوابق هي قراراته في قضايا إيران واليونان وسوريا ولبنان ، وأتبع ذلك بقرار الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة الذي أبرز فيه مخالفة إحتلال دولة لأراضي دولة أخري من أعضاء الهيئة لروح الميثاق وأهدافه ولمبدأ الدفاع الإجماعي ، وأوصت الهيئة فيه بسحب القوات العسكرية الأجنبية من البلاد التي تحتلها .

وتكلم النقراشي باشا بعد ذلك مبيناً مالابس معاهدة سنة ١٩٣٦ من الإكراه ، وأنها في الواقع لم تكن طرفاً حراً فيها وختم كلامه عن معاهدة سنة ١٣٩٦ بالإشارة إلى إحدى مواد الميثاق وهي تنص على أنه إذا تعارضت أحكام معاهدة سابقة مع مبادئ الميثاق فالعبرة بالالتزامات المترتبة على هذا الميثاق .

ثم تكلم النقراشي باشا بعد ذلك عن السودان وعلى أنه يكون مع مصر وحدة جغرافية وتاريخية وإقتصادية ، وتناول تاريخ السودان الحديث من عهد محمد على وكيف سارت الأمور في وادي النيل سيراً طبيعياً مزجت بين جزأي وادي النيل في وحدة حقيقية إلى وقت إحتلال مصر . ثم أشار إلي قيام الثورة المهدية وتدخل الإنجليز تحقيقاً لسياستهم الإستعمارية ، وضغطهم على مصر لسحب قواتها ، وكان في إستطاعتها قمع الثورة ، ثم ماتبع ذلك من إرسال حملة مشتركة من المصريين والإنجليز تحت قيادة كتشنر لإعادة فتح السودان .

وأشار إلى إتفاقية سنة ١٨٩٩ التي جعلت إدارة السودان مشتركة ، ومقاومة مصر لها وفرضها بالإكراه عليها ، ولم يفته أن يوضح أن بريطانيا ظلت معترفة على الرغم من هذا بمركز مصر الشرعي في السودان ، وأشار إلى المناسبات الكثيرة التي أكد فيها الإعتراف بهذا المركز .

ومضى البيان يشرح ما جرت عليه السياسة البريطانية من الانفراد بالحكم في السودان وإبعاد المصريين عنه ، والعمل على توهين العلاقات بين السودان ومصر ، وتحويل الطريق التجاري في السودان عن مسلكه الطبيعي نحو الشمال وتوجيهه إلي الشرق .

وبين في جلاء ما في الدعاية البريطانية الحديثة التي تتكلم عن حق السودان في تقرير مصيره من تمويه ، وأنها  إنما ترمي بذلك إلى فصله عن مصر والإنفراد به لنفسها ، وأشار إلى الإجراءات التعسفية التي تقوم بها حكومة السودان لمقاومة الروح الوطنية وتشجيع الحركة الإنفصالية عن مصر .

ونوه بالسياسة البريطانية التي تعمل على فصل جنوب السودان عن شمال تمهيداً لإلحاقه بأفريقيا الشرقية البريطانية . ونفى بقوة ما تتحدث عنه بريطانيا من وجود فكرة إستعمارية مصرية للسودان .

وختم بيانه بإبراز مطالب مصر الخاصة بجلاء القوات البريطانية عن مصر والسودان ، وإنهاء الحكم الإداري في السودان ، وأشار إلى ما أجمع عليه رأي الكثيرين من أن الدولة التي تتحكم في أعالي النيل تتسلط على مصر بحكم وضعها الجغرافي ذاته ، ومثل هذه الدولة تكون مصر في قبضة يدها .

رد المستر كادوجان : أشار المستر كادوجان إلى أن ممثل مصر عرض الموقف البريطاني في مصر عرضاً تاريخياً طويلاً في صورة قائمة وهو لا يقر هذه الصورة . ثم ناقش شكوى مصر لمجلس

الأمن ومطالبها وهي تتلخص في الجلاء العاجل التام للقوات البريطانية في مصر والسودان ، وإلغاء النظام الإداري القائم في السودان وأشار إلي أن الطلبين يتعارضان مع نصوص معاهدة سنة ١٩٣٦ ، وأن الطريق الطبيعي لتعديل المعاهدة هو إجراء مفاوضات مباشرة بين الطرفين ، ولا يتم التعديل إلا إذا توافقت إرادة الطرفين .

ثم تكلم عن المفاوضات الأخيرة وما إنتهت إليه تلك المفاوضات من مشروع لمعاهدة جديدة للمعونة المتبادلة الحق بها بروتو كولان وقع عليهما بالحروف الأولى صدقي باشا والمستر بيفن ، أحدهما خاص بجلاء القوات البريطانية عن مصر بحيث يتم في يوليه سنة ١٩٤٩ ، وقد رفضت الحكومة المصرية النص الذي وقع عليه في لندن ، ولهذا إستبعدت الأحكام الخاصة بالجلاء أما بروتوكول السودان فقد تضمن بعض نقط تتفق تماماً مع إستمرار نظام الإدارة الحالي المشترك ، ونص فيه على أن السياسة التي يتعهد الطرفان باتباعها ستكون أهدافها الأساسية تحقيق رفاهة السودانيين وإعدادهم إعداداً فعلياً للحكم الذاتي ، ويجب أن يعطى السودانيون حرية الإختيار ، وهذه النقطة هي التي وقع عليها الإصطدام بين مصر وبريطانيا ، وكانت وحدها سبب إنقطاع المفاوضات .

ثم تكلم عن تصميم بريطانيا على سياستها في هذه المسألة جرياً على خطتها ، وهي السياسة التي تتفق مع العدالة ومع روح ميثاق الأمم المتحدة .

وأشار إلى أن بريطانيا عرضت أن تتفق مع مصر بشأن الجلاء وحده ، وتؤجل مسألة السودان لوقت آخر فرفضت مصر ، ولولا رفضها لتحقق الجلاء .

وناقش قانونية معاهدة سنة ١٩٣٦ وأشار إلى ضرورة إلتزام مصر بها حتى سنة ١٩٥٦ ما لم يجري تعديلها بمفاوضات بين الطرفين يتفقان عليها . ورد على ما أشار إليه النقراشي وباشا من أن المعاهدة قد عقدت تحت ضغط ظروف ( البقية على صفحة ٢٤ )

اشترك في نشرتنا البريدية