٦- في الزهد والفقر:
تتجه أمم العالم في عصرنا الحديث نحو التوسع في الميادين الصناعية . والتوسع في الصناعات أمر ضروري إذا أردنا أن نكفل عيش الملايين من بنى البشر ؛ لكن الحكومات والأفراد الدين يسيطرون على الإنتاج الصناعي لم يجعلوا هدفهم الأول سد حاجات الإنسان اللازمة . . بل عملوا جهدهم على خلق حاجات أخري كمالية له يربحون من ورائها المال الوفير ؛ وهم لا يعلمون ، أو لا يريدون أن يعلموا ، النتائج الهدامة لهذا الاتجاه الخاطىء
وإن حضارة تعتمد قبل كل شئ على القيم الروحية للإنسان لا يمكن أن يجرفها هذا التيار المادي البحت . . بل قد يكون إهمال جانب الإنتاج المادي هو عيبها العكسي .
ولقد وفق الإسلام بين الاتجاهين المتقابلين ، المادي والروحي .
لقد قال الرسول : "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا . واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا " .
وفي القرآن الكريم نجد هذه الآية :
" وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ، ولا تنس نصيبك من الدنيا ، وأحسن كما أحسن الله إليك ، ولا تبغ الفساد في الأرض ، إن الله لا يحب المفسدين " . (٢٨ ، ٧٧)
وكان محمد عليه السلام كثيرا ما يقول لأصحابه إنه يخشى عليهم الغنى والإسراف . ويقول الله تعالى في كتابه :
" كل نفس ذائفة الموت ، وإنما توفـون أجوركم يوم القيامة ؛ فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز . وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور " . ( سورة آل عمران ، آية ١٨٢ )
ويقول : " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون . . أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار ، وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون " . (١١ ، ١٨ - ١٩)
والقرآن يلوم الناس على حبهم للغني والجاه ويدعوهم إلى القناعة ، ويسخر من طمع أهل المدينة المنورة ، إذ يقول :
" . . تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ، والله عزيز حكيم " . (٨ ، ٦٨)
والأحاديث الكثيرة تكرر وتؤكد أن الغني لاخير فيه إلا إذا أريد به الجهاد في سبيل الله أو الإنفاق على المحتاجين ؟ وان المال لا يطهره شىء سوى الصدقة ، وأن الفقير حقه في الجنة مثل حق الغني أو يزيد ، وان عباد الدينار لابد هالكون .
والزكاة - وهي ركن من أركان الإسلام الخمسة - نظام طيب للتعاون ومساعدة بني الإنسان بعضهم لبعض . . فالإسلام يفرض للفقير حقا معلوما في مال الغني . .
والله واهب الارزاق لا يحب من الإنسان أن يجعل كل همه السعى المال . وإن هذا ليذكرنا بتعاليم القديس بولس الذي كان يعتبر البخل نوعا من الإشراك بالله (Ephes ٥.٥) .
ورغم ذلك لا نستطيع أن نقول إن المسلمين جميعا كانوا بمنأى عن الطمع أو حب المال . فمن بين المجاهدين في صدر الإسلام كثيرون ممن كان هدفهم الأول السعي وراء الغنيمة .
ولكن الرسول يعلن صراحة أن المجاهد الحق هو ذلك الذي يتجرد من جميع الأطماع والأغراض ، فلا يسعي
وراء مال أو امرأة أو غير هذا من أعراض الدنيا الزائلة .
وكان عليه السلام يقول : " اللهم أمتنى مسكينا وأحينى مسكينا واحشرني في زمرة المساكين " .
وقد نلاحظ بين طبقات الشعوب الإسلامية نزعة إلى الاعتقاد بأن الغني والجاه مظهر من مظاهر رضا الإله ونتيجة منطقية للاخلاص وللعمل الصالح ، بل برهان عليهما . . ولكن الآيات والأحاديث التي ذكرنا طرفا منها تنفي هذه الفكرة نفيا صريحا . .
وتدفقت خيرات آسيا وإفريقيا علي شبه جزيرة العرب نتيجة للفتوحات التي قام بها المسلمون . فتطورت معيشة الناس وغدوا في حالة من الترف تختلف كل الاختلاف عن حياتهم البسيطة الأولى : فما أعظم الفرق بين حياة الخلفاء والأمراء المنعمين وبين حياة رسول الله الذي لم يكن يشبع قط من خبز الشعير أو التمر واللبن . والذي كان يكنس داره بيده ويخيط ملابسه ويصلح نعله ، أو حياة رجل مثل على ابن أبي طالب الذي اضطر في اليوم المحدد لزواجه من بنت الرسول إلى أن يذهب إلى الجبل ليحتطب كي يستطيع أن يحصل على نفقات العرس ! . .
وفي عصر العباسيين ، وهو العصر الذي بلغ فيه الترف أقصاه عند العرب ، ترى الزهاد والمتصوفين يحاولون - بتقشفهم وتباعدهم عن الدنيا - أن يقاوموا ذلك التيار الجارف الذى دفع بالمسلمين إلي التنهم والخمول . .
ومنذ ذلك الحين أصبحت كلمة " فقير" تطلق على كل متصوف أو زاهد . وبتعبير أهم : على كل رجل يعمل لآخرته قبل أن يعمل لدنياه . . وهذا أمر له دلالته الواضحة . .
(للبحث بقية )
تلخيص

