الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 635 الرجوع إلى "الثقافة"

القيم الخالدة فى حضارة الإسلام

Share

٤ - في الحرب :

. . وإن نظم الحرب نفسها ، في تعاليم الإسلام ، لتخضع للقيم الإنسانية وتمثل العدل والشرف ، فالمروض أن الحرب " جهاد " مقدس في سبيل الدين الحق .

وبهذا التسامي عن الأغراض الدنيئة وضع الإسلام حداً للفوضى الحرب وآثامها ، وفتوحات العرب الأولى تمتاز بجو من الرحمة والإنصاف ، مختلف كل الاختلاف عن اجواء الحروب الأخرى في العصور القديمة والحديثة .

والنبي محمد ، في القرن السابع الميلادي ، كان يعلم القبائل العربية البدائية كيف تكون الحرب الصحيحة " فيلقي عليهم بنصائح لم نسمعها قط من قائد قبله . فهو يوصيهم بتجنب السرقة أو الغش . والمحافظة على حياة الأطفال

والنساء والشيوخ . وبالإنصاف حتى بين الأعداء . وبعدم تخريب البيوت أو نهب الحقول أو قطع النخيل ! . .

والخليفة الأول أبو بكر الصديق يأمر جنده بإحترام العهود وبالوفاء للمواثيق التي يعطونها للأعداء " ...

إن هذه التعاليم الرفيعة جديرة حقاً بالإعجاب . وخاصة إذا علمنا كيف كانت الحرب بين بلدان الغرب المسيحي في ذلك العصر : فنحن نرى ملكاً مثل داجوبير Dagobeir  ( الذي اشتهر بالطيبة والعدل ) يرتكب في حروبه أشنع

الجرائم ، ومن أمثلة قسوته الغريبة أنه عقب إحدى المعارك التى انتصر فيها ، غرس سبقه في الأرض ، وأمر بقتل جميع أفراد الدولة المنهزمة الذين يزيد طولهم عن طول هذا السيف المشئوم ! . .

والقرآن في تعاليمه لا يمنع المؤمنين من استخدام القوة إذا كان الغرض منها دفع ظلم أو إصلاح أمر معوج ، أو تمكين الناس من عبادة الله :

" إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لتقدير * الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وسلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز " .

( ٤٠،٢٢-٤٢ ) ودعوة الناس إلى الجهاد تكثر في القرآن . ولكنها محدودة بقواعد وقوانين صارمة واضحة : " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين " .

( ١٨٦٠٢ ) والعلم هو الحالة الطبيعية للإنسانية ، بل هو خير الحالات . أما الحرب فشر وبلاء : " الحرب غشوم " كما يقول المثل المعروف ، ومن آثار الحرب لغير سبب وجبه كان ظالماً ، والبادئ بالقتال أظلم .

وليست الحرب في الحقيقة إلا جهاداً بسيطاً ، إنها " الجهاد الأصغر " أما " الجهاد الاكبر " فهو " جهاد النفس " ذلك الجهاد المقدس العنيف الذي يقوم به الإنسان مستعيناً بسيف العزيمة لمقاومة أنانية النفس الأمارة بالسوء ، والسيطرة على الرغبات الدنيئة والسمو بالروح نحو أرفع مراتب الكمال .

فما أبعد الشوط الذي قطعه الإسلام للوصول بالإنسانية

إلى غاياتها الصحيحة ، وما أبعد الفرق بين تعاليمه الرحيمة المثالية وتعاليم موسي القاسية الدامية في العهد القديم . ( Deuter٠٠٠٠١٠،٢٠ )

٥- شيخ الجبل :

لن يجد الباحث من بين مفكري الإسلام من بنى مذهباً له في السياسة والحكم على دعامة غير العقل السليم والعدل . فالفارابي مثلا ، في كتابه " المدينة الفاضلة " .

بعرض صوراً ساخرة لمدينة " الجهل " التى تعتمد حكومتها على القوة والظلم ويستنكر نظمها الفاسدة .

ونظام الملك نفسه ، برغم أننا لا نستطيع إدخاله في زمرة أصحاب الضمائر الحساسة من الحكام ، يتحدث عن الحكومة الصالحة فيجعل من أركانها العدل وتجنب الإسراف .

وابن خلدون في الغرب وأبو الفضل في المشرق لا تختلف آراؤهما كثيراً عن رأى الفاراني في الحكومة الصالحة . .

ولم يشذ عن هذا الاتجاه العام للمسلمين سوى حسن الصباح ، شيخ الجبل الملحد الذي عاش بين مرتفعات علموت ، وقد لعب بعقله الطمع والغرور . .

فقد كان يعتقد أن " ليس في الوجود حقيقة ما ، وان كل عمل يستطيع أن يقوم به الإنسان فهو مباح له حلال " .

وأسس هذا الشيخ جماعة الحشاشين . وهي أول وآخر فرقة في الإسلام نادى أصحابها بأفكار تخرج عن مثل العدل والإخاء والرحمة . . كما أنها تشبه إلى حد بعيد تلك المدارس الحديثة التي نادى بها في الغرب بعض المفكرين من المصابين بنقص عقلي غريب . .

( للبحث بقية )

اشترك في نشرتنا البريدية