الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 604الرجوع إلى "الثقافة"

القهوة مشروب عالمى

Share

إن تناول قدح من القهوة الساخنة ذات البخار المتصاعد هو ضرورة لا بد منها فى وقت الإفطار لغالبية الأشخاص البالغين فى الولايات المتحدة الأمريكية ، كما أن شرب عدد كبير من هذه الأقداح خلال النهار يزيد كثيرا من بهجة الحياة ومسراتها .

ولكى يستطاع تقديم الكميات الكبيرة اللازمة من هذا الشراب الشهى أصبح البن من أهم المنتجات اللازم توريدها إلى هذه البلاد ؛ وإن عملية استيراده وتجهيزه وبيعه لتخلق أعمالا وتكون مصدرا لأرزاق مئات من الناس ، كما يشمل الأثر الاقتصادى الناشئ عن ذلك آلافا آخرين .

وقد ظل البن ضمن المواد الست الأولى فى قائمة واردات الولايات المتحدة مدى سنين عدة ، وما وافت سنة ١٩٤٧ حتى أصبح على رأس هذه القائمة ، وقد بلغت قيمته أكثر من ١٠ % من قيمة جملة الواردات المقدرة بمبلغ ٥.٦٤٨.٥٠٠.٠٠٠ريال ، وقد اتى وقت خلال السبع والأربعين سنة الأخيرة فاقت فيه قيمة الواردات من المطاط والحرير الخام والجلود والصوف قيمة الوارد من البن ، ومع ذلك فهو دائما من ألزم واردات البلاد وأهمها شأنا .

ويقدم البن أساس التعامل مع كثير من ولايات أمريكا اللاتينية ، إذ يقدم العملة الأجنبية اللازمة لدفع قيمة صادرات الولايات المتحدة الأمريكية ، وتمثل قيمة صادراته بالنسبة لكثير من البلاد التى تنتجه أكثر من نصف القيمة الكلية لجميع الصادرات ؛ فهو بالنسبة لكولمبيا وسلفادور مثلا

يمثل ثلاثة أرباع القيمة الكلية لصادرات كل منهما ، بالنسبة لكوستاريكا يمثل ثلثى القيمة ، فى حين أنه بالنسبة للبرازيل وهى اكبر منتجيه يمثل ٣٥ % فقط من القيمة الكلية للصادرات .

ولو أن النصف الغربى من الكرة الأرضية هو خير منتج للبن وخير مستهلك له فى الوقت نفسه إلا أن شربه شائع أيضا فى مختلف أنحاء العالم الآخرى ، وفى السنوات السابقة على الحرب الأخيرة ابتاعت دول أوربا الغربية كميات هائلة منه وفاق استهلاك الفرد الواحد فى بلاد شبه جزيرة اسكندناوا استهلاك الفرد الواحد فى الولايات المتحدة نفسها .

وموطن البن الاصلى هو بلاد الحبشة ، وربما كانت بلاد العرب هى ذلك الموطن ؟ وتخبرنا الأساطير ان تأثير البن عرف لأول مرة فى بلاد العرب وكان ذلك وليد المصادفة ، فقد لاحظ أحد رعاة المعز أن المعز التى فى رعايته بعد أن أكلت أوراق شجيرات البن وحبوبها بدا عليها المرح واخذت تتواثب بهجة وسرورا ، مما حمل الراعى على تجربة ذلك فتعاطى الحبوب بنفسه .

وبدأ استعمال حبوب البن فى بادىء الأمر كدواء ثم استعملت بعد ذلك كغذاء ، ثم لجأ الناس بعد ذلك إلى غليها لاستخراج شراب منها . ونشأ قلى البن أى تحميص حبوبه كما ، تخبرنا الأساطير أيضا من محاولة العرب الاحتفاظ باحتكار زراعته ، فإنهم كانوا قبل تصدير حبوبه إلى الخارج يعمدون إلى معالجتها بالتسخين لقتل قوة إنباتها .

وسرعان ما صارت القهوة أى الشراب المستخرج من البن مشروبا مألوفا فى جميع الأقطار التى تتكلم العربية ، وما زال الأمر كذلك حتى اليوم ، ومن بلاد العرب انتقلت

حبوب البن إلى بلاد العالم أجمع وخصوصا إلى بلدان أوربا ، وقد كان رجال الكنيسة فى أوربا خير معين على نشر عادة تناول مشروب القهوة لما تحققوه من فائدته ، إذ لاحظوا فيه خاصية إبعاد النوم عن أجفانهم سواء عند نهوضهم المبكر فى الصباح أو أثناء سهراتهم المتأخرة فى الليل لتأدية طقوس العبادة ؛ وما هل القرن السابع عشر حتى انتشرت المقاهى فى جميع أنحاء أوربا وأضحت مراكز يتجمع الناس فيها للتحدث فى شئونهم السياسية والاجتماعية ؛ وفى ذلك الوقت أرسلت إلى المستعمرات الجديدة بأمريكا الشمالية كميات قليلة من البن ، ومنذ سنة ١٧٧٣ حلت القهوة محل الشاى كمشروب شعبى بأمريكا .

يرد معظم انتاج العالم من البن من بلاد نصف الكرة الغربى ، ولو أن شجيراته تنمو فى كثير من البلاد الواقعة فى حدود المنطقة التى تصل من خط عرض ٢٨ درجة شمالا إلى خط عرض ٣٨ درجة جنوبا ، وتشمل موطنه الأصلى أى الحبشة وبلاد العرب ؛ وتعد البرازيل فى الوقت الحاضر أكبر البلاد المنتجة للبن ، وتليها فى ذلك الشأن كولومبيا ؟ وقبل الحرب العالمية الثانية كانت جزائر الهند الشرقية الخاضعة لهولندا فى ذلك الحين تلى كولومبيا فى الترتيب ولكن توقفت صادراتها منذ سنة ١٩٤١ .

وبدأ البن يلعب دور محصول البرازيل الرئيسى فى  السنوات الأولى من القرن التاسع عشر ، ولو أن شجيراته زرعت فى بادىء الأمر بإقليم بارا )  Para ( إلا أن أحسن مراكز الإنتاج يقع فى جنوب البلاد ، ويتركز على الخصوص فى ولايات ) Sao Paulo و Mioas Oerais , Parana و Espirito Santo و Rio de Janeiro وقد زاد عدد أشجار البن زيادة مطردة منذ الخمسين سنة السابقة على سنة ١٩٣٤ ، وبلغت الزيادة ذروتها عندما وصل عدد الأشجار إلى ثلاثة بلايين شجرة ) البليون = ألف مليون فى أمريكا وفرنسا ومليون مليون فى انجلترا ( ولكن ما هلت سنة ١٩٤٦ حتى هبط عدد الأشجار إلى بليونين .

إن كمية المستهلك من البن قد زادت زيادة مستمرة سواء من ناحية جملة الاستهلاك عموما أو من ناحية استهلاك الفرد الواحد طوال السنوات الأربعين الماضية ؛ وتستثنى من ذلك المدة التى مكثتها الحربان العالميتان الأخير تان ، وكان أكبر نصيب للفرد من هذا الاستهلاك بلاد المنطقة المعتدلة الشمالية حيث يكون الطقس عنيفا فى جزء كبير من السنة ، وتقع فى حدود هذه المنطقة بلاد شبه جزيرة اسكندناوا وبلاد غربى أوربا وكذلك الولايات المتحدة

وتعتبر الولايات المتحدة خير عميل لدول إنتاج البن ؛ فهى تستورد فى بعض السنين ما يزيد على نصف الكمية المصدرة منه ، وكان يصل إليها قبل الحرب الأخيرة ٥٥ % من صادرات البرازيل و ٧٧ % من صادرات كولمبيا ، وقد ارتفعت هاتان النسبتان أثناء الحرب العالمية الثانية إلى ٨٣ % و ٩٦ % على التوالى ، وتأتى بلدان غرب أوربا فى المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة ، وكانت ألمانيا وفرنسا وهولندا ومجموعة الدول الإسكندنافية أكثر الدول استيرادا للبن قبل الحرب ، ولكن فى أثنائها انسحبت ألمانيا من السوق كلية كما قلت الشحنات المرسلة إلى دول أوربا إلى أقل حد ، وبذلك صارت بعض جمهوريات أمريكا الجنوبية الوسطى أسواقا مهمة .

وفى سنة ١٩٤٦ عادت أوربا إلى السوق ثانية وبلغ ما أرسلته إليها البرازيل أكثر من ١٩ % من جملة صادراتها ، وكانت واردات البن إلى الولايات المتحدة فى زيادة مطردة منذ سنة ١٨٥٠ ، وقد فاقت نسبة هذه الزيادة نسبة الزيادة فى عدد السكان ، وكانت البرازيل هى المصدر الرئيسى إلى سوق الولايات المتحدة ، وفى سنة ١٨٠١ وهى السنة التى سجلت فيها أول شحنة من البن تدخل هذه البلاد بلغ وزن هذه الشحنة ) ٥٣٢ رطلا ( ولكن وزن الشحنة قد بلغ الذروة فى سنة ١٩٤٥ إذ وصل إلى ١,٥ بليون رطل .

اشترك في نشرتنا البريدية