تنبهت مصر في الأيام الأخيرة إلي أمر عظيم له أكبر اتصال بالنهضة الوطنية ومستقبل الحياة المصرية ، وهو العمل على تجهيز الشعب المصري وإعداده للقيام بالدفاع عن نفسه ، والاضطلاع بتلك المسئولية الخطيرة التي يجب على كل شعب ان يضطلع بها ، مسئولية رفع راية الكرامة والحرية . ولم يقتصر الأمر على الاتجاه نحو زيادة الجيش
المصري ، وإمداده بأحدث معدات النضال ، بل تحول الاهتمام إلي تهيئة الشعب نفسه ، وتربيته تربية تحقق له ذلك الغرض النبيل ، الذي هو اسمي ما يمكن ان تتجه إليه أمة حبة . فصدر أخيرا مرسوم بتكوين " جيش إقليمي أو كما يسميه المرسوم " القوات المرابطة " واصدرت وزارة الدفاع مع ذلك المرسوم بيانا خطيرا ،
أوضحت فيه الفكرة من تكوين هذه القوات ، يتضمن بحثا فياضا بالشعور والحماسة ، ويحتوي علي مبادئ نري من واجبنا ان ننوه بما فيها من حقائق ، وان نجهر بأعظم التقدير لما تنطوي عليه من آراء .
ذلك البيان الخطير يصح لنا ان نعده نداء قويا للأمة ، يوجه انظارها إلي ما في المشروع الجديد من مساس بحياتها المستقبلة ، وهو يحتوي علي فقرات نراها من أوجب ما يتناوله البحث والتمحيص
جاء في ذلك البيان : " لقد كان تكوين الجيوش وإعدادها يتوقف أولا وأخيرا علي أن يكون الجيش أداة كاملة قائمة بذاتها . أما اليوم فالجيش هو الامة كلها ، والمقاتلة في الجبهة هم طليعتها " .
هذه الكلمة تستعرض في سطور تاريخ تطور فكرة الجيوش ، وتطور النظرة إلي ماهية الدفاع الوطني في الامم للمدينة ، ولكن لنا عليها تعليقا يسيرا :
حقا لقد جاء وقت كانت فيه الجيوش القائمة هي الأداة التي يوكل إليها الدفاع الوطني فكانت الجندية مهنة أو وظيفة يتخصص لها الفرد كما يتخصص لأي عمل آخر في الحياة ، وكانت الدول تعتمد على تلك الجيوش القائمة في غرض الدفاع والهجوم ؛ وكثيرا ما كانت تلك الحيوش ذاتها هي القاعة بالحكم فعلا في البلاد ، ولسنا في حاجة إلي ضرب الأمثلة لذلك ، فهي كثيرة ، وكان حظ بلادنا منها حظا عظيما في تاريخها الطويل ؛ بل إن كثيرا من الدول كانت تلجأ إلي استئجار الجنود من مختلف الشعوب ، ومجمع اخلاطا من الأمم تجعلهم عدتها في حفظ نفسها ، وفي تحقيق مصالحها ولم تخل مصر ايضا من مثل هذا النوع من الجيوش في بعض عصورها
نستطيع ان نتلفت إلي الوراء في عصور التاريخ ، لنري
لذلك أمثلة في دولة الرومان في عصورها الأخيرة ، وقد لجأت إلي الشعوب البربرية تستمد منها جندها ، وأمثلة اخري من الدولة الإسلامية في عصورها الأخيرة وقد لجات إلي الشعوب المجاورة كالترك والديلم تستورد منها جيوشها لتدفع بها عاديات منافسيها أو لتفتح بها بلاد جيرانها ، وأمثلة أخرى من مصر عندما كان ملوكها يستكثرون من المماليك يشترونهم صغارا ، ثم يقومون على تربيتهم وتدربيهم ليكونوا منهم جيشا قويا باسلا يقوم بحروبهم في الشرق والغرب .
ولسنا نستطيع أن ننسي جيش الانكشارية الذي اعتمدت عليه الدولة العثمانية في نضالها ، والذي كان عمدة انتصارها وعظمتها وتوسعها ، ولا ان ننسى جيش البندقية الذي كانت تجمعه جمهوريتها من الشعوب المختلفة ، وكان عماد دولتها وعظمتها لمدة قرون طويلة .
ولكنا مع ذلك كله لا نستطيع ان ننسي ايضا ان هذه الجيوش القائمة ، سواء منها ما كان من الوطنيين او من الأجانب ، كانت كلها وليدة العصور المتأخرة في الدول او عماد دول صناعية متكلفة لم يقدر لها البقاء إلا امدا قليلا ؛ بل كثيرا ما كانت تلك الجيوش التي تقوم بأجل الخدمات وتحرز النصر والمجد في عصر من العصور ، تعود فتصبح أداة سقوط للدولة التي أقامتها وعاملا علي هدم مجدها وسلب امنها
والواقع أن الطبيعة نفسها كانت دائما تميل إلي خطة مخالفة كل المخالفة لهذه الخطة ، فالشعوب القديمة والحديثة كلها في إبان نهضانها لا تعرف شيئا اسمه الجيوش القائمة ، بل تكون كلها جيشا إذا اقتضي الأمر دفاعا او هجوما . والذي يمكن أن نلاحظه من سيرة تواريخ الأمم أن الأمم في أول حياتها لا تتكل على الجيوش القائمة ولا تلجأ إلي الاستئجار أو استيراد الجنود من خارج شعبها ، والأمثلة على ذلك كثيرة لا حصرها . فالنهضة المصرية القديمة الموغلة
في القدم التي كانت في مصر في عصر الملك العظيم ( أحمس) لم تعرف شيئا اسمه الحيوش القائمة ، بل كان افراد الأمة كلهم جيشا متحركا ، ينبض قلب كل فرد منهم بالعاطفة السامية الواحدة التي تملك الدولة باسرها . والدولة الرومانية في أول نشأتها كانت تحارب بأفراد الامة الرومانية ، بجمعهم جنودا وقوادا من وراء محاريثهم او من سهوب مراعيهم ، للقيام بالجهاد الوطني في أوقات الأزمات ، حتى إذا ما وضعت الحرب أوزارها عاد القائد الزارع إلي محراثه ، والجندي الراعي إلي قطيعه ، وهكذا كان شأن الأمة العربية في أول نهضتها مع الإسلام كما هو معروف ، وشأن كل من نهض بعد ذلك من شعوب العالم ، كالتتار والترك وقبائل الجرمان .
ولقد اصبحت دول اوربا الحديثة جميعها في العصر الحاضر سائرة علي هذه الخطة ، فهي اليوم تحارب بمجموع أممها ، ولا تعد جيوشها إلا طلائع لها في ميدان القتال ، في حين تقوم الأمة كلها وراء الصفوف تعد لها ما تحتاج إليه ، وتمدها بالعون عند الحاجة
والتاريخ شاهد بأنه ما تلاقت أمتان في ميدان الحرب إلا كان النصر فيها حليف الدولة التي تحارب بأمتها جمعاء قد تكون الجيوش القائمة اعظم عدة وادق نظاما ، وقد تكون ! كثر دربة في علم الحرب ، ولكن روح الأمم كانت دائما أقوى من كل دربة ومن كل علم ومن كل عدة .
فان كانت النظرية التي تنادي بها وزارة الدفاع اليوم نظرية حديثة ، قد اخذت بها كل الدول المتدينة الحاضرة ، فانها نظرية قديمة كذلك ، كانت تسير عليها الشعوب الناهضة في كل العصور منذ أقدم السنين . والطبيعة ذاتها هي الأساس الذي يجعل الأمة في مجموعها هي المسئولة عن حفظ نفسها . فالإنسان بطبعه محارب ، وفيه من غرائز الدفاع والهجوم والقيادة والانقياد ما يجعل الفرد دائما مستعدا لان يكون جنديا ، بل إن الفرد الذي لا يقبل
على ان يكون جنديا إذا دعت الضرورة ، إنما هو فرد قد فقد اولي ضروريات إنسانيته ، ونزل إلي مرتبة الطفيليات التي فقدت المقدرة على الحياة المستقلة . ومثل هذا الفرد جدير بان يقضي عليه ، فهو لا يستحق ان يتضامن مع جماعته ، ولا أن تشمله جماعته بتضامنها .
وقد اتت على مصر بعض عصور ابعد فيها الشعب المصري عن الدفاع عن نفسه ، وأخذ أعنة مصيره في أيديه ؛ وكان هذا نتيجة ظروف كثيرة اجتمعت على إبعاده عن أداء ذلك الواجب المقدس . ولكن ذلك ليس معناه أن المصري ينقصه شئ من مميزات المحارب ، فهو يضمر في طبيعته كل الغرائز الإنسانية التي تكفل له البقاء : هو يغار ، وهو يغضب ، وهو يناضل ، وهو يستهين بالحياة نفسها إذا دعته الضرورة إلي ذلك . وليس ينقصه شيء إلا أن توجد لديه الفكرة ، وأن تتجه به العزيمة
وإنا محمد الله علي أن مصر قد تنبهت أخيرا إلي العودة إلي شعبها ، والاتجاه إلي إزالة ذلك الصدأ الذي علا طبيعته السليمة القوية . وأخذت الدولة أخيرا في سبيل تهيئة المصري اللدود عن حياضه .
وهناك كلمة أخري جاءت في بيان وزارة الدفاع نراها جديرة بكل اعتبار ، فقد جاء فيه :
(( هذه القوات الموازرة المررابطة لا يراد بها ولا منها ان تقنع بالانتظار والفراغ في زمن السلم ، كما هي الحال في الجيش المصري ، بل هي قوات حية تعظم وظائفها وتتعدد في أيام السلم ايضا ، فهي قوات مقاتلة إذا دعاها الجيش للخدمة زمن الحرب ، وهي مدارس للرجولة والنظام منتشرة في انحاء القطر واطرافه في زمن السلم )).
فهذه القوات المرابطة لن تكون قوة جيش قائم يبقي الغرض الدفاع في الأزمة الحاضرة وحدها ، بل هي جزء من تدبير مستمر او نظام شامل تتجه الدولة إليه لغرض أدوم وأبقي أثرا .
ستكون هذه القوات مدارس لتعليم الشعب تدريججا طبقة بعد طبقة ، ما يؤهله للحياة الوطنية الصحيحة في أيام السلم ، ولتعويده النظام والرجولة والكرامة في حياته العادية ، حتى يصبح عاملا علي الارتفاع نحو المثل العليا في الحياة ، كما يكون عاملا على الفوز إذا دعت الضرورة إلي النضال الحربي
ولن يقف ذلك النظام حائلا بين الفرد وبين تأدية وظيفته في الحياة العادية ؛ فالخدمة في هذه القوات موقت بستة شهور ، يعود بعدها الجندي إلى عمله ، بعد ان يكون قد قضى مدة في حياة الجندية المنظمة ، وأفاد منها أسلوبا ساميا في المعيشة الصحبة النظيفة ، واستنار ما يلقي إليه من دروس عملية في الوطنية الصحيحة . مثل هذا النظام يكفل تعليم اعداد عظيمة من الشعب ، ولا يقتصر اثره على رفع مستوي هؤلاء الأفراد الذين يتخرجون من هذه المدرسة العملية . بل يجعل من كل منهم عاملا يعمل على رفع مستوي اسرته والمحيط الذي يحيا فيه
ولكنا لا يغيب عن نظرنا ما في إنفاذ مثل هذا النظام من مصاعب ، وما يجد القائمون عليه من مسائل متشبعة تحتاج إلي اكبر مقدرة في مراقبة تحقيق تفاصيله ؟ وهذا يدعونا إلي ان نوجه النظر منذ البداية إلى ضرورة الفحص والتثبت والاحتياط ورسم خطط مفصلة تضمن بلوغ المقصود منه . كما أننا نرجو أن يوفق أولو الأمر في اختيار القائمين على تحقيقه من بين اولئك الرجال الذين امتلأت قلوبهم بالحماسة إلي الخدمة العامة والرغبة في التضحية بكل وقت ومجهود في سبيل اتجاه هذه المهمة الوطنية ، والذين لهم من العلم والتجربة والقدرة الشخصية والشعور بالواجب ما يجعل السير في الانفاذ سيرا قويا غير مضطرب ولا متردد .
إن الخطوة التي تخطوها الدولة اليوم بإنشاء هذه القوات المرابطة من اكبر ما عرفت مصر الحديثة من
وجوه الخدمة العامة . وليس من المبالغة في شئ ان نقول إنها نقطة تحول جديد في حياة مصر عليها يتوقف مستقبلها الاجتماعي والسياسي . ونرجو أن يكون السير العملي فيها محققا لكل الخير الذي ينتظر منها .
إن الأمة مستعدة للنهوض والقيام بواجبها ، وقد فكر ولاة الأمور في هذا الاتجاه الجديد الذي يمكن ان يحقق لها ما هي مستعدة له من النهوض ، فلم يبق إلا صدق العزم والحد والدقة في الانفاذ .
نسأل الله تعالى ان يسدد خطانا وان يرعي مصر الفتية ويوفقها
فإلي الأمام دائما يا مصر ! فإن من بلغ الذروة في ماضيه جدير بأن يبلغها في حاضره

