الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 112الرجوع إلى "الرسالة"

القومية العربية

Share

كثيراً ما يسألني الذين لم يشهدوا الثورة المصرية  - لأنهم كانوا أطفالاً -   (هل كانت حقيقة رائعة؟) فأقول:   (لقد بلغت غاية الروعة - في حدودها. ولم يكن  في الوسع أن تكون فوق ما كانت؛ ولكنها فشلت - مع  الأسف - لأنا أحطنا قوميتنا بمثل سور الصين)

ذلك أني أؤمن بما أسميه   (القومية العربية)  وأعتقد أن من  خطل السياسة وضلال الرأي أن تنفرد كل واحدة من الأمم  العربية بسعيها غير عابئة بشقيقاتها، أو ناظرة إليها؛ ويحنقني  ويستفزني أن أرى أحداً ينظر إلى مصر كأنها من أوربا وليست  من الشرق. وعندي أن الجنسية الشرقية هي أساس حياتنا  وتاريخنا، وأن هذه النظرة تفسد مزايانا الشرقية - إذا لم  تفقدنا إياها - ولا تكسبنا مزية من مزايا الغرب؛ والعلم ينقل،  وقد نقل من الشرق إلى الغرب، ومن اليسير أن ينقل من  الغرب إلى الشرق من غير أن يحاول الشرق أن يغيّر جلده  أو يخسر خصائصه

وقد اعترض عليّ شاب - ذات مرة - ونحن في حديث  كهذا، فقال:   (وما الرأي في القومية؟ أليست حقيقة تاريخية  تفرّق بين هذه الشعوب والأمم التي تريد أن تجمعها وتربطها  برباط واحد؟)

فقلت له: (إن هذه القوميات العنيفة الضيقة الحدود،  حديثة من الوجهة التاريخية، وهي - بحدتها الحاضرة - بنت  العصر الحديث، أو إذا شئت، فقل إنها وليدة الحرب العظمى،  وإن كان صحيحاً أنها سبقت الحرب بنصف قرن تقريباً، بل إن  فكرة الإمبراطورية البريطانية نفسها ليست إلا بنت القرن  العشرين. ولعل أكبر مسئول عن بث هذه الفكرة هو الشاعر  كبلنج. ما علينا من هذا، ولنرجع إلى حديث الشرق: لقد  كانت هناك وحدة وثقافة إسلاميتان دان لهما الشرق،

أو ما يعنينا منه، وظلت هذه الوحدة قائمة على الرغم من انحطاط  الثقافة، ولم يمنعها أن تظل قائمة أنَّ ثورات شبت، وحروباً  استعرت، فإن هذه أشبه بالفتن الداخلية والحروب الأهلية؛  وقد كان العلماء والأدباء والفقهاء يرحلون من بلد إلى بلد،  ولا يحسون أنهم تركوا أوطانهم وتغرّبوا، ولا يشعرون أنهم  اجتازوا حدوداً، وتخطوا تخوماً، تفصل بين أقطار، وتعزل أمة  عن أمة. ولا يزال الحال كذلك؛ ولو جبتم هذا الشرق لما  شعرتم أنكم في غير مصر - إلا من حيث التقدم المادي -  وكانت اللغة العربية هي اللسان الذي لا يحتاجون إلى اتخاذ  غيره في حيثما يكونون من هذا الشرق العظيم الذي تقسمونه  اليوم أمماً وشعوباً وتقولون هذا مصري وذاك فلسطيني  أو شامي أو حجازي. وعلى أن القومية هي اللغة لا سواها.  ولتكن طبيعة البلاد ما يشاء الله أن تكون، ولتكن الأصول  البعيدة المتغلغلة في القدم ما شاءت، فما دام أن أقواماً لهم لغة  واحدة فهم شعب واحد. ذلك أن الإنسان لا يستطيع أن  يفكر - إلى الآن على الأقل - إلا بالألفاظ. هي وحدها أداة  التفكير، فلا سبيل إليه بدونها؛ ومن المستحيل - الآن -  أن نتمثل معنى مجرداً عن ألفاظ تعيّنه. ولكل لغة أساليبها  وطرائقها، فأساليب التفكير وطريقة التصوّر خاضعة للأساليب  التي يتألف على مقتضاها الكلام في اللغات المختلفة؛ ومن هنا  يتفق ويتشابه أبناء كل لغة، ويختلفون عن أبناء كل لغة أخرى؛  وهذا فرق ما بين الإنكليزي والفرنسي، وما بين الإنكليزي  والهندي؛ وهذه فيما أظن، حقيقة علمية، ومتى كان الأمر  كذلك فكيف نكون إلا عرباً كالعراقيين، والسوريين،  والفلسطينيين، والحجازيين، واليمانيين، مع اختلاف يسير  تحدثه طبائع هذه البلاد؟)

فعاد الشاب يسألني:   (وأصلنا المصري؟ وتاريخ الفراعنة  ومدنيتهم؟)

فقلت له:   (أكرم بهذا من أصل! وإنها لمدينة باهرة تلك  التي كانت للفراعنة؛ وإن العالم كله لمدين بأكثر مما يعرف لهذه  الحضارة القديمة، ولكنها بادت واندثرت، ولم يبق منها إلا  الأثر المدفون في التراب، والذي لا يمكن أن يؤثر في حياتنا

الحاضرة إلا من طريق واحد - هو إشعارنا العزة، وحثنا على  استحقاق هذا الميراث الجليل، كما يكون الأب كريماً فيخجل  الابن أن يكون كزاً لئيماً وأن يفعل ما ينافي كرم آبائه وطيب  أرومتهم؛ ولكن المدينة العربية - أو قل الإسلامية إذا شئت -  لم تفن، ولم تبد، ولم تندثر، ولم تفقد إلا القوة ومظاهر السلطان،  وهذه تكتسب وتستفاد؛ ولكنها فيما عدا ذلك، بقيت حية،  وأبقى ما بقي منها لغتها بكنوزها المختلفة، فهي - أي المدنية  العربية - عاملٌ مؤثرٌ بوجوده - لا بذكراه كالعامل الفرعوني.  ومن الممكن هدم هذه الحواجز المفتعلة التي يقيمها الغرب ويرفع  منها سدوداً بيننا وبين إخواننا)

وكثير ممن أحدثهم هذا الحديث يقتنعون، ولكنهم يرون  أنفسهم شباناً، ويستهولون أن يوكل إلى أسنانهم الغضة توثيق  ما أوهنه تفريط الشيوخ أو ضيق إدراكهم، ولكني أنا أؤمن  بقدرة الشباب على المعجزات، لأن خياله أنشط، وجرأته أعظم  وعزيمته جديدة لم تنل منها الخطوب والخيبات، وآماله فسيحة.  وإذا كان الشباب لا يقدم، فمن ذا عساه يفعل؟؟

ولو أن هذه القومية العربية لم تكن إلا وهماً لا سند له  من حقائق الحياة والتاريخ، لوجب أن نخلقها خلقاً، فما للأمم  الصغيرة أمل في حياة مأمونة، وما خير مليون من الناس مثلاً؟  ماذا يسعهم في دنيا تموج دولها بالخلق، وكيف يدخل في طوقهم  أن يحملوا حقيقتهم ويذودوا عن حوضهم؟ إن أية دولة تتاح  لها الفرصة تستطيع أن تثب عليهم وتأكلهم أكلاً بلحمهم  وعظمهم. ولكن مليون فلسطين إذا أضيف إليهم مليونا الشام  وملايين مصر والعراق مثلاً يصبحون شيئاً له بأس يتقى. وهذه  البلاد ما انفكت زراعية على الأكثر، وجل اعتمادها على حاصلات الأرض، والصناعة فيها ساذجة محدودة، وضيقة النطاق،  والزراعة لا تفني الأمم كما تفنيها الصناعة، والمال عصب الحياة  وسر القوة، وأخلق بهذه الأقطار العربية أن تظل صناعاتها ضئيلة  ما بقيت هي مقسمة موزعة، لأنه لا يوافق الدول الغربية التي لها  فيها سلطان أو نفوذ أن تدع صناعاتها تنشط وتنهض، ولا سبيل  إلى نشاطها إلا إذا فتحت أسواق مصر، لجاراتها الشرقية،  وأسواق الجارات لمصر، ومعقول أن تشتري منا دول أوربا

حاصلاتنا الزراعية أو ما يزيد على حاجتنا منها، ولكن صناعتنا  لا يعقل أن تجد لها أسواقاً في أوربا، فما بها حاجة إلى ما نصنع  بالغاً ما بلغ التجويد فيه، وإنما يتسع الميدان لصناعتنا إذا وجدت  سبيلها إلى الشرق، ومثل هذا يقال عن البلاد العربية الشرقية

قد يقال ولكن هذا ليس إلا حلماً، فنقول نعم إنه الآن  حلم، لا أكثر، ولعله لا يتراءى إلا لآحاد يعدون على الأصابع  في كل بلد، وعسى أن تكون العقبات المعترضة والصعاب القائمة  قد صرفت كثيرين عنه بعد أن دار زمناً في نفوسهم، ولكنه،  على كونه حلماً، ليس أعز ولا أبعد منالاً مما تحلم به أمم أخرى في  هذا العصر؛ وبالأمم حاجة إلى الأحلام، وإلى الإلحاح على نفسها  بها حتى تخلد إليها وتتعلق بها ولا تعود ترى للحياة قيمة أو معنى  إذا لم تسع لتحقيقها، وإلا فلأية غاية تسعى؟؟ ماذا تطلب من  الدنيا؟ وماذا عسى أن يكون مرامها في الحياة إذا لم تحلم بأمل؟

أيكون كل ما تبغي أن تأكل هنيئاً، وتشرب مريئاً، وتنام ملء جفونها؟؟ وهيهات أن يتيسر لها ذلك إذا هي أقصرت وكفت  عن الأحلام والتأميل وما يغريان به من السعي، وغيرنا يحلم بنا  إذا كنا نحن لا نحلم بشيء، وحقيق بنا إذا سلمنا إلى حين أن  نعود فريسة لأمة من الأمم الطامعة الحالمة

والأحلام ضرورة من ضروريات الحياة، للأفراد والجماعات  وبغيرها يمتنع السعي وتنقطع الحوافز، وتركد الدنيا ويأسن  العيش، ومن لا حلم له، لا أمل له، ولا مستقبل، فلما  يعيش إذن؟

اشترك في نشرتنا البريدية