الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 466الرجوع إلى "الثقافة"

القطة السوداء

Share

يا نصيب !

فى هذه الكلمة القصيرة تلخيص موجز - لكنه تلخيص ملئ بالقوة والحياة - لقصة كثير جدا من الأحياء والأشياء فى هذه الدنيا ، فعدد كبير من الناس جاءت له الحياة على نحو تلخصه كلمة يانصيب ؛ هذا إنسان سحبت ورقة نصيبه فإذا هو مولود لرجل غنى يرث ماله العريض ، وذلك آخر ، يولد لمعدم فقير لا يرث عنه إلا الهم والمرض .

وعدد كبير من الحيوان جاءت له الحياة كذلك على نحو تلخصه كلمة يا نصيب ! فكلب ينعم بما تشتهيه الأعين والأنفس من لذائذ العيش ، وكلب يتمرغ فى الطين ويأكل العظام ويضرب على ظهره بالهراوة والعصى .

وعدد كبير من الأشياء جاءت ظروفه على نحو تلخصه كلمة يا نصيب ! فنسخة من كتاب قد تباع بالقروش والملاليم وهى لا تزال زاهية بحلتها الجديدة ، وتباع زميلتها بعد أن يتغضن عليها الجلد ويصفر لون البشرة - أعنى إذا ما تقدمت بها السنون - تباع هذه الزميلة العتيقة بمئات الجنيهات وألوفها ، وربما كان صاحب الكتاب فى حياته أشد ما يكون الإنسان حاجة إلى مال .

بل إن عددا كبيرا من الألفاظ أراد له الله هذه القصة نفسها فى تقدير الحظوظ ، ومن هذه الألفاظ كلمة منحوسة مسعودة فى آن معا ، منكودة مجدودة فى وقت واحد ، هى كلمة " فلسفة " ؛ فقد تسحب ورقة نصيبها حينا فاذا هى دليل على اضطراب الفكر والتواء النظر ، وقد تسحب ورقة نصيبها حينا آخر ، فإذا هى وصف للعبقرية والذهن الجبار - فلماذا ؟ .

لأن الناس مذ جعلوا ينعتون بالفلسفة بعض ضروب التفكير اختلفوا، وهم لا يزالون يختلفون فى مدلولها .

فيم يبحث هذا الذى اعتزل فى برجه العاجى وغلق دونه  الأبواب زاعما لنا أنه فيلسوف ؟ إن الناس ليعرفون على وجه الدقة واليقين متى يكون الرجل رياضيا أو طبيبا أو عالما من علماء الطبيعة أو الكيمياء ، وقل مثل ذلك فى شتى ضروب المعرفة . . . إلا الفلسفة !

سل أصحابها : فيم تبحثون ؟ يتعثروا فى الجواب وتحمر وجوههم بالخجل ، فإن كانوا ممن لا يختجلون ولا يتعثرون فى الكلام ، أجابوك بكلام أقل ما يقال فيه أنه كلام غير مفهوم . والحق أنى لا أعجب لرجل يصادفنى فى بعض الطريق فيعلم عنى أنى درست الفلسفة وتخصصت فيها حتى ظفرت بدرجاتها العلمية أدناها وأعلاها . لا أعجب له إذا ابتسم مشفقا ساخرا كأنما يريد أن يقول : وفيم هذا العناء كله ، لست أعرف عن الفلسفة إلا أنها الكلام إذا لم يكن له معنى مفهوم ! لست أعجب لمثل هذا الرجل ، لأننى أتهم كثيرين ممن يشتغلون بالفلسفة بأنهم يقولون ما لا يفهمون ، إذا كانوا لأنفسهم يخلصون .

هم يقولون ما لا يفهمون لأنهم يحاولون - عبثا وباطلا أن يجدوا لدراستهم موضوعا ، ليكون شأنهم فى ذلك شأن سائر عباد الله ؛ وفاتهم أن الحقيقة الحلوة - والحقيقة ليست مرة دائما - هى أن الفلسفة دراسة بغير موضوع ، ومن شاء أن يتصيد لها موضوعا تخبط فى ديجور بعد ديجور .

الفلسفة طريقة فى البحث بغير موضوع ، فليست غايتها أن تبحث " مسائل " لتصل فيها إلى " نتائج " لأنه ليس هنالك " مسائل فلسفية " ولا ينبغى أن يطلب من الفلسفة أن تصل إلى " نتائج " عن حقائق الكون ؛ كل مسألة فى الدنيا يراد فيها الوصول إلى نتائج يجب أن تترك للعلم والعلماء ، إذ هى والله أضحوكة الأضاحيك أن يجلس المتفلسف على كرسيه فى برجه معزولا عن العالم ؛ حتى إذا ما سئل : ماذا تصنع هاهنا فى عزلتك هذه ؟ أجاب : أريد الوصول إلى حقيقة العالم ! ! ! وسأسوق لك

كقولك عن الرجل إنه وزير بلا وزارة ، فيعمل فى البدل مرة وفى الدفاع مرة ! هى البحث عن معانى الألفاظ ، لا كما تشرحها القواميس ، بل هو بحث تحليلى له أوضاع وشروط . . . ماذا أريد أن أقول للقارئ فى مقال ؟ إن موعدى معه فى ذلك كتاب .

أكاد أوقن أن كثيرين - وكثيرين ممن يشتغلون بالفلسفة دراسة وتدريسا بنوع خاص - سينكرون على ما ذهبت إليه ، وسيقولون : وماذا أنت صانع بهذه " المشكلات " التى أخذ الفلاسفة فى حلها منذ نشأت على وجه الأرض فلسفة ؟ وأعود فأؤكد لهؤلاء أن الأمر لا يعدو أحد اثنين : فإما أن تكون تلك " المشكلات " مسائل حقيقية عما فى الكون من أشياء ، وعندئذ فهى من شأن العلم وحده يقول فيها قوله ويبحث فيها بطريقته ، وإما أن تكون " مشكلات " زائفة بمعنى أنها أسئلة لا تحتمل الجواب ، لأنها كلام فارغ من المعنى ، وإنما خدع به الناس حين رأوه يتخذ هيئة السؤال كما يقررها علم النحو ، لا كما يقررها منطق العقل ، إذا سألتك مثلا : ما لون الفضيلة ، أهو أحمر أو أصفر ؟ كم تساوى زوايا الإنسان هل تساوى قائمتين أو أكثر ؟ فبماذا تجيب ؟ إنك لن تجيب ، وستعلم أنى لست جادا فى السؤال ، لأن سؤالى لا يحمل معنى يتفق مع طبيعة المنطق ، على الرغم من أنه يتخذ صيغة يرضاها علم النحو ، لكن النكبة الكبرى هى أن بعض الأسئلة يخدع الناس ، فيكون فارغا من المعنى كهذه الأسئلة التى سقتها إليك ، غير أن فراغها من المعنى لا يكون بهذا الوضوح ، فترى الناس ينفقون أعمارا وأعمارا فى محاولة الجواب ولا جواب ! خذ هذا السؤال مثلا : ماذا وراء الطبيعة ؟ . . . لن أحدثك عن ضخامة الجهد الذى بذله " الفلاسفة " فى سبيل الجواب . والأمر فى حقيقته هو ألا سؤال ، وإذا فلا ينبغى أن يكون جواب ، شرط السؤال أن يكون جوابه مما يمكن عليه التحقيق ، وشرط التحقيق أن تكون مادة الجواب مما يمكن أن يقع فى حدود التجربة

الإنسانية ، وما عدا ذلك هراء فى هراء .

وسيقول المستنكر مرة اخرى : ليست الميتافيزيقا إلا . المسألة وأضرابها ، فماذا أنت قائل ؟ قولى هو أن الميتافيزيقا  أسطورة من أساطير الأولين - وكثير من الآخرين وهاهنا تأتى قصة القطة السوداء ، فقد قيل عن " الفيلسوف الذى يجعل همه مثل هذا البحث العقيم ، إنه رجل أع يبحث فى غرفة مظلمة عن قطة سوداء ليس لها وجود

اشترك في نشرتنا البريدية