الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 108الرجوع إلى "الثقافة"

القطن فى مصر والسودان، قبل الفتح العربى

Share

يعتقد الكثيرون أن مصر لم تعرف القطن قبل القرن التاسع عشر ، وأنها لم تزرعه إلا عند ما اهتم المغفور له محمد على باشا بأمره ؛ ولكن الحقيقة أن مصر لم تكن خالية من زراعة القطن فى ذلك الوقت ، بل عرفته فى عهد المماليك .كما أن العرب بعد ظهور الاسلام أدخلوا زراعته فى شمال أفريقية وصقلية وأسبانيا ، كما أثبت ذلك "شتولمان" و" شريدر " فى كتابهما - تاريخ التجارة (ص٢٠٤) - ونريد أن نبحث فى هذا المقال تاريخ القطن فى العصر السابق لفتح العرب لمصر ، لنبين أنه كان على الأرجح يزرع فى مصر فى عهد قدماء المصريين ، ومنه كانوا ينسجون الثياب .

حتى بدأت زراعة القطن فى العالم :

المتفق عليه أن موطن القطن الأصلى كان فى سهول الهند ؛ ومن الثابت أن الهنود كانوا (فى عام ٨٠٠ ق . م) يزرعونه وينزلونه ويلبسون الثياب المصنوعة منه ، كما يفهم من ذكر ذلك فى قوانين "مانو" المقدسة التى كثبت فى ذلك العهد (١). ولم تقف زراعة القطن عند حدود الهند الجغرافية بل بدأت تنتشر فيما جاورها من البلاد . فترى مسطورا فى التاريخ الأشورى على إحدى لوحات الملك " سنخريب " التى فى المتحف البريطانى ، ( وكتبت عام ٦٩١ ق . م) أنه أدخل زراعة هذا النوع من النبات

إلى بلاده ، وكانت شجرته تعرف " بشجرة الصوف " ، وهو الأسم الذى عرف به هذا النبات فى اللغة اليونانية القديمة . كما أنه ما زال حيا فى بعض اللغات الأجنبية ومنها اللغة الألمانية ، وهو اسم يلائم هذه الشجرة التى تطرح شيئاَ يشبه صوف الأغنام يمكن غزله ونسجه ولبسه ، ويقوم مقام الملابس الصوفية ، وعندما قام "هيرودوت" برحلته فى ممالك العالم المختلفة فى القرن الخامس قبل الميلاد وزار الهند ، استرعت انتباهه هذه الشجرة ؛ وقد جاء فى الجزء الثالث من مؤلفه القيم (ص١٠٦) ما يأتى : " هناك تنمو أشجار صوف برية أجمل وأفضل من صوف الأغنام ، وهذه الأشجارتمد الهنود بالملابس " .

وقد امتدت زراعة شجرة القطن من الهند إلى الخليج الفارسى والعراق وبلاد العرب ؛ وقد ذكر " ثيوفرات " الذى عاش بين القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد فى كتابه (مباحث فى النباتات) ص٧ و ٨ ، أن جزيرة البحرين التى فى الخليج الفارسى تزرع ( الشجرة التى تنتج الصوف) بكثرة ، وتحدث أيضا عن الملابس التى تصنع منها ، كما أشار إلى أن هذه الشجرة تنبت وتثمر فى الهند ، وفى بلاد العرب . وقد وصفها وقارن شكل ورقتها بورقة شجرة العنب .

القطن فى مصر :

عندما زار هيرودوت بلاد النيل كان يعرف شجرة القطن ويعرف منسوجاتها ، وسبق له أن رآها فى الهند وفى غيرها من البلاد ؛ وقد جاء عند تناوله تاريخ مصر فى الجزء الثالث ص٤٧ والجزء الثانى ص١٨٢ أن الملك يامازيس الذى عاش فى القرن السادس قبل الميلاد أهدى صديرية لمعبد ميترفا فى " لاسيديمون" وقد كانت من الكتان محلاة برسوم بعض الحيوانت ومطرزة بالذهب

والقطن ، وكان كل خيط من هذه الصديرية يدعو إلى الإعجاب ، لأنه كان مجدولا من ٣٦٠ خيطا يمكن تمييز كل منها على حدة . وهذه الصديرية تشبه الصديرية التى أهداها الملك نفسه إلى معبد الآلهة " مينرفا " فى " لندوس " .

وقد ذكر السير جاردنر ولكنسون أن يقايا الصديرية الأولى كانت حتى أيامه (عام ١٨٣٦) محفوظة بقاياها لدى أهل رودس ويعرفون أنها أهديت إليهم من الملك أماريس المصري ، وقد رآها بنفسه من قص ذلك على ولكنسون ، وهو شخص سماه وشغل منصب القنصل ثلاث مرات فى تلك البلاد . أما " يلينى" الذى زار مصر فى القرن الأول بعد الميلاد فقد ذكر أن بعض ملابس الكهنة كانت تصنع من القطن وكذلك بعض لفائف الموميات ، وأنه لم يكن يسمح للكهنة بلبس الملابس الصوفية فوق جسدهم مباشرة لعدم سهولة تنظيفها .

يأتي بعد ذلك المؤرخ Juluis pollus  الذى ذكر فى كتابه Onomasticon عند حديثه عن صناعة القطن فى الهند أن مصر تصنع مثله أيضا من ذات النبات ، وأن المصريين كانوا يصنعون الكثير من أثاث منازلهم من "صوف لوزة شجرة الصوف" ، كما ذكر أيضَا أن بعض المصريين يصنعون ثيابا لحمتها من القطن وسداها من الصوف . وقد أشار " فرجيل " فى الجزء الثالث من كتابه الشعرى باللاتينية فى علم الجغرافيا إلى القطن الذى ينمو فى بلاد النيل .

من ذلك نرى أن لا جدال فى أن مصر عرفت القطن ونسجته فى القرن السادس قبل الميلاد على الأقل أى قبل عهد مصلح مصر الكبير بنحو ألفين وثلاثمائة سنة . هذا ما نقله إلينا المؤرخون القدماء . ولننتقل الآن إلى علم الأثار ونلقى على أنفسنا الأسئلة الآتية :

١ - هل عثر فى إحدى المقابر على بقايا من هذه الشجرة أو عثر عليها مرسومة على جدران معبد أو مقبرة من المقابر ؟

٢ - هل عثر على ملابس مصنوعة من القطن - وما تاريخها ؟

٣ - إذا كانت هذه الشحرة قد عرفها المصريون واستعملوا نسيجها فى لباسهم فلا بد أنهم أطلقوا عليها اسما ما - فهل ورد لها اسم فى النصوص القديمة ؟

فأما عن السؤال الأول فإننا لم نعثر إلى الآن على رسم لها على جدران المقابر ، كما أنه لم يصل إلى يدنا إلى الآن أوراق هذه الشجرة . ولكن يجدر بنا هنا ذكر بعض بذور من القطن عثر عليها العالم الإيطالى "روز للينى " عام ١٨٦٦ فى إحدى مقابر طيبة داخل إناء ، وقد بحث الكثير من العلماء هذه الحبوب وظن "لوريه" أنها من نوع Clossypium Religiosum ، ولكن اعترض عليه من الكثيرين ، وثبت أنها من نوع Clossypium Arboreum وقد حام الكثير من الشك حول قدم هذه البذور لأن روزللينى قد أحضر معها قدرا آخر بها قمح وشعير على اعتبار أنها وجدت فى ذات المقبرة ، وقد ثبت ثبوتا قاطعا أن هذا القمح جديد ؛ وليس هناك شك فى أن العمال قد أحضروه له انتظارا لما يجود به عليهم من نقود كلما عثروا على شئ له قيمة فى نظر الحفار . أما الآنية فهى قديمة بلا شك . وإزاء هذه الشكوك فإن الكثير من العلماء يفضل عدم البث بأثرية هذه البذور ، خصوصا وأنه بعد تحديد فصيلتها قام العالم النباتى "شفينفورت" يثبت أن هذه الفصيلة من القطن لم يعرفها المصريون قبل دخول العرب . ولكن بعض معارضيه الذين يريدون التسليم بأنها قديمة يقولون بأنها ربما جاءت إلى مصر كهدية لصاحب المقبرة عن طريق السودان أو الحبشة . ومع كل

هذا فالمقبرة التى وجدت فيها ليست مؤرخة حتى يمكننا تحديد العصر الذى وضعت فيه هذه البذور إذا سلمنا - وهذا أمر ليس سهلا - أنها قديمة .

وأما عن السؤال الثانى فقد عثر العلماء على الكثير من بقايا الملابس المصنوعة من القطن ، ولكن ليس فيها ما هو قبل العصر الرومانى .

وأما عن السؤال الثالث فلا نعرف إلى الآن على وجه صحيح اسما للقطن فى اللغة المصرية القديمة ؛ كما أن اللغة القبطية لم تخفظ لنا اسما له . وفى جميع الأوراق البردية اليونانية التى عثر عليها لم يرد فيها اسم لهذا النبات ، وكل ما قيل عن وجود اسم للقطن عند قدماء المصريين لا يقوم على أساس علمى صحيح ، بل لا يعدو أن يكون خلطا بين اسمه واسم . بعض الأنسجة الأخرى التى عرفها المصريون القدماء ، وعلى الأخص بعض أنواع الكتان الذى نبغ المصريون فى نسيجه إلى درجة جعلت بعض الأخصائيين يظنون لأول وهلة أنه موسلين . والكلمة التى تدل على هذا النبات فى معظم اللغات الأوربية الحية مأخوذة من الكلمة العربية ، ولكن هذه الكلمة ذاتها دخيلة على العربية ؛ فمن أين جاءتها ؟ لقد زعم بعض الباحثين - ومنهم الأستاذ " لبتمان " المستشرق المعروف - أنها من أصل مصرى قديم ، ولكن هذا الظن ليس له ما يؤيده .

واسم القطن باللغة الهندية السفسكريتيه هو " كارباسا " التى نقلها الفرس إلى لغتهم وكتبوها "كارباس" ، كما نقلت أيضا إلى اللغة العبرية ، وأخذها اليونان والرومان وكتبوها "كارباسوس" ( انظر ما كتبه عن ذلك j. l.ow  فى كتابه (Flora der Juden ، وفى بلاد الحبشة يطلقون عليه " توت " وهى كلمة قديمة وردت فى نص يرجع عهده إلى القرن الرابع الميلادي ، ولكن أصل هذه الكلمة مجهول أيضا ولا يوجد فى اللغة المصرية القديمة

القطن فى السودان :

لقد انهينا الآن من الكلام على القطن فى مصر بوجه عام ، وننتقل الآن لبحث تاريخه فى السودان . تقدم "إيزانس" الحبشى فى عام ٣٥٠ ميلادية من أكسوم عن طريق المطبرة إلى بلاد النوبة فى غارة حربية ، وهو يقول فى وصفها : " لقد حرقت بيوتهم سواء المبنى منها وما كان من القش ، واستولى رجالى على قمحهم نحاسهم وحديدهم ولحمهم المقدد ، وحطمت تماثيل آلهتهم ، وأخذت ما لديهم من القمح والقطن " ( النص مترجم بمعرفة ليتمان )، ومن ذلك ترى أن القطن كان يزرع فى جنوبى مصر ، كما تعرف ايضا أن الحكومة المروية كانت غنية من تجارتها فى القطن الذى كانت تنتجه البلاد (راجع مقالة Griffith-crowloot in j. E. A.20. )

العثور على منسوجات قطنية :

في عام ١٩٢٢-١٩٢٣ كان الأستاذ "ريزيز" قائما بإجراء حقائز فى مروي فى السودان ، فعثر فى بعض المقابر هناك التى يرجع تاريخها إلى العصر الواقع بين ٣٠٠ ق . م - ٣٠٠ ب م على بعض منسوجات من القطن ؛ وبالرغم من أنها كانت فى حالة سيئة جدا تكاد تتفتت عند لمسها واسودُ لونها ، فقد أمكن فحصها فى معهد الأبحاث فى الخرطوم ، وثبت أنها منسوجة من نبات القطن .

وقد عثرت بعثة جامعة بنسلفانيا عند قيامها بالحفائر فى "كرانوج" على منسوجات أخرى من هذا النبات محفوظ معظمها الآن في فلا دلفيا بأمريكا ، وقد فحصت فحصا تاما عام ١٩٣٣ ، ونشرت النتيجة فوجد أن قطر الخيط الواحد ٠.١٩٧ من المليمتر ، وأن ثقل الشعرة hair weight للسنتيمتر الواحد ٣٥٤, . من الملجرام ، وترجح أن يكون نبات القطن الذى نسجت منه العينات

ليس من أصل هندى بل من أصل أفريقي من النوع السودانى Clossypium arboreum soudariensis . والأنسجة التى عثر عليها فى "كرانوج" نوعان : نوع منها يقرب جدا من نسيج " البشاكير" والآخر تنتهى  حافته بنسيج مفرغ ينتهى بشراريب ؟ فهل كان القطن الذى عرف فى مصر وزرع فيها واستعمل فى النسيج من هذا الأصل السودانى الذى ينمو على حالة فطرية فى جهة سنار إلى الآن ، أم جاءها عن طريق الهند ؟ مثل هذا الموضوع لا يجدى فيه منطق أو سرد أقوال المؤرخين ، وإنما القول الفصل فيه لإخصائى المعمل الذى يفحص ما وجد فى مصر من هذه الأنسجة ، ويحدد لنا فصيلة النبات التى غزل ونسج منها القماش الذى استعمله المصريون .

وفى رأيى أن الاعتماد على ما شاهده " هيرودوت " أو " ثيوفرات " أو " بوللكس " أو " بلينى " أو ما ذكره بعضهم من أن الشجرة التى رأوها فى مصر هى نفس الشجرة التى رأوها فى الهند ، لا يمكن أخذه حجة على كون الشجرتين من فصيلة واحدة ، إذ أنهم جميعا باستثناء " ثيورات " لم يكونوا من علماء النبات ، وحتى لو كانوا كذلك فإن التفصيل فى معرفة مميزات الفصائل المختلفة من النبات الواحد لم يكن قد تقدم فى عهدهم تقدمه فى الوقت الحاضر ، بل كانت العبرة لديهم جميعا فى هذا النوع الذى تطرحه الشجرة ويشبه الصوف ويمكن غزله ونسجه . ومهما قيل أيضا عن الصلة بين مصر والعراق فى الوقت الذى أدخل فيه "سنخريب" زراعة القطن فى بلاده ، فإنها صلة لن يمكننى أن أسلم بأنها أكثر من الصلة التى كانت لمصر بالسودان فى جميع الأوقات ؛ والبت فى ذلك متروك إلى الإخصائى الذى سيقوم بفحص العينات فحصا علميا كاملا .

الخلاصة :

أن مصر عرفت القطن وزرعته ونسجت منه الثياب

فى القرن السادس قبل الميلاد ؛ وزرع أيضا فى بلاد النوبة وفى السودان ، كما عثر هناك على بقايا منسوجات مصنوعة منه وقد عرف العرب هذا النبات ونشروا زراعته فى كثير من الممالك التى فتحوها ونشروا فيها الحضارة الإسلامية ، كما أن زراعته لم تنقطع من مصر ، ولو أنها كانت ضئيلة وتكاد تنحصر فى زراعته فى بعض البساتين . وفضل المغفور له مؤسس الأسرة العلوية الكريمة لا ينكر فى كونه أدرك بثاقب بصيرته صلاحية هذا النبات للقطر المصرى وإذا أصبحت مصر الآن فى مقدمة الممالك المنتجة للقطن فإنها زرعته ونبغت فى نسجه قبل المغفور له محمد على باشا بنحو ألفين وثلثمائة عام . وبقايا المنسوجات التى عثر عليها فى وادى النيل - ويرجع تاريخها إلى ما يقرب من ألفى سنة - تضارع فى دقة صناعتها خير ما تنتجه الماكينات فى عصرنا الحالى .

اشترك في نشرتنا البريدية