الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 273الرجوع إلى "الثقافة"

القوت بعد الحرب، كيف يدبر وكيف يوزع

Share

تبذل الأمم المتحدة في الوقت الحاضر جهودا جبارة في سبيل تنظيم العالم بعد الحرب ، وقد كانت أهم المشاكل التي مثلت أمامهم متطلبة الحل الدقيق السريع الناجع هي مشكلة الطعام ، فالناس في الوقت الحاضر يعيشون في حالة غير طبيعية ؛ والأمم المحاربة تقوم حكوماتها بتوفير الاطعمة الضرورية لرجال الجيش ولسكان البلاد من الصناع ومن النساء العاملات وغير العاملات ومن الأطفال ؛ وهم يستخدمون في ذلك كله جميع مواردهم وجميع وسائلهم ، للاستيلاء ، والنقل والتوزيع بغير نظر إلى التكاليف .

أما الأمم المحايدة فهي قائمة بما تجده ، تحمد الله على إن جنبها ويلات الحرب ، ووفقها إلي الحصول على  ما تجده من الطعام ، وترجو لهذه الغمة زوالا سريعا . وهناك الأمم المحتلة التي غلبها القاهر واخضعها ، واستولي على مواردها ، ونقل إلي بلده معظم خيراتها ، ولم يبق لها إلا القليل الذي لا يكاد يكفي للكفاف وشظف  العيش ، وهي لا تملك ان ترفع صوتها ، وإنما تضرع إلي الله ان يقيل عثرتها ، وان يهيئ لها سبيل الخلاص من أسرها .

وقد تجلي لكل عين مقدار ما يصيب موارد العالم الغذائية يوما بعد يوم من أضرار بالغة ، وينذر الناس في جميع انحاء الأرض بسوء العاقبة ، وبأيام عصيبة ، ويصور أمامهم شبح الجوع ماثلا يقودهم إلي الهلاك . فكم من بلاد خربت ، واراض زراعية اقفرت ، واشجار مورقة قطعت ، وزراعات كانت تدر الخيرات قد اوقفت ، وانعام واغنام مما يأكل الناس قد هلكت ، وما بقي منها لا يجد العلف اللازم لنموه وتكاثره وصلاحيته لان يظل كما كان من

قبل طعاما شهيا للانسان . والمنتجات الزراعية أين هي ؟ ومن الذي تتهيأ له الفرص والظروف ليقوم عليها ؟ اللهم إلا الذين تعهد إليهم الحكومات المحاربة بتهيئتها للجنود والجرحي والمرضي .

كل ذلك ينذر بالحرمان ويصور للعالم الحالة التي سينتهي . إليها حين يقدر لهذا النضال الشنيع ان يقف ، وتلك الحرب الضروس أن تضع أوزارها . وكلما امتدت أيامها ، وطالت مدتها ، ازدادت تلك الحال سوءا ، وازداد إشفاق المفكرين مما ستؤول إليه الحالة في العالم بعدها

من أجل هذا خصص أول مؤتمر عام عقدته الأمم المتحدة لبحث مسائل التغذية والزراعة . ولا تزال هذه المشاكل محل دراسات مستمرة للكثير من اللجان التي شكلت في ذلك المؤتمر وفي المؤتمرات التي تلته وفي الهيئات التي اقامها دول الحلفاء كمركز الشرق الأوسط وغيره ، وتطلع علينا الجرائد والمجلات باستمرار ببحوث قيمة في هذا الموضوع الخطير . وقد رأينا أن نوافي قراء الثقافة ببعض تلك الآراء :

بمجرد انتهاء الحرب سيكون امام الدول العظمي مهمتان على جانب عظيم من الخطورة : " الأولى " إسعاف الأمم المذكورة بما هي في اشد الحاجة إليه من تموين عاجل يسد جوعها ويحميها من الهلاك .  والثانية : تهيئة الأسباب لزراعة كل شبر من الأرض واستغلاله إلي أقصى حد ، وذلك بمعاونة كل قادر على الإنتاج أن يقوم به وإمداده بكل ما يلزمه لينتج أكبر إنتاج وأحسنه .

والإسعافات التي أشرنا إليها الآن يجب أن تكون بصورة مؤقتة سريعة . أما تنظيم الإنتاج فيجب أن يكون الأساس ؛ فالأمم المحتاجة للمون لا تبغي إحسانا وإنما تنشد مساعدة تمكنها من ان تعين نفسها بنفسها وتقوم بتهيئة حاجياتها بعرق جبين أفرادها ، وتلعب دورها في الإنتاج العالمي .

ولتحقيق كل من الفرضين تري الامم المتحدة أنه يجب أن يكون هدفها الأسمي وغرضها الاول هو توفير الطعام لكل فرد بغير استثناء وبفير تفرقة قومية او طائفية أو غيرهما . ووسيلتها إلي ذلك هي دراسة جميع المناطق دراسة وافية لمعرفة حاجياتها بالضبط ، ومقدرتها الإنتاجية الحالية ، ووسائل إنعاش تلك المقدرة لزيادة هذا الإنتاج . وهي تستفيد في دراساتها بكل خصائص الامم وعاداتها واساليبها ؟ فقد يتبين لها عند الدرس ان وسائل التغذية وطرقها المتبعة عند أجهل الأمم تكون احيانا أنجع وأفيد من المتبعة عند أكثر الأمم مدنية وعلما

ولتحقيق هذا الفرض قد جندت الأمم المتحدة جيشا كبيرا من الإخصائيين للدراسات الشاملة ؛ فكل مناخ وموقع وعادة في منطقة من المناطق قد أكسبتها ميزة خاصة وجعلتها تفضل زراعة محصولات خاصة وتحسن تربية حيوانات خاصة . ولابد من دراسة علمية وافية لجميع شئون التغذية ومعايير الاستهلاك ووسائل إنتاج الأغذية وطرق توزيعها . والدارسون يؤملون ان يعينهم هذا الكنز من المعلومات العلمية على تقدير الحاجات اللازمة للعالم بالضبط وتقدير الإنتاج تبعا لذلك ، ثم إنهم يعمدون - للحصول علي هذا الإنتاج الضروري - إلي استغلال كل بقعة من الأرض أعظم استغلال فيزرعون مختلف أنواع الأطعمة في خير الآماكن صلاحية لها ، ويرتبون تموين كل جهة من خيراتها أولا ثم من أقرب المناطق إليها ثانيا وبذلك يرتفع مستوي الإنتاج إلي أقصي حد ، وتقل ضرورات النقل إلي أقل حد وتنعدم ندرة وجود بعض لوازم أو ضروريات الحياة أو زيادة كمية بعض الضروريات عن القدر اللازم .

وقد كانت آخر فقرة لقرارات أول مؤتمر عقدته الأمم المتحدة هي : " كل سكان الأرض مستهلكون للطعام واكثر من ثلثيهم منتجون له ، وهاتان الظاهرتان للانتفاع بالأراضي لا يمكن فصل إحداهما عن الآخري ؛ فالناس لا يستطعيون استهلاك طعام أكثر مما يستهلكون ، ولا الحصول علي طعام اصح من طعامهم الحالي إلا إذا امكن

استنباط هذه الكثرة وهذا الطعام المفضل من الأرض أو من البحر بمقادير كافية . فإذا كان لابد من إكثار إنتاج الأطعمة وتحسينه فيجب أن يعرف المنتجون ما يجب عليهم القيام به كما يجب ان نؤكد ونضمن لهم ان ما سيبذلونه من جهد سيدر عليهم رزقا كافيا يعينهم على تحسين حالهم ورفع مستوي حياتهم " .

ولكي تقوم كل أمة بنصيبها من هذا الإنتاج يجب  أن تعاون وتيسر لها كل السبل وتقدم لها جميع التسهيلات اللازمة فالخبرة التي اكتسبتها امريكا في المسائل الزراعية والتقدم الزراعي الهائل الذي ظهر فيها بوجه عام ، وفي ناحية الآلات بوجه خاص ، كل هذا يجب أن تنتفع به الأمم الأخرى التي هي في حاجة إلي المساعدة من هذه الناحية . وهذا يجرنا إلى نقطة أخرى على جانب عظيم من الأهمية : وهي ما تبين من أن الملكيات الصغيرة كثيرا ما تعطل التقدم الزراعي ؛ فالفلاح الذي عليه ان يزرع قطعا صغيرة متباعدة من الأراضي يضيع نصف يومه في الانتقال من واحدة إلي أخري ولا يستطيع أن يستغل الآلات والوسائل الحديثة في زراعته ، ولذلك يقول كثير من المفكرين بضرورة وضع حد أدنى للملكية بحيث يمنع تقسيم الأراضي إلي ما هو دونه عن طريق البيع أو الثوريث الخ . بحيث إذا بلغت قطعية الأرض نهايتها الصغري وجب اتخاذ تدابير أخري لتعويض الوارثين - مثلا - يمكن تفادي قسمة الأرض إلي قطع أقل من النهاية الصغري المتفق عليها

وقد رأي بعضهم أن ذلك سيؤدي حتما إلي تقليل عدد المشتغلين بالزراعة في بعض المناطق بسبب هذا الإجراء الأخير ، فاقترح - علاجا لهذه الحالة - إما أن نعوض الفرد المراد تنحيته عن الأرض لكيلا تقسم تعوضه بدلا منها أرضا بكرا جديدة يقوم على استصلاحها وزراعتها ، وبهذا تزداد المساحات المنزرعة متي وجد إلي ذلك سبيل ، فإذا تعذر هذا أو رغب عنه ، فهناك اقتراح آخر لا يقل عن هذا أهمية ، وهو إنشاء صناعات جديدة في

الأماكن المكتظة بالملكيات الصغيرة تستنقذ تلك الأيدي المراد صرفها عن الزراعة . فالنظرية القديمة التي كانت تخير الأمم بين أن تكون صناعية أو زراعية قد ثبت خطؤها وحلت محلها النظرية الحديدة التى تقول بان كل امة يجب ان تصر على ان تكون زراعية وصناعية في أن واحد .

ونشوء تلك الصناعات يستنقذ عددا عظيما من العمال لا في الصناعات المنشأة وحدها ، ولكن فيما تستلزمه من استخدام عمال للبناء وأخرين لشق الطرق وتمهيدها وغيرهم لتسهيل النقل والمنشئات الصحية وما تستلزمه من عمليات لمد المصانع والعمال بالمياه الصالحة للشرب ، ومد سكان المنطقة الجديدة والصناعات الجديدة بالكهرباء - كل ذلك من شأنه ان يخلق تلك المناطق المكتظة خلقا آخر ، ويبعث فيها روحا ونشاطا وتجديدا

وقد لاحظ بعض الباحثين ان كثيرا من المنتجين يحرمون أنفسهم من الانتفاع بخيرات أراضيهم ومنتجاتها فقلما نجد فلاحا يطعم من ماشية أو غنم يربيه ، أو يشرب هو واسرته القدر الضروري لهم من الألبان ، أو يأكلون ما لا يستغني عنه الجسم من الخضروات الغنية بالفيتامينات مما يسبب اعتلالا في صحة هذا الفلاح واسرته ، وظهور بعض امراض خاصة في هؤلاء المحرومين تقلل من نشاطهم وتضعف من مقدرتهم على العمل والإنتاج . وهذا امر  تجب محاربته وهو يرجع إلي أحد عاملين : الأول اضطرار الفلاح إلي بيع المنتجات ليشتري بثمنها بعض لوازمه الأخرى ، ومثل هذا الفلاح تكون منتجاته أقل مما يجب ولذا يجب معاونته على إصلاح إنتاجه وإ كثاره ، فإذا لم يكن إلى ذلك سبيل وجب صرفه عن الزراعة في منطقته وتوجيهه إلي منطقة أخري أكثر إنتاجا ، أو إلي صناعة جديدة كما قدمنا ، وقد يكون بيعه لإنتاجه وحرمانه نفسه وأسرته من هذا الانتاج راجعا إلي طمعه في المال الذي يبيعه به لغلو أسعاره ، ومثل هذا الشخص يجب ان

يبصر بما في عمله من خطأ ، وبفهم ضرورة اخذ حاجته  الشخصية الضرورية من منتجاته ، حرصا على صحته وصحة ذويه ، ثم يتصرف فيما بقي بعد ذلك بالبيع .

وواضح أن نظما كالمقترحة هنا وتنظيمات كالتي اشرنا إليها لا يمكن ان تنجح إلا إذا وجدت من الدول تعاونا تاما دقيقا باخلاص وصراحة . ولا يصح ان يترك أمرها إلى بضع دول كبيرة تتولاها دون غيرها ، فإن ذلك يثير كامن الحقد في الدول الآخري مهما صغرت ؛ إذ يشعرها بنوع من التحكم أو الدكتاتورية تفرضها الدول الكبيرة على الصغيرة ، ولذلك يجب ان تتعاون الدول في هذه الشئون بصورة إجماعية

ثم إن مثل تلك التنظيمات الدولية لن نتعدي أن تكون أملا خائبا إذا ظلت أمور التنفيذ بيد الأفراد الذين يجرون وراء الربح والمصالح الذاتية . فالسلطات الحكومية لا بد منها لتنفيذ الاتفاقات الدولية . فبغير رقابة حكومية على أسعار السلع وعلي توزيع المنتجات لا تضمن ان يحصل كل شخص على الغذاء الذي يحتاجه بالمقادير الكافية لحمايته صحيا ، فإذا ظلت السوق التجارية حرة فإن ندرة السلع تخدم المنتج كما يخدمه كثرتها هذا إلى ان التوزيع يكون في الغالب تبعا لمقدرة المستهلك المالية فيتخم الغني ويجوع الفقير ، ثم إن الإشراف الحكومي لا مناص منه لضمان التناسق في السياسات الزراعية للآمم المختلفة تناسقا يجعلها كلها تتمشى متفقة تمام الاتفاق مع الخطة العالمية  التى تتفق الأمم مجتمعة على إنتهاجها

وبعد فإن توزيع الطعام مشكلة أخري من أعقد  المشاكل . ويري بعض الباحثين انه يجب ان تضطلع بها هيئات غير سياسية وغير طائفية وغير أنانية اي ليست لها مصالح ذاتية - هيئات لها اتصالات بجميع انحاء البلاد المراد تموينها . ولكي تكون هذه الهيئات ذات أثر فعال وتقوم

بمهمتها خير قيام يجب ان تحوز ثقة سكان البلاد واطمئنانهم لها ويري أصحاب هذا الرأي أن الهيئات التي تفي بذلك كله هي الهيئات التعاونية . فنظام التعاون الذي نشأ في اسكتلندا ثم انتقل ببطء إلي انجلترا وتسرب بعد ذلك بهدوء ، حتى عم اوروبا وانتقل منها إلي جميع انحاء العالم ، نظام تطمئن نفوس الاهلين لهيئاته لأنهم يحسون بأنها هيئات يملكونها هم شخصيا . والدليل على ذلك انه قبل الحرب كان عشر سكان فرنسا وثمن سكان هولاندا واكثر من ربع سكان بلجيكا وثلث سكان النرويج وثلثا سكان الدنمرك ، كل هؤلاء يشترون حاجياتهم من مخازن جمعياتهم التعاونية التي هم اعضاء بها ، كما ان هناك آلافا غيرهم كانوا  يشترون حاجياتهم ايضا من مخازن تلك الجمعيات التعاونية دون ان يكونوا أعضاء فيها

وهذه المؤسسات التعاونية في البلاد المختلفة كانت متصلة بعضها بالبعض ، اتصالات تجارية وثيقة وكان يضمها كلها اتحاد دول تعاوني يربطها برباط وثيق . فكان هذا

الاتحاد قبل الحرب يضم لعضويته عشرين ألف جمعية منتشرة في اربعين مملكة ، ويبلغ عدد اعضائها جميعا مائة مليون عضو . فهذه المؤسسات التعاونية هي التي يقترح بعض كبار المفكرين ان تتخذها حكومات الامم المتحدة وكلاء لتوزيع الاطعمة والتموينات الزراعية بعد الحرب في دول اوروبا المحتلة ، فهي خير الهيئات التي يصح ان يعهد إليها بمثل ذلك العمل الدقيق المتشعب ، ولها في موظفيها الفنيين المتدربين خير ضمان للنجاح

ثم إن هذه الهيئات الدولية التي كانت قائمة قبل الحرب في وسعها أن تعيد الصلات في البلاد المحتلة التي قد يكون المحتلون قد عبثوا بنظمها التعاونية ؟ فالمرا كز الرئيسية والهيئات التعاونية الأخرى التي كانت متصلة بتلك البلاد تعرف الأشخاص الذين كانوا قائمين على إدارة تلك الجمعيات وتعرف عناوينهم فهي لذلك أقدر من غيرها على معاودة الاتصال بهم .

حجر القداحة

لا تحسبن الحجر الذي تستخدمه في قداحتك ( ولاعتك ) حجرا وإنما  هو سبيكة من فلزات نادرة كل منها في حالة                                                                                                                                                                                                                                                                                              .النقاء فلز باهظ الثمن . وإنما تسني استعمالها حجرا للقداحات تشتري في الأسواق بثمن بخس ، بضع مليمات لكل ، لأنها من البقايا الثانوية التي تتخلف عن إحدي الصناعات وهي صناعة أقنعة الوقاية من الغازات

فصناعة أقنعة الغازات تحتاج إلي عنصر وهو الثوريوم ، ومن خصائص أكسيده أن يبقى متماسكا إذا سخن . والثوريوم يستخلص من معدن " الموناسيت " وهو معدن يحتوي على كميات كبيرة من الفلز النادر " السريوم " وفي صناعة الأقنعة لا يقتضي الحال أكثر من واحد في المائة مما في المعدن من السريوم . أما الباقي المتخلف من عملية تكوين مركب الثوريوم فتؤخذ منها أحجار القداحات ، وهي تتكون بعد علاجها بالحرارة أو كيميائيا من خليط من الفلزات السريوم واللاثانوم واليتريوم ، وهي فلزات لم يسمع بها الكثير ولا يدور بخلد أحد أنه يحملها في جيبه . وفي حجر القداحة طائفة أخري من الفلزات النادرة منها آثار خفيفة من الراديوم ، ولو أن فلزا منها كان في حالة النقاء لكان ثمن الأوقية منه مئات الجنيهات ، وإنما رخص ثمن السبيكة مع غلاء المفردات التى تتألف منها لأنها نتاج ثانوي في إحدي الصناعات ، ولأن هذه الفلزات النادرة الداخلة فيها تأتي علي حالها الطبيعية ولا يحضر الحجر منها وهي في حالة النقاء .

اشترك في نشرتنا البريدية