الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 641الرجوع إلى "الثقافة"

القمر في الشعر العربى

Share

أطلق العرب على القمر أسماء كثيرة : فهو تارة يسمي بالواضح وتارة يسمي بالزبرقان ، وتارة يسمى بالباهر وتارة يسمى بالزمهرير ، كقوله تعالى ( لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا ) .

ومنذ فجر الشعر العربي تناول الشعراء في شعرهم القمر بكثير من الأوصاف ، وكثير من التشابيه والتصاوير ، وقد أذكت البيئة الصحراوية شاعرية الشعراء ؛ فصحراء تمتد امتداد البصر حيث يلتقي خط الرمال الصفراء مع خط السماء الزرقاء ، وقمر ساطع يتألق في السماء ويسكب أكواب النور على الأرض في وحشة وسكون وروعة وفنون . وقد كان القمر انيس الساري والمدلج الحائر الذي طال به السفر وأدركه الكثير من وعثاء الطريق .

وقد ضرب العرب الأمثال بالقمر ، فقال قائلهم : أضيع من قمر الشتاء ، وإذا حاولت أن تعرف لماذا كان قمر الشتاء ضائعا أدركت أن قمر الشتاء لا يجلس فيه لكثرة الغيوم والمطر . وقال قائلهم أيضا : إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر . وإذا حاولت أن تعرف السر في ذلك أدركت أن القمر يرقب الناس من عليائه في خيرهم وشرهم ، ولكنه لا يستطيع أن يعين الشرير على شره كما لا يعين الخير على خيره . وقال قائلهم كذلك : أضوأ من القمر وأتم من البدر . وأكبر الظن أنك لست في حاجة إلى محاولة معرفة سر هذا المثل لأن وضوحه يغني عن كل بيان . . .

وقد كانت أوصاف الشعراء الجاهليين للقمر مستمدة من البيئة الجاهلية ؛ فهو أنيس المدلج الساري . وهو سامر السامرين والركب الخصب في الصحراء ، ولم تتعقد وتتطور أوصاف الشعراء الجاهليين للقمر مثل هذا التعقد والتطور الذي تجده في الأدب الأندلسي مثلا كقول الشاعر :

كأن الهلال نون لجين         غرقت في صحيفة سوداء

وكقول الآخر :

ولاح لنا الهلال كشطر طوق    على لبات زرقاء اللباس

وكقول عبد الله بن على الكاتب :

كشف البدر وجهه لتمام       فوجوه النجوم مستترات  وكأن البدر للتمام عروس      وكأن النجوم منتقبات وهكذا تعدت صور الشعراء للقمر . والذي نلاحظه أن نظرة الشاعر إلى القمر تختلف من فرد إلى آخر . فبينما نجد شاعرا يغرم برؤية الهلال ويتفنن في تصويره كابن المعتز الذي يراه كزورق من فضة أثقلته حمولة من عنبر ، نجد عبد الله الكاتب يغرم برؤية البدر الكامل فيعبر في بيتين من الشعر عن منظره ، الخلاب وسحره الأخاذ في نفسه . وقد تفنن ابن المعتز في وصف القمر كل التفنن وأحبه حبا جما ، مثله في هذا الحب كالشاعر الإنجليزي جون كيتس John Keats الذي اعتبره بعض النقاد في أوربا عاشا للقمر لكثرة ما نظم فيه من شعر ، ولكني في الواقع أقول هذا القول في كثير من التحفظ . فلابن المعتز منهج خاص في طراز الشعر ولكيتس منهج خاص في أسلوب الشعر ولم يلتقيا ولا يمكن أن يلتقيا .

ومن المعاني الغريبة التي صاغها يحيى بن هذيل في وصف القمر هذا المعنى :

والثريا دنت من البدر حتى خلتها دارعا يدير مخبا أما في باب الغزل فقد تفنن الشعراء العرب في وصف محبوباتهم بالقمر وسحره . بل إن بعضهم لم يرقه هذا الوصف ولم يسترح إلى هذا التصوير ، كأبى علي تميم بن سعد صاحب مصر :

شبهتها بالبدر فاستضحكت    وقابلت قسولى بالنكر

وسفهت قولي وقالت مني      سمجت حتى صرت كالبدر

والبدر لا يرنو بعين كما       أرنو ولا يبسم عن ثغر

ولا يميط المرط عن ناهد       ولا يشد العقد في نحر

من فاس بالبدر صفاتي فلا    زال أسيرا في بدى هجري

وكقول أبى إسحاق الصابى :

ما أنس لا أنس ليلة الأحد    والبدر ضيفي وأمره بيدي

قبلت منه فما مجاجته           تجمع بين الدام والشهد

كان مجري سواكه برد           وريقه ذوب ذلك البرد

وعندي أن آبيات أبي إسحاق الصابي هذه من أروع

ما كتب من الغزل ، لا لبراعة الشاعر في الاستعارة ولا لروعة الشاعري في النظم ، ولكن لأنه صور لنا تصويرا بديعا بهجته في ليلة الأحد ، مثلما يصور الشعراء المحدثون هذه البهجة على ضفاف السين أو على ضفاف التيمز أو في بلاد العم سام . آبيات الصابي هذه عالمية رائعة ، لولا أن بعض ألفاظها تردها إلى الشعر العربي والبيئة العربية ردأ سريعا كلفظة السواك التى كان يعتز بها العربي .

وشب ابن خفاجة الأندلسي القمر بتشابية كثيرة مستملحة ، وكان في بعض الاحيان يمهد لذلك تمهيدا أو يحيط الصورة بهالة من الأجواء الخاصة ، مثله في ذلك كمثل المصور الذي يعرف مواطن الظلال ومواضع النور ، فوصف ابن خفاجة السري في ظلمة الليل الحالك وما يواجه ذلك السري من رهبة في النفوس وهلع في القلوب وما يلاقيه الساري في الصحراء من حيوان مفترس ، وما يأنس إليه من قمر يسكب عليه نوره . اسمعه يقول :

ومفازة لا نجم في ظلماتها       يسري ولا فلك بها دوار

قد لفني فيها الظلام وطاف بي  ذئب يلم مع الدجي زوار

والليل يقصر خطوه ولربما     طالت ليالي الركب وهي قصار

قد شاب من طرف المجرة مفرق  فيه ومن خط الهلال عذار

ومن الأوزان الرقيقة والمعاني الطريفة في الشعر الأندلسي قول ابن زيدون :

مسني أبك مابي        يا راحتي وعذاني

ما البدر شف سناء   على رفيق السحاب

إلا كوجهك لما        أضاء تحت القاب !

وإذا كان شعراء الأندلس قد برعوا في وصف القمر وتفننوا في عرض صوره ولوحاته كل التفنن ، فإن بعض شعراء الشرق قد استخلصوا من القمر الحكمة واستمدوا منه الموعظة البالغة والرأي السديد كقول الشاعر :

المرء مثل هلال حين تبصره      يبدو ضعيفا ضئيلا ثم يتسق

يزيد حتى إذا ما تم أعقبه         كر الجديدين نقصا ثم يتمحق

وكقول أبي تمام الطائي :

لهفي على تلك الشواهد فيهما  لو أخرت حتي تكون شمائلا إن الهلال إذا رأيت نموه         أيقنتت أن سيكون بدرا كاملا كان القمر في الأدب العربي إذا ولا يزال مصدرا من مصادر الجمال ومبعثا من مباعث الروعة والفتنة في الأدب . فالشعراء

إما يستوحون منه شاعريتهم فيصفونه وصفا جميلا ، وإما يشبهون به عرائس أحلامهم وملهمات قريضهم وبتلاعبون بالمعاني تلاعبا ، ويتضاربون بالأفكار تضاربا ، وإما يستوحون منه الحكمة والموعظة الحسنة ؛ ولكن بعض الشعراء لم يكفه هذا كله . بل لجا إلى شئ يناقض هذا كله ، فهجا البدر هجاء مرا ، وقد ذكروا أن أعرابيا رأي رجلا يرقب الهلال ، فقال له : ما ترقب فيه وفيه عيوب لو كانت في الحمار لرد بها ؟ فقال : ما هي ؟ فقال : إنه يهدم العمر ويقرب الآجل ، ويحل الدين ويقرض الكتان ويشحب اللون ويفسد اللحم ويفضح الطارق ويدل السارق . ومن عيبوبه أن الإنسان لو نام في ضوئه حدث في بدنه نوع من الاسترخاء والكسل ويهيج عليه الزكام والصداع.

وقد ضمن الشاعر ابن الرومي قصيدة من قصائده هجاء للقمر فقال :

لو أراد الأديب أن يهجو البد       ر ماه بالخطة الشنعاء

قال يا بدر أنت تغذر بالسا          ري وتزري بزورة الحسناء

كلف في شحوب وجهل يحاكي       نكتا فوق وجنة برصاء

يعتريك المحاق ثم يخذ                 ك شبيه القلامة الحجناء

ويليك النقصان في آخر الشهـ       ر فيمحوك من أديم السماء !

لم يسلم حتى القمر من الهجاء في الأدب ، ولكن لعل هذا الهجاء تطمئن إليه نفوس كثيرة وترجع إليه أبحاث كثيرة أيضا ، ولكني مع هذا لا أطمئن إليه ولا آنس به ، إنما أطمئن وأنس إلي قول الشاعر حين يقول :

وبدر دجي يمشى به غصن رطب

                    دنا ثوره لكن تناوله صعب

إذا ما بدا اغري به كل ناظر  

                   كأن قلوب الناس في حبه قلب !

فأيهما خير ، المدح أم الهجاء والحب أم البغض ، المودة أم الكراهة ، بزوغ القمر أم أفول القمر ، انسكاب الضوء أم احتباس الضوء . حسناوات يخطرن فيملأن القلب حبا وولها ، ناضرات الوجوه ، ساحرات العيون ، أم قبيحات يملأن القلب غما وبؤسا وبأسا ، أم فناء وعدم مريح ليس فيه هذا ولا ذاك ؟! من يدري !!

اشترك في نشرتنا البريدية