الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 631الرجوع إلى "الثقافة"

القلب الحائر

Share

دوي الطلق الناري قريباً ، وسمعنا صوتاً مألوفاً يهتف : لقد انتهيت ؛ ومن وسط الظلام كان أبي يلتقط أنفاسه الأخيرة ، وسمعته يقول : إنه صادق . . لا ريب . القائل ..

والتف الناس حول الجثة ، وأخذت أمى تولول ، وأنا أقف جامدة صامتة كأن شيئا لم يحدث لأبي وقلت من بين أسناني : أبي ! لن يأخذ بتارك أحد سواي . . وأقسم على ذلك !

والتفتت أمي في جزعها ترى في دهشة أبنتها التي ستأخذ بالثأر وقالت : انت !.

قلت : نعم ، ولن يثأر له أحد سواي ؟ إياك أن تتحدث فى شئ مما قال .

ومضت الأيام وأفلت المجرم من عقاب القانون ، ولكنه لم يكن ليفلت من انتقامي ، وتركته يهنأ بأمل النجاة حتى يكون انتقامي أروع . وإن أنس لا أنس اللحظة التى فتحت فيها الباب لأرى صادقاً أمامي . . قائل أبي ... أي شعور بالكراهية تدفق في عروقي ، وكاد يوحى إلي أن افترسه افتراساً ، ولكن انتظرت ودعوته للدخول . . لقد كان صادق شريكا لأبي في تجارته . .

ولم أصدق أذني عندما جمعته يعرض على أمي الزواج مني قائلا : إنه أقسم لأبي أن يكون عائلاً لأسرته بعد وفاته . وأمهلته أمي لحظات وجاءت تحدثني في الأمر العجيب ، ولا بد أنها دهشت أشد الدهشة إذ بادرتها بالموافقة .

قالت : ولكنك ... قلت : نعم ، أعرف . . وهذا جزء من خطتى .

وعندما انصرف قلت لها : اطمئني سيكون هذا سبيلاً إلى الحصول على ماله . . فليس له أقارب .

وبعد أيام وجدت نفسى وقد أصبحت زوجة غريمي . وعندما ضمنا بيت واحد ، وجدته شابا قويًا قسيم الوجه . . وتذكرت أن خطابًا كثيرين تهافتوا على طلب يدي ؛ فرفض أبي لعظم حبه لي وخوفه من أن أقع في حبائل رجل شرير ، ورأيت نفسى الآن زوجة لرجل لم أعرف من هو أشر منه . . وكانت ثقتي بنفسي عظيمة . .

وفي القبلة الأولى صارحته بأنني أقسمت أن أبقى عذراء حتى يمضي عام على وفاة أبي ...

ودهشت إذ رأيته يجيبني في حنان عجيب : إني أقدر شعورك أيتها الحبيبة مديحة ، وأحترم عهدك ! فخذى راحتك معي . ولنعش أخوين يحب كل منهما الآخر ، فليس لي في الدنيا سواك !

وعندما آويت إلي الفراش أخذت أفكر فيما قال ، ياله من ماكر خبيث ، أيريد ان يأسرني بعطفه . ايظن انني أخدع بسهولة ! إن حسن معاملته تكفير عن جرمه الشنيع . .

وأخذت الأيام تمر وأنا قلقة حائرة ، أى ميتة أختار له ؟ إني املك مسدس أبي ؛ فهل أقتلة وأستريح ؟ سيكتشفون الجريمة . هل أدس له السم ؟ هل أخنقه ؟ هل أكتم أنفاسه . .

وبمرور الأيام ، شعرت بالحب الذي يكنه لي ، وبالعطف والحنان الذي يحيطني به . بينما اجازية عن ذلك بالكراهية الفظيعة التي تملأ شغاف نفسي أتساءل : هل حبه هذا صادر عن عاطفة نبيلة ؟ أم أنه صادر عن شعور بتأنيب الضمير ؛ وأخذت أقنع نفسى أن هذا الحب إنما هو طريقة يضللني بها عن جرمه . . وأخذت أردد هذا الخاطر في نفسى .. ولكن صوتًا ظهر على مر الأيام كان يسخر من هذه الفكرة . أخذت أفكر في مصدر هذا الشعور ببراءة صادق ! اكتشفت أنه صادر عن قلبي المليئ بالكراهية ، ولم أصدق أن الكراهية العنيفة يمكن أن تقلب إلى عطف - ولماذا أخفي - إلى حب . لقد حدثت المعجزة . . لقد بدأ قلبي يحن ويلين أشعر أن هذا الشاب الذي يحوطني بكافة أنواع الرعاية ، والذي أقابله بالكراهية إنما هو شخص نبيل . . ربما قتل أبي في ساعة من الغضب ؛ وعندما لاح لي هذا الخاطر ، ورأيت أبي مطروحاً على الأرض قتيلاً . . اشتعلت تلك النار التي كادت أن تخبو بحب صادق . .

وأخذ صادق يحدثني عن حياته التعيسة ، كيف بدأ حياته

يتيما شريداً ، وكيف شعر بالشقاء والتعاسة منذ طفولته وكيف كانت حياته سلسلة من الجهاد ضد الطبيعة وضد الجوع والحرمان . . حتى قبض الله له عملاً  كسب من ورائه بعض المال اشترك به في التجارة مع أبي ...

ثم بدأ يحدثني عن أبي الذي أراد أن ينال ثلثي الأرباح وصادق الثلث ، قائلا : إنه يعول أسرة . وكيف شعر صادق أنه محروم حتى من ثمرة كده ، وأن اللحظة التي يشعر فيها بأنه سيجازى خيراً عن جهاده طوال حياته لم تأت بعد . .

وشعرت بالعطف الشديد عليه . . إنه زوجي ، إنه يشعر الآن أن الأيام تعوضه عن التعاسة والحرمان ، إذ تزوجني . . كيف أقضي على حياته في هذه اللحظة . . سيكون هذا أفظع انتقام في الوجود ، فهل هو جدير به . ربما كان له بعض العذر ، لقد قاسي كثيراً ! لقد أراد أبي أن يظلمه . .

وفي حيرني هذه العظيمة أخذت ابكي . . كيف اقتله وهو يحبني هذا الحب . . كيف أتخلص من القسم الذي أخذته على نفسي في ساعة لم أك فيها في وعي : هل من العدل أن أحرم من الحياة شابًا في مثل فتوته وجماله . . وقلبه الكبير ! إن الأيام تكشف لي عن نبله . . رحماك يا إلهي ! لماذا ولدت في بلد يدين بالثأر ، ويعيش على الدماء . . لماذا لم امت قبل أن يأتي اليوم الذي أقتل فيه حبيبي ...

لقد دعوته حبيبي لأن هذا الشعور الجديد طغي على كياني وعبثاً حاولت إخفاءه .

وكان الصباح يبدو مظلماً ، إذ أسهر في التفكير في أمري وتعاستي ؛ جفاني النوم فبت أتقلب على فراش من الشوك . . ويسألني صادق في حنان عما بي فأقول : لا شئ يا صادق ، إنما أنا أرقة . . فيسألني أن أتناول شيئاً من دواء فأشكره وأعده بالنوم . ثم يطول ليلي . .

بل إني فكرت أن أضمه إلى صدري المضطرب وأبوح له بكل ما يعذبني ، وأساله ان يهرب وليقتلني أهلي ، ولكن حياتي لن تفديه عند أهلى . . فكرت في الهرب سويًا إلى بلد بعيد في خارج مصر ، ولكن سيف الثأر السلط سيكون وراءنا أينما حللنا . .

وزارتني أمي ، وبدا عليها الغضب لعدم تنفيذ قسمي بعد فأخذت أؤكد لها أنني انتظر الوقت المناسب .

قالت : إني أدري بضعف النساء فإن أبطأت بعد اليوم قتلته بيدي أو قتله عمك الذي لولا قسمك لاستراح منه منذ زمن ، لقد اعترفت له بالأمر .

وهالني حديثها وأخذ كلامها يطن في أذني طوال النهار ، وفي المساء أويت إلى فراشي ، وقد وضعت المسدس تحت الوسادة وانتظرت في قلق حتى نام زوجي بعد أن طبع على جبيني قبلة المساء التي شعرت عندها بتيار كهربائي في جسدي . .

ودوى في أذني صوت أبي .. إنه صادق . . القائل ، وسمعت أمي تقول : إني أدري بضعف النساء . وبدا لي أبي جثة هامدة ، ورأيت عمي يأخذ طريقه إلينا . . وامتلأت عيني بالدماء ، وأذنى بالصياح ، ولم أدر إلا وقد سحبت المسدس وأغمضت عيني ذاهلة ودوي الصوت الرهيب وأطلقت صرخة مدوية ، ولم أعد أشعر بشيء . .

هذا يا سيدي المحامي هو كل ما حدث ، وسأعترف بأنني قاتلة زوجي . . فلا خير في الحياة من بعده . . إنني أتعس امرأة على وجه الأرض . .

وربت المحامي على كتفها وهو يقول : ألم تعلمي ما حدث بالأمس ؟ قالت : ماذا ؟

قال : لقد حكم بالإعدام على شقي معروف . فاعترف أنه هو الذي قتل أباك ، وانه إنما فعل فعلته انتقاما منه لعدم تزويجه منك !

وشحب وجهها وتهالكت على مقعد قريب ، وقالت تحدث نفسها : لقد كان بريئاً ؟ وكان يحبنيي حبا خالصاً . .

وسارت بها الأحلام بهذا ، وأخذت تبتسم واستيقظت فجأة تسأل المحامي : وأين زوجي الآن . . لا بد أنه ينتظرني فيغضى بصره ، فتصيح فيه : أين هو ؟ أين أخذتموه ؟

إنه زوجي وسأحبه . . سأهب له حياتي كلها . . ويتناول الرجل يدها محاولا تهدئها فتنتزع يدها وتصيح : ابتعد عنى أيها النذل : لقد قتلت زوجي لتظفر بي ها ها ، أنا اعرف حيلك الوضيعة . . ولكني لست لأحد إلا لصادق . . إنه سيأتي ويأخذني بعيداً ، نعم سيأتي . . سيأتي  .. ها ها ها . .

ويبتعد المحامي ، وتنهمر من عينيه الدموع

اشترك في نشرتنا البريدية