لا أعرف كتابا مصورا ظهر في العصر الحديث للدعاية لقضية وطنية أجمل ولا أبلغ في الدلالة على هذه الدعاية الطيبة من كتاب (القطر الجزائري) الذي أصدره مكتب الاستعلامات والوثائق بديوان الحاكم العام الجزائري؛ والذي أطرف ما فيه صدوره عن دار بابا علي الجزائرية وطبعه بالمطابع الباكونية الجزائرية أيضا.
فهذا الكتاب صور حية ناطقة بل هاتفة وصارخة بجمال هذه البلاد وروعة معالمها وآثارها الطبيعية والفنية بما لا يحتاج معه القارئ في غمرة إعجابه ودهشته إلى بيان من البيانات
. المكتوبة معها باللغات الفرنسية والعربية والإنجليزية والإسبانية؛ فحيوية الصور ودقة اختيارها وعرضها تغني عن بيانها وتسترعي النظر والانتباه قبل أن تثير اللغات المكتوبة فضول القراءة.
أقول ذلك وقد سبق لي أن زرت أقطارا أوربية كثيرة فطوفت بأشهر مدنها وألممت بصور دعاياتها التي توزعها متفرقة أو في كتالوجات ونشرات؛ مجانا وبالثمن. . . فحتى فرنسا ذاتها - التي هي أكثر الدول الأوربية اهتماما باستخراج صور جذابة لمعالم القرى والربوع المختلفة فيها لا أستطيع أن أقول إني عثرت فيها على مجلد كهذا. . على أنه لا غرو أن تبز الجزائر هذه الدولة في إتقان الدعاية لنفسها! فإنها تحتاج من هذه الناحية لما قد لا تحتاجه تلك الدول التي تدعو لقضية استقلال بل تدعو للسياحة! وإليك البيان:
الكتاب مقسم إلى فصول تتصدرها عنواناتها بالفرنسية، وتعلو هذه العنوانات رسوم تخطيطية بارعة ترمز لمدلول محتوياتها، وهذه الفصول مرتبة ترتيبا منطقيا بحيث تتناول أولا: البلدة بمعالمها الجغرافية: شواطئها وصخورها، وسهولها ووديانها، جبالها ووهادها وكثبانها، وجناتها الزراعية وحيوانها. . .
ثم يأتي القسم الثاني في أهل البلاد وسكانها؛ وهنا تدرس بالصور كثرة سكان مدينة الجزائر البالغين ٤٥٠ ألف نسمة كما تدرس أزياؤهم شيوخاً وشباناً - أطفالا، ونساء؛ وموظفين وأجانب، أعرابا ورعاة وغير ذلك من جنود وراقصين وموسيقيين وحراس ورجال دين. . . لوحات رائعة معظمها من المتحف الوطني للفنون الجميلة بالجزائر.
أما حياة السكان فلها قسم خاص بعد ذلك. وهنا مقارنة طريفة بين الجزائر القديمة والجزائر الحديثة بعمائرها الشاهقة وشوارعها الكبيرة وأحيائها الجديدة وفيلاتها الحديثة والعربية الطراز والميناء والمحطة التجارية. . . ومدن قسطنطينة وسكيكدة وغرداية. . . فأهم منشآت المدينة الجزائرية من مساكن للعمال إلى مستشفيات ودور إسعاف ومراكز نقل الدم - إلى مدارس ومراكز للحياة الإدارية (دار الحكومة) والنيابة (المجلس الجزائري) فمساجد وكنائس وأضرحة ومقاهي. . .
مظاهر تدعو للإعجاب بحضارة هذه البلاد المادية ورقيها وتقدمها.
وتقوم اقتصاديات هذه البلاد وأعمال أهلها في المقام الأول على الزراعة؛ زراعة الحبوب فالكروم والموالح والتمر (النخيل) والتين (الذي هو ثالث صادرات البلاد في الأهمية) والزيتون . . . التي يتقدم إنتاجها بفعل الآلات الحديثة وتقوم عليها صناعات العصير والتجفيف لما يتبقى من الاستهلاك والتصدير.
وفي البلاد جهود لتحسين القروي والتدريب الزراعي واختزان الحبوب للاحتياط بواسطة هيئات وجمعيات ومصالح تعمل على مغالبة الطبيعة والانتفاع بمواردها من تربة وخزانات ومساقط (متحدرات) ومصبات وآبار لري النخيل حيث لا يوجد الماء. كما تقوم بها مشروعات للطاقة الكهربائية وتوليدها والطاقة الذرية مما يضاعف في تقدم البلاد الصناعي - إذ توجد فعلا مصانع هائلة للخزف والسيلولوز والزجاج ومصانع النسيج اليدوية والميكانيكية وعصير البرتقال والفواكه المجففة. . . كما أن من الثروات الاقتصادية الهامة عدا صيد الأسماك الحديد والفحم والفوسفات التي يتقدم استخراجها تقدماً كبيراً. . . عدا صناعات محلية ويدوية مختلفة يحترفها الأهلون.
وميناء الجزائر أهم مرافئ التبادل التجاري الجزائري. وإلى جانبية يوجد مواني وهران وعنابة (بوك) وسكيكدة (فيلييفل) وأرزيو بأرصفتها ومراسيها واستعدادات التفريغ والشحن والتصدير والاستيراد الهائلة. أما في الداخل فتوجد شبكة من السكك الحديدية للقطارات السريعة ذات القاطرات الكهربائية التي تشق البلاد بين المدن والقرى وعبر الجسور الحديثة الفولاذية فوق الوديان؛ كما توجد مطارات أهمها الميزون بلانش والمطار الصحراوي بورقلة ouargla
والبلاد غنية بآثارها الرومانية والفينيقية والإسلامية في مختلف القرى القائمة أو المهجورة، ولذا نجد متحف الإتنوجرافيا وما قبل التاريخ يعرض في روعته ومحتوياته نماذج كثيرة من هذه الفنون إلى جانب ما يعرضه المتحف الوطني للفنون الجميلة من
اللوحات الحديثة لرسامين عالميين وفرنسيين ورد كثير منها في الكتاب بلونه شاهداً على عظمة الفن الجزائري لدى المواطنين والأجانب الذين يفدون إليها مصورين ورسامين ونحاتين وسينمائيين في ضيافة العبد اللطيف مثلا أو لتصوير أفلامهم في هذه الطبيعة الجميلة .
والنهضة التعليمية سائرة في طريق التقدم. فثمة مدارس قروية وبدوية بسيطة إلى جانب مدارس الأطفال والابتدائي والزراعي والصناعي والليسيه الثانوية داخلية وخارجية للبنين والبنات - كما توجد جامعة الجزائر التي تستقبل خمسة آلاف طالب موزعين على مختلف الكليات بين صالات ومعامل وحدائق ومكتبات. .
وبعد هذا لا يلزمك أن أحدثك عن الفصل الأخير من هذا المجلد القيم عن (السياحة) فإن بعض ما ذكرت كفيل بتشويقي
وتشويقك لزيارة هذه البلاد. وعليك بعد هذا الإعجاب أن تقف وتفكر غير طويل لتدرك أن الفرنسيين حكام هذه البلاد قد تفننوا في إخراج هذا المجلد ليثبتوا به أمام الأمم المتحدة وقبل أن تتقدم الجزائر بدورها بطلب الاستقلال والتحرر - يثبتون به نهضتهم بهذه البلاد - التي قد تكون نهضة حقيقة ولكنها لا تعفيهم من أنهم محتلون غاصبون. . . فهي تقدم هذا الدليل المادي لعصابة الأمم المتحدة حتى لا يؤاخذ عليها ما أخذ على غيرها في استعمارها لدول أخرى من أنها لا تعمل على النهوض بها ورفاهية شعبها.
هذه هي الفكرة التي يجب ألا تغيب عن ذهن أي معجب بهذا الكتاب.

