الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 50الرجوع إلى "الثقافة"

القوة ...، تحليل اجتماعى جديد

Share

حاول كثير من الحكماء والفلاسفة أن يتأثروا العنصر الأساسى فى حوادث التاريخ ، وأن يفسروا الأحداث التى تجرى على ظهر الأرض بفلسفة سياسية أو اجتماعية خاصة . وكانت هذه النظرة نحو التاريخ ذات آثار عميقة فى حوادث التاريخ نفسه ، لأنها وجهت الإصلاح السياسى والاجتماعى وجهات خاصة ، وبعثت فى الناس روحا يسرى من جيل لجيل . ونظرتنا للتاريخ هى التى تقرر احترامنا للأسس التى تقوم عليها الجماعة ، وهى التى تفرض علينا احترام التقاليد ، والاحتفاء بالنظم والعادات والقوانين التى انحدرت إلينا من أسلافنا .

وراء حوادث التاريخ ، ووراء أعمال الحرب والسلام كان المال عند " كارل ماركس " هو الذى يبعث الطبقات إلى العمل ، لذلك فكر أصحاب الاقتصاد فى الحاجة والإنتاج قبل أن يفكروا فى أعمال السياسة ونظم الاجتماع . ولذلك فقد وصلوا كل شأن من شئون الحياة الدنيا بما يشاكله من شئون الاقتصاد ؛ فالحرب لم تكن إلا وليدة الضيق الاقتصادى الذى يشعر به المنتجون ؛ والقسوة والجريمة والظلم بين كل طبقة وطبقة لم تكن إلا نتيجة القلة من ناحية والكثرة من ناحية أخرى ؛ ثم تلك الامبراطوريات لم تقم فى التاريخ إلا لأن دولا أرادت أن ترضى حاجاتها من حيث المادة . بل كل ظاهرة من ظواهر المجتمع ، يستطيع " كارل ماركس " وأصحابه أن يفسروها تفسيرا اقتصاديا مقبولا .

و " برتران رسل " (١) يرى فى ذلك كثيرا من الحق ،

لكنه لا يقف مطمئنا راضيا عند ذلك التفسير المادى للحضارة ، لأنه لا يراه وحده أساسا للتاريخ . و " برتران رسل " عالم يعيد إلى الذهن ذكرى الفلاسفة الأولين ، لأنه لم يختص لونا من ألوان المعرفة بكل جهده ، ولا فرعا من فروع العلم بجميع ما يبذل . بل لقد وسعت ثقافته علم الرياضة والفلسفة والتاريخ والاجتماع ، فهو متعدد النواحى يتخذ الشك أداة لليقين ، ويناقش الفكرة من جميع وجوهها ، ويجمع شعاب البحث فيجلوه لك فى صورة كثيرة المعالم ؛ وهو يرى أن العالم يعانى من التعصب الأعمى أشد العناء ، وأن العمل العنيف قد أصبح يلقى من الإعجاب ما لا يلقاه التفكير الرشيد . ولن يتقدم هذا العالم الذى نعيش فيه إلا إذا أقمنا ثقافة عالمية تؤلف بين وجهات النظر مهما اختلفت . والمعرفة على اختلاف أصولها جديرة بأن تخلق تعاطفا بين الشعوب والأفراد ، وأن تبث روحا من التسامح والعفو تتزايل عندها الإحن والحزازات .

وقد كتب " برتران رسل " كتابا فى نوفمبر الماضى اسمه " القوة " (١) كان بحثا فى أصل الحضارة وفى قواعد الاجتماع . فقد حاول أن يحلل فيه المجتمع تحليلا جديدا يجمع بين تلك الآراء التى ذهب إليها " كارل ماركس " وغيره . والكتاب فى نفسه مثل من أمثلة البحوث التى يقوم بها الأدباء العلميون فى العصر الحديث ؛ فقد جمع هؤلاء إلى علمهم بأصول الاجتماع علما زاخرا بأصول الفلسفة ، وحاولوا أن يطبقوا أصول الرياضة وعلم الأحياء على النشاط الاجتماعى . فبرتران رسل يعالج مشاكل الاجتماع والسياسة

كما يعالج الرياضى مشاكل الهندسة والفلك . وبحثه فى القوة وضع جديد لتلك الكشوف العلمية التى وصل إليها "مكيافلى " و " هوبز " و " مازينى " و " هيجل" و " نيتشه " و " كارل ماركس " .

وعند " برتران رسل " أن نشاط المجتمع متحرك غير ثابت ، وأن القوة فيه تشبه " الطاقة " (١) فى علم الطبيعة . فالطاقة هى ذلك النشاط الذى يكمن فى الأجسام ، ولها مظاهر تتباين حسب العلائق التى تأتلف أو تختلف بين كل جسم وجسم ؛ فاذا اصطدم جسمان كان مظهر الطاقة عند ذلك الحركة أو الحرارة أو الضوء .

وكل واحد من أولئك يمثل ذلك النشاط الكامن فى الأجسام . وكذلك قل عن " القوة " فى المجتمع ؛ فهى النشاط الكامن بين الفرد والفرد أو بين الجماعة والجماعة ، وهي كالطاقة تنظر لك فى أشكال عدة ، بعضها الثروة والسلاح والدعاية والسلطة المدنية والسيطرة على الرأى العام ؛ فكل واحد من هؤلاء يتصل بالمجتمع اتصالا وثيقا ، ولكن ليس أى واحد منها هو العامل الذى يمكن أن يكون وحده مركزا تدور حوله أعمال المجتمع . كل واحدة من تلك القوى مرتبطة مع القوى الأخرى أشد الارتباط ؛ فالثروة قد تكون نتيجة لقوة السلاح وقد تكون سببا له ، وقد تكون نتيجة وسببا فى وقت معا . وتتآخى كل تلك القوى وتتساند فيظهر بها المجتمع وحدة متعددة الوجوه متباينة المظاهر .

وكما أن الطاقة تسرى بين الأجسام فتنتقل من شكل إلى شكل ، فكذلك القوة ؛ فهى تتشكل فى سهولة وتتحول من الثروة إلى السلاح إلى الدعاية فى أقل بكثير مما نظن . فإذا أوتيت الثروة فقد تستطيع أن تحولها إلى حديد ونار ،

وقد تستطيع أن تبعث بها دعاية تطبق أنحاء الأرض . وإذا أوتيت حظا من الدعاية فقد تخلق بها إيمانا ثابتا يدك الأرض دكا . فتلك القوى متفاعلة متغيرة متحولة ، ولها فى تحولها قوانين خاصة تتحكم فى سير التاريخ وتسرى فى نواحى المجتمع .

وحب القوة والغلبة والتفانى فى كسب السلطة والغرام بالسيطرة ، كل ذلك هو الباعث الأول فى حياة المجتمع . هذه القوة ذات النواحى المتعددة التى ذكرنا لك منها ما أسلفنا هى التى تدفع بالإنسان نحو العمل ، وهى التى تبعث فى الإنسان روح الكفاح أو التعاون . وليس الأمر فى ذلك مقصورا على الفكرة المادية المجردة التى استكشفها " كارل ماركس " ؛ وليس يكافح الإنسان على ظهر الأرض من أجل حاجته المجردة ، لأنه كلما أوفى على تلك الحاجة طمح إلى ثروة كمالية فائضة . أرأيت إلى كل الذين حواليك ؟ كم منهم يكافح من أجل حاجاته الأولى ، وكم منهم يكافح من أجل فيض من المال أو المجد ؟ أرأيت كيف يجاهد كل واحد فى المجتمع حتى ينال مالا فائضا يطوع له قليلا من السيطرة على الفقراء الآخرين ؟ ثم أرأيت كيف يصطنع أكثر هؤلاء الدعاية العنيفة ؟ وكيف يحاولون أن يقيموا إيمانا فى نفوس الجماهير ؟ ثم لم اجتاح رجل مثل تيمورلنك أصقاعا شاسعة من العالم ؟ أتراه كانت تعوزه الطمأنينة والراحة فحاول أن يرضى حاجاته المادية الأولى ؟ أم تراه كان يندفع وراء الغلبة والفتح والسيطرة والسلطة والقسوة وغير هؤلاء من ضروب القوة ؟ .

حب القوة - لا البحث وراء المادة المجردة - هو الحافز الأول الذى يلح على طبقات الخاصة ، لكن حب القوة ليس شائعا فى الدهماء إلا بمقدار الفرص التى تتاح لهم . ذلك بأن الخاصة هم دائما الذين يتحكمون فى مصائر الجماهير ؛ فليس الأمر فى حياتهم مقصورا على إرضاء حاجات الساعة ،

بل هم يطلبون المزيد دائما من المال والدعاية والسلاح ، حتى يثبتوا قوائم القوة التى نالوها . أما الدهماء فهم قد يقنعون بهذا أو بذاك من حاجات المأكل أو المشرب ، لكنهم يرضون حبهم للقوة وغرامهم بالسلطة حين يتبعون هذا أو ذاك من الزعماء . هم يتبعون زعماءهم لأن هؤلاء ، يمثلون لهم القوة التى يعجزون عن إدراكها . وهم يتمثلون فى مجد قادتهم ذلك المجد الذى يتشوقون له فى قرارة نفوسهم . أما إذا رأى فرد من هؤلاء أنه كفء لتلك السلطة وأنه يستطيع أن يحقق ذلك الخيال فهو قد أصبح زعيما من أمثال جنكيز خان ونابليون ولينين وهتلر وموسولينى .

ولكن لم انقسم الناس فريقين : فريق خلق ليأمر ، وفريق آخر خلق ليطيع ؟ ولم كانت هذه القوة مقسمة بين قلة تتحكم فى العالم و كثرة تقبل ذلك التحكم ؟ إن حب القوة هو الذى يدفع الأولين ، ولكن الخوف هو الذى يمنع الآخرين . فخوف الجماهير هو أساس القوة التى ينعم بها الزعماء ، لأن الجماهير تخشى على التقاليد التى سارت عليها ، ولأنها تخشى آلام الغزو والفتح ، ولأنها تشفق على قوانينها ودينها ونظمها . فإذا أحست الجماهير بذلك الخوف فهى تفزع إلى زعمائها توليهم زمامها ؛ وعلى ذلك قامت الجماهير تولى قيادها الملوك والأمراء ، فهم الذين يذودون عنهم إذا تلاحقت عليهم الحروب والفتن . ومن ذلك الفزع قامت ممالك أوربا الحديثة وسارت تحت إمرة الملوك الذين قاموا من القرن السادس عشر حتى القرن التاسع عشر .

فالطاعة من جانب الجماهير هى التى تمكن الزعماء من أسباب القوة . وهذه الطاعة هى التى تؤمن العامة من الخوف ، بل هى التى تؤلف بين أفراد الدهماء ، فيحسون روحا من الطمأنينة والرضى فى ذلك التآلف ، بل هم يحرصون كل الحرص على الذى بلغوه ، لأنهم يحسون بتلك الطمأنينة التى تميز التعاطف الاجتماعى ، أو المشاركة الوجدانية (١) ؛

فهذه الحماسة الشائعة التى تبعث الرضى فى نفوس الجماعة ، هى التى تمهد أسباب القوة للزعماء ، وهى التى تفرض عقلية اجتماعية عامة تحرص على قوائم النظم والتقاليد .

الفزع والطاعة من جانب ، وحب القوة والغلبة من جانب آخر ، هو الذى يفسر لنا العلائق بين الزعماء وبين الدهماء . ولقد قامت قوة الملوك فى أوربا كما رأيت لأن الناس فزعوا إليهم من ظلم الأمراء والقسيسين . ومثل ذلك قل عن السلطة الدينية التى تمتع بها رجال الكنيسة ، فهم قد أثاروا فى نفوس العامة فزعا من الحياة الأخرى . وهذا الفزع كان فى نفسه أساسا لتلك القوة التى نالتها الكنيسة ، والتى حاربت سلطة الملوك فى أعوام طويلة من التاريخ .

ولكن سلطة الزعماء تقوم على تقاليد ثابتة تنحدر فى تاريخ المجتمع ، أو قل إنها تخلق هذه التقاليد خلقا . وكلما تقدم المجتمع ثبتت هذه التقاليد حتى تصبح نظما وعقائد ؛ فإذا لم تقم السلطة أو القوة على هذه التقاليد ، وإذا فرضت على العامة من غير أن تتصل بعاداتهم وعقائدهم ، كانت قوة غشوما (١) ؛ فالقوة الغشوم هى التى تبعث الاحترام والرهبة فى نفوس العامة ، لأنها قوة وحسب ؛ بل لقد تكون القوة محترمة فى نفوس الناس لارتباطها بتقاليد المجتمع ، فإذا اضمحلت هذه التقاليد أصبحت القوة غشوما ؛ وهذا يفسر لك كثيرا من حوادث التاريخ : يفسر لك تحلل سلطة المماليك فى مصر ، وكيف أصبحت قوة غشوما فى أخريات القرن الثامن عشر ، ويفسر لك كيف تحللت سلطة البوربون فى فرنسا قبيل الثورة الفرنسية .

وفى تاريخ الإنسان كثير من العصور برز فيها قوم من أصحاب القوة الغشوم . وحينما تضطرب قوائم المجتمع وحين تتلاشى تقاليده ، وحين تدب الفوضى ويتضاءل الإيمان

بالنظم والمبادئ ، يصبح للقوة الغشوم السلطان الأول والأخير . حدث مثل ذلك فى أثينا فى القرن الرابع قبل الميلاد ، وحدث ذلك فى القرن السادس عشر أيام النهضة فى أوربا ، ثم حدث عند تكوين الإمبراطوريات الغربية فى القرن التاسع عشر ؛ ولسنا ندرى أهو يحدث الآن أم لا يحدث . لعل الكفاح الحالى حرب بين التقاليد والمبادئ من جانب وبين القوة الغشوم من جانب آخر . ولعل انتصار الديمقراطية سوف يكون انتصارا حاسما للقوة القائمة على التقاليد واندحارا للقوة الغشوم التى لا تعترف بتلك التقاليد .

والكثرة التى تخشى وتطيع ، والتى تجد فى قوة الزعماء ملجأ يحميها ، والتى تحرص على تقاليدها كل الحرص ، تقول تلك الكثرة تحتفظ فى مجموعها بقوة كامنة هي قوة الثورة . فإذا أحست الجماهير وطأة الاستبداد والعسف قامت فى نفوسهم موجدة على القوة الغاشمة التى تنزل بهم الخسف فتتدك أصول لتقوم مكانها أصول أخرى . وقد ظهرت قوة الثورة فى حوادث زلزلت قواعد المجتمع . أما هذه فهى قيام المسيحية الأولى ، ثم حركة الإصلاح الدينى ، ثم الثورة الفرنسية والحركة القومية ، ثم الحركة الاشتراكية التى بدأت فى القرن التاسع عشر . ففى كل حركة من هؤلاء ، قامت الجماهير ضد نظام قائم لتحل محله نظاما آخر . وفى كل واحدة كانت الثورة نتيجة لقوة غشوم تحس بها الجماعة وتثور على الذين يصطنعونها .

وتستطيع أن تلمس دورة القوة فى كل مجتمع من المجتمعات التاريخية التى نعرف . فالقوة تقوم على تقاليد خاصة تختلقها الأحوال والأجيال اختلاقا . ثم تتلاشى تلك التقاليد ، فتصبح القوة غشوما . وتثقل تلك القوة الغشوم على الجماهير فتنفر إلى الثورة . ثم يأتى بعد الثورة عصر من الفوضى لا تقاليد فيه ولا مبادئ ، ويخرج من بين العامة الرجل القوى الذى يستطيع أن يلم شتات

المجتمع . تلك هى دورة القوة ، وذلك هو الذى حدث تماما فى فرنسا . فالقوة التقليدية المستنيرة التى ورثها لويس الرابع عشر قد انقلبت قوة غشوما فى عصر خلفائه . والفرنسيون قد ثاروا بتلك القوة الموروثة حتى دكوا نظم المجتمع دكا . ولكن القوة آلت بعد ذلك إلى نابليون ، فألف هذا بين النظام وبين القوة . وتستطيع أن تطبق ذلك على الحكومة الرومانية من أيام يوليوس قيصر حتى آخر أيام أجسطس - وأظنك تستطيع أن تطبقه على الانقلابات العاصفة التى حدثت فى دولة بنى أمية حينما انقلبت الخلافة ملكا سياسيا مستبدا .

أما القوة الاقتصادية فإنها تضعف أو تقوى تبعا لمقدرة الدولة على الدفاع عن أرضها ، وعلى مبلغ تهديدها للدول الأخرى ، وعلى ما تحوزه من المواد الخام وحاجات المأكل والملبس ، والمهارة الصناعية الخاصة ؛ وهى تتوقف كذلك على مقدرة الدولة نفسها على إمداد الدول الأخرى بتلك المواد الخام . والقوة الاقتصادية لها وزن كبير فى إثارة الحروب بين كل دولة طامعة ، وكل دولة طامعة أخرى . وكلما تقدم العلم أصبحت الحرب آلية ، وأصبح للقوة الاقتصادية أكبر أثر فعال فى كسب الحرب . أما فى داخل الدولة فإن القوة الاقتصادية تروح وتغدو بين طبقات الشعب ، تبعا للنظم الاجتماعية والسياسية التى تمكن طبقة دون طبقة من الاستيلاء على المال ، أو احتكار الصناعة أو التجارة أو الزراعة ؛ لذلك قامت نظم فى داخل الدولة تنظم ذلك الاحتكار وتخفف من حدته . وكذلك نرى أن قوة المال تعتمد على الحرب ، فى خارج الدولة ، وعلى أنواع كثيرة من النظم فى داخلها . ويمكنك ، فى غير عناء ، أن تقدر مثل تلك الآثار فى الكفاح الحاضر بين البلاد الديمقراطية ، والبلاد الديكتاتورية . فقوة إنجلترة الاقتصادية لا تقوم فقط على أنها قد حازت فعلا كثيرا من المواد الخام ، وإنما تقوم أيضا على أن لديها مهارات

صناعية وتجارية خاصة ؛ ولها أسطول يستطيع أن يجوب البحار يصرف حاجاتها ، ثم إنها تستطيع أن تهدد أى بلد يحاول أن يعتدى على قوتها الاقتصادية أو الحربية .

وليس الأمر فى القوة مقصورا على كل الذى أسلفنا ، بل ينبغى أن تشيع فى الجماعة عقيدة أو عاطفة واحدة ، هى التى تؤلف بين أفرادها ؛ ولكن لن تكون تلك العقيدة أو العاطفة مصدرا من مصادر القوة حتى يحس بها وينافح عنها السواد الأعظم من الأفراد ، بما فى ذلك فئة من الأكفاء الذين يستطيعون أن ينفذوا ما يمليه عليهم إيمانهم . وذلك هو الذى حدث عند قيام الاسلام ؛ فلم يعتمد الاسلام إلا على ذلك الإيمان العميق الذى كان يميز الجماعة المسلمة الأولى ، ولم يعتمد النبى على قوة اقتصادية خاصة ، ولا على كثير من عدة الحرب وعتادها . وإنما بدأ حياته الجاهدة بقوة العقيدة التى ائتلفت أنصاره وتابعيه . وكان

ذلك الايمان العنيف شائعا فى قلوب المسلمين الأول حتى بلغ حد الجود بالنفس والتفانى فى سبيل الدين . ثم لقد كان على رأس هؤلاء أجمعين فئة من رجال العمل الأكفاء ، هم الذين وجهوا الجماهير نحو الفتح والنصر ، وهم الذين أقاموا قوائم الحكومة المسلمة فيما بعد .

لقد رأيت من كل ذلك كيف تتحكم القوة فى حياتنا الاجتماعية ، وكيف تحكمت فى أحداث التاريخ . ولست أزعم أن كل الذى نقلت إليك هو بعينه الذى قاله " برتران رسل " فى كتابه عن " القوة "  . لكنى قد استوحيت ما كتب ، وحدثتك فيها حدثتك فيه عن ذلك الوحى . ولقد لقيت فى ذلك كثيرا من المتاع النفسى والعقلى ، وأرجو أن أكون قد أفلحت فى نقل قليل من ذلك المتاع إليك .

اشترك في نشرتنا البريدية