إن تناول قدح من القهوة الساخنة ذات البخار المتصاعد هو ضرورة لا بد منها فى وقت الإفطار لغالبية الأشخاص البالغين فى الولايات المتحدة الأمريكية ، كما أن شرب عدد كبير من هذه الأقداح خلال النهار يزيد كثيرا من بهجة الحياة ومسراتها .
ولكى يستطاع تقديم الكميات الكبيرة اللازمة من هذا الشراب الشهى أصبح البن من أهم المنتجات اللازم توريدها إلى هذه البلاد ؛ وإن عملية استيراده وتجهيزه وبيعه لتخلق أعمالا وتكون مصدرا لأرزاق مئات من الناس ، كما يشمل الأثر الاقتصادى الناشئ عن ذلك آلافا آخرين .
وقد ظل البن ضمن المواد الست الأولى فى قائمة واردات الولايات المتحدة مدى سنين عدة ، وما وافت سنة ١٩٤٧ حتى أصبح على رأس هذه القائمة ، وقد بلغت قيمته أكثر من ١٠ % من قيمة جملة الواردات المقدرة بمبلغ ٥.٦٤٨.٥٠٠.٠٠٠ريال ، وقد اتى وقت خلال السبع والأربعين سنة الأخيرة فاقت فيه قيمة الواردات من المطاط والحرير الخام والجلود والصوف قيمة الوارد من البن ، ومع ذلك فهو دائما من ألزم واردات البلاد وأهمها شأنا .
ويقدم البن أساس التعامل مع كثير من ولايات أمريكا اللاتينية ، إذ يقدم العملة الأجنبية اللازمة لدفع قيمة صادرات الولايات المتحدة الأمريكية ، وتمثل قيمة صادراته بالنسبة لكثير من البلاد التى تنتجه أكثر من نصف القيمة الكلية لجميع الصادرات ؛ فهو بالنسبة لكولمبيا وسلفادور مثلا
يمثل ثلاثة أرباع القيمة الكلية لصادرات كل منهما ، بالنسبة لكوستاريكا يمثل ثلثى القيمة ، فى حين أنه بالنسبة للبرازيل وهى اكبر منتجيه يمثل ٣٥ % فقط من القيمة الكلية للصادرات .
ولو أن النصف الغربى من الكرة الأرضية هو خير منتج للبن وخير مستهلك له فى الوقت نفسه إلا أن شربه شائع أيضا فى مختلف أنحاء العالم الآخرى ، وفى السنوات السابقة على الحرب الأخيرة ابتاعت دول أوربا الغربية كميات هائلة منه وفاق استهلاك الفرد الواحد فى بلاد شبه جزيرة اسكندناوا استهلاك الفرد الواحد فى الولايات المتحدة نفسها .
وموطن البن الاصلى هو بلاد الحبشة ، وربما كانت بلاد العرب هى ذلك الموطن ؟ وتخبرنا الأساطير ان تأثير البن عرف لأول مرة فى بلاد العرب وكان ذلك وليد المصادفة ، فقد لاحظ أحد رعاة المعز أن المعز التى فى رعايته بعد أن أكلت أوراق شجيرات البن وحبوبها بدا عليها المرح واخذت تتواثب بهجة وسرورا ، مما حمل الراعى على تجربة ذلك فتعاطى الحبوب بنفسه .
وبدأ استعمال حبوب البن فى بادىء الأمر كدواء ثم استعملت بعد ذلك كغذاء ، ثم لجأ الناس بعد ذلك إلى غليها لاستخراج شراب منها . ونشأ قلى البن أى تحميص حبوبه كما ، تخبرنا الأساطير أيضا من محاولة العرب الاحتفاظ باحتكار زراعته ، فإنهم كانوا قبل تصدير حبوبه إلى الخارج يعمدون إلى معالجتها بالتسخين لقتل قوة إنباتها .
وسرعان ما صارت القهوة أى الشراب المستخرج من البن مشروبا مألوفا فى جميع الأقطار التى تتكلم العربية ، وما زال الأمر كذلك حتى اليوم ، ومن بلاد العرب انتقلت
حبوب البن إلى بلاد العالم أجمع وخصوصا إلى بلدان أوربا ، وقد كان رجال الكنيسة فى أوربا خير معين على نشر عادة تناول مشروب القهوة لما تحققوه من فائدته ، إذ لاحظوا فيه خاصية إبعاد النوم عن أجفانهم سواء عند نهوضهم المبكر فى الصباح أو أثناء سهراتهم المتأخرة فى الليل لتأدية طقوس العبادة ؛ وما هل القرن السابع عشر حتى انتشرت المقاهى فى جميع أنحاء أوربا وأضحت مراكز يتجمع الناس فيها للتحدث فى شئونهم السياسية والاجتماعية ؛ وفى ذلك الوقت أرسلت إلى المستعمرات الجديدة بأمريكا الشمالية كميات قليلة من البن ، ومنذ سنة ١٧٧٣ حلت القهوة محل الشاى كمشروب شعبى بأمريكا .
يرد معظم انتاج العالم من البن من بلاد نصف الكرة الغربى ، ولو أن شجيراته تنمو فى كثير من البلاد الواقعة فى حدود المنطقة التى تصل من خط عرض ٢٨ درجة شمالا إلى خط عرض ٣٨ درجة جنوبا ، وتشمل موطنه الأصلى أى الحبشة وبلاد العرب ؛ وتعد البرازيل فى الوقت الحاضر أكبر البلاد المنتجة للبن ، وتليها فى ذلك الشأن كولومبيا ؟ وقبل الحرب العالمية الثانية كانت جزائر الهند الشرقية الخاضعة لهولندا فى ذلك الحين تلى كولومبيا فى الترتيب ولكن توقفت صادراتها منذ سنة ١٩٤١ .
وبدأ البن يلعب دور محصول البرازيل الرئيسى فى السنوات الأولى من القرن التاسع عشر ، ولو أن شجيراته زرعت فى بادىء الأمر بإقليم بارا ) Para ( إلا أن أحسن مراكز الإنتاج يقع فى جنوب البلاد ، ويتركز على الخصوص فى ولايات ) Sao Paulo و Mioas Oerais , Parana و Espirito Santo و Rio de Janeiro وقد زاد عدد أشجار البن زيادة مطردة منذ الخمسين سنة السابقة على سنة ١٩٣٤ ، وبلغت الزيادة ذروتها عندما وصل عدد الأشجار إلى ثلاثة بلايين شجرة ) البليون = ألف مليون فى أمريكا وفرنسا ومليون مليون فى انجلترا ( ولكن ما هلت سنة ١٩٤٦ حتى هبط عدد الأشجار إلى بليونين .
إن كمية المستهلك من البن قد زادت زيادة مستمرة سواء من ناحية جملة الاستهلاك عموما أو من ناحية استهلاك الفرد الواحد طوال السنوات الأربعين الماضية ؛ وتستثنى من ذلك المدة التى مكثتها الحربان العالميتان الأخير تان ، وكان أكبر نصيب للفرد من هذا الاستهلاك بلاد المنطقة المعتدلة الشمالية حيث يكون الطقس عنيفا فى جزء كبير من السنة ، وتقع فى حدود هذه المنطقة بلاد شبه جزيرة اسكندناوا وبلاد غربى أوربا وكذلك الولايات المتحدة
وتعتبر الولايات المتحدة خير عميل لدول إنتاج البن ؛ فهى تستورد فى بعض السنين ما يزيد على نصف الكمية المصدرة منه ، وكان يصل إليها قبل الحرب الأخيرة ٥٥ % من صادرات البرازيل و ٧٧ % من صادرات كولمبيا ، وقد ارتفعت هاتان النسبتان أثناء الحرب العالمية الثانية إلى ٨٣ % و ٩٦ % على التوالى ، وتأتى بلدان غرب أوربا فى المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة ، وكانت ألمانيا وفرنسا وهولندا ومجموعة الدول الإسكندنافية أكثر الدول استيرادا للبن قبل الحرب ، ولكن فى أثنائها انسحبت ألمانيا من السوق كلية كما قلت الشحنات المرسلة إلى دول أوربا إلى أقل حد ، وبذلك صارت بعض جمهوريات أمريكا الجنوبية الوسطى أسواقا مهمة .
وفى سنة ١٩٤٦ عادت أوربا إلى السوق ثانية وبلغ ما أرسلته إليها البرازيل أكثر من ١٩ % من جملة صادراتها ، وكانت واردات البن إلى الولايات المتحدة فى زيادة مطردة منذ سنة ١٨٥٠ ، وقد فاقت نسبة هذه الزيادة نسبة الزيادة فى عدد السكان ، وكانت البرازيل هى المصدر الرئيسى إلى سوق الولايات المتحدة ، وفى سنة ١٨٠١ وهى السنة التى سجلت فيها أول شحنة من البن تدخل هذه البلاد بلغ وزن هذه الشحنة ) ٥٣٢ رطلا ( ولكن وزن الشحنة قد بلغ الذروة فى سنة ١٩٤٥ إذ وصل إلى ١,٥ بليون رطل .

