- ١ -
كون المعز لتثبيت عرشه جيشاً لجباً كان أكثره من قبيلة كتامة التي ساعدت الأسرة المالكة وأخلصت لها في بلاد المغرب، وعلى يديها تم فتح مصر، ولكن جيش الفاطمية لم يحتفظ بوحدة عنصره خوفاً من استبداد هذا العنصر فكون خلفاؤهم فرقاً أخرى من الديلم والأتراك حتى إذا كان عهد المستنصر استكثرت أمه من السودان. حتى بلغوا نحو خمسين ألفاً، وأستكثر هو من الأتراك فلما جاء بدر الجمالي من عكا أقام له جنداً من الأرمن أبناء جنسه، وصاروا معظمهم الجيش، وشبت الحروب الصليبية، والجيش في مصر مكون من هذه العناصر المختلفة، إليها عنصر البدو من بلاد الحجاز، ويظهر أن الفاطميين لم يكونوا من أبناء مصر فرقاً في جيشهم، فلم يرد ذكر لفرقة مصرية في كتب التاريخ، ولم يحدثنا عنها ناصري خسرو الذي وصف الجند في عهد المستنصر؛ وإنما اعتمدوا على هذا المزيج الأجنبي مما يسر لصلاح الدين قلب دولتهم من غير أن ينهض المصريون للدفاع عنها.
كان الجيش في مصر مكوناً من هذه العناصر المختلفة التي ظلت تغذيه في المدة الباقية من الحكم الفاطمي وسميت فرقه بأسماء مختلفة تدل على موطنها حيناً كطائفة البرقية الذين قدموا من برقة أو على من كونها حيناً آخر من خليفة أو وزير كطائفة الحافظية والآمرية والجيوشية والأفضلية، نسبة إلى الخليفة الحافظ والخليفة الآمر وأمير الجيوش بدر الجمالي وابنه الأفضل، أو على جنسها كالفرقة الرومية والسودانية، أو قبيلتها كفرقة المضامرة المكونة من إحدى قبائل البربر، أو زعيمها كطائفة الميمونية نسبة إلى ميمون.
لم تذب هذه العناصر بعضها في بعض لتكوين وحدة متسقة، ولكن احتفظ كل عنصر بشخصيته، وسكنت كل طائفة في
حارة خاصة بها ولم تكن الصلة بين هذه الطوائف صلة حب ووئام دائماً وإنما كانت المنافسة هي المظهر السائد بينها. وكثيراً ما أدت المنافسة إلى الاشتباك في حرب بين هؤلاء المتنافسين، كتلك الحرب التي شبت بين الأتراك والسودان في عهد المستنصر والتي لم تهدأ إلا بعد أن جلبت الخراب على مصر. وقد يثير الطامعون في الحكم الفتن بين هذه الفرق ليستنصروا ببعضها على بعض، فتندلع نيران الحرب بين الفريقين كما فعل الأمير حسن ابن الحافظ لدين الله الذي كان يبغي أن يكون ولي العهد يدل أخيه حيدرة، فإنه أثار الفتنة بين الطائفة الجيوشية والطائفة الريحانية، والتقى الفريقان في معركة قتل فيها ما يزيد على خمسة آلاف نفس؛ وكانت الوقعة هذه أول مصائب الدولة الفاطمية و كما حدث في الحروب التي قامت بين شاور وضرغام.
هذا المزيج إنما يصلح لدفاع الصليبين إذا وجد القائد القوي المدرب، أما وقد ضعف الخلفاء، وأصبح هم وزرائهم الأول الاحتفاظ بالسلطة في أيديهم، فقد أبقى الوزراء الجيوش الموالية لهم في مصر لتوطيد شوكتهم في البلاد، فلم يكن موقف الجيش المصري من الحروب الصليبية الأولى ناشئاً من قلة كما سنرى ، وقد حاول الأفضل بن أمير الجيوش أن يستعين بالمغاربة على حرب الصليبين ولكن لم ينجح.
وكان الجيش بالشام في تلك الفترة من الزمن بالإمارات المختلفة مكوناً من العرب ولا سيما البدو، ومن الترك.
والظاهر أن أقوى الفرق بمصر عندما جاء إليها صلاح الدين كانت الفرقة السودانية التي أعتز بها السودانيون، فنزحوا إلى مصر، وصار لهم بها شوكة وقوة، وكونوا لهم في كل قرية ومحلة وضيعة مكاناً مفرداً لا يدخله وال ولا غيره احتراماً لهم، ويبدو أنه عز على الطائفة أن ترى صلاح الدين وجيشه الجديد يغتصب مالها من القوة والنفوذ، فدبر زعماؤها المكائد له، ولكنه بادر بقتل زعيمهم، ومهاجمتهم في حيهم، فهزمهم وخرب حارتهم المنصورية وتتبعهم في بلاد الصعيد حتى أفناهم.
وكون صلاح الدين جيشاً معظمه من الأكراد. قال ابن إياس(: (لما ملك صلاح الدين أزال ما كان بمصر من

