١ - تمهيد :
لكل حضارة أو دولة في التاريخ ، بل لكل جنس أو مجتمع بشري ، "شخصية " متميزة بخواصها وصفاتها اللازمة . ومثل هذه " الشخصيات" ، تحمل إلينا قيما إنسانية جامعة ، ورسالات خالدة في مقدور البشر جميعا أن يتهلوا من معينها . .
وقيمة الأمة الإسلامية ليست فقط في أثرها التاريخي وهو تصفية تركة العالم القديم ، وقلب نظم الحكم على ضفاف البحر المتوسط ، ونقل الحضارة الإغريقية ، والنهوض بفلسفة العصر الوسيط ، والتأثير على العلوم والآداب الأوربية ....
فتلك الأمة ، في صميم تركيبها ، تشتمل على تعاليم ونظم ما زالت إلي يومنا هذا حية قوية . بل قد كتب لها الخلود .
وحضارة الإسلام لا تحتقر الأمور الدنيوية ، لكنها تعتمد أيضا علي الروحية وترمي إلي مثل أعلي رفيع . فهي تجمع بين الدين والدنيا . وهي لذلك بعيدة من النقمية ومن الرهبانية علي حد سواء ...
ورسالة الإسلام تطرق مسائل متنوعة خطيرة ؛ فهي قد جاءتنا بدروس فذة في ميدان الحرية الفردية وعلاقة الفرد بالمجتمع ونظام الطبقات ، وفي العدل والمساواة بين القوى والضعيف ، والتسامح حتى خلال شدائد الحروب ، وفي الزهد وسط مغريات الحضر ، والكرامة والإباه عند الفقر والعوز . . وهي فوق ذلك تعلم الفرد كيف يكون السمو والطهارة في العبادة ، وتبث في نفسه الإيمان بأن
لا قيمة لشىء إذا قيس بـ " المطلق " وان لا وجود لشئ إلا بمشاركته في هذا " المطلق " .....
٢ - في الحرية :
حينما يهتف المؤمن بقلبه ، وليس فقط بلسانه : " الله أكبر " فهو يهتف بالحرية الصحيحة الفعلية . وعبد الله ، أي عبد " المطلق " لا يمكن أن يكون عبدا لكائن آخر . وبمقدار تفانيه في عبادة الله تكون حريته بالنسبة للغير .
والملك الصالح ، عند المسلمين ، ظل الله على الأرض . فالطاعة له مفروضة ما دام صالحا يحكم بالعدل . ولكنه إذا خرج عن حدود الشريعة ، يصبح ظالما . والله " مالك الملك " لا يحب الظالمين . والشاعر الفارسي سعدي يعلن أن " صرخة المظلوم قادرة على زلزلة الأرض ، وان الأمير يتولي السلطة ليحمى شعبه لا ليفرض إرادته عليه ، وأن الراعي للرعية ، وليست الرعية للراعي " .
وهذا المبدأ الرفيع ليس فقط منيعا للحرية الحقة ، بل إن منه تتفرع مبادئ الإخاء والمساواة .
فالإسلام قد سوي بين بني الإنسان في إنسانيتهم . وأخي بين الرجال من كل الطبقات وحقق احترام الأفراد بعضهم لبعض مهما اختلفت أحوالهم وتباينت ألوان معيشتهم ،
ويفضل عبادة الناس للاله المطلق أصبحوا مجتمعا واحدا مترابطا ، لا أفرادا يتفرقون شيعا حسب الأهواء والعادات والنظم المختلفة .
ليس إذا لفرد أن يفرض رأيه على أفراد آخرين . وليس لأمة أن تسيطر على أمم غيرها . وليس لجنس أن يتحكم في غيره من الأجناس : الكل سواسية أمام الله الذي خلق الإنسان " على صورته " وجعل من البشر " أهله " .
فلا عجب أن يكتسب الإنسان من هذا التشابه ومن هذه القرابة الرفيعة قيمة سامية في شخصيته وكرامة ذاتية تحول بينه وبين الحضوع لكائن من كان . .
٣ - في العدل والرحمة :
إن القرآن أو الحديث يعلمان للمؤمن كيف يكون العدل ، وكيف تكون الرحمة ؛ فالله سبحانه يقول في كتابه المنزل :
" ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ، ادفع بالتي هي أحسن ، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم "
- ٤١، ٣٤ - وفي العصر الحديث جاء ألدوس هكسلي Aldous Huxley يقرر في كتابه "الغاية والوسيلة" ، أن : القوة لا تنتج رقيا حقيقيا لا إذا أتبعها الإنسان .... بالعدل ، وبالرحمة ، وبالنية الحسنة ....
والقرآن الكريم يزخر بالآيات التي تحث علي العدل والرحمة ففيه نجد هذه الآية الرائعة : " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا . اعدلوا هو أقرب للتقوي ، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون "
- ٥-١١- كما نجد هذه النصيحة الغالية : " يا أيها الذين امنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ، إن يكن غنيا أو فقيرا ذلك أولى بهما ، فلا تتبعوا الهوي أن تعدلوا ، وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا "
- ٤، ١٢٤ - ثم إن هذا الكتاب يعلم العبد التواضع وتجنب الغرور . انظر مثلا إلي قوله : " ولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا " - ٣٩،٢٧ -
" وبنو الإنسان كلهم أمة واحدة ، وهم في الأصل من طينة متشابهة . فما أحوالنا في عصرنا الحاضر ، الذي تتصارع فيه الأجناس ، إلي تذكر هذا المبدأ الرفيع المساواة
والإخاء في العدل والرحمة : " وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة ، فمستقر ومستودع . قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون " .
- ٦ ، ٩٨ - " هو الذي خلقكم من نفس واحدة ..."
- ٧ ، ١٨٩ - ونخلص من هذا إلى أن كثرة الشعوب في الإنسانية توجب الاتحاد لا التفرق ، وأن اختلاف أفراد البشرية يدعو إلي الائتلاف والانسجام لا إلى التنافر والتحزب :
" يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم " .
- ٤٩ ، ١٣ - وإذا كان الرب يلوم هؤلاء الذين " ... فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ". - ٣٠ ، ٣١ -
فهو أيضا يقوم الذين يفرقون بين الأجناس ، ويقرر أن الأبيض والأسود والعربي والعجمى سواء في إنسانيتهم :
" ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ، إن في ذلك لآيات للعالمين " .
- ٢١،٣٠ - وإن أروع نصح يمكن أن يسدي لإنسان فهو هذا الذي نجده في سورة النائبة :
" وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ، فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق . لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ، ولكن ليبلوكم فيما آتاكم ، فاستبقوا الخيرات إلي الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون" .
- ٥ ، ٥٣ - والأحاديث الكثيرة تفسر هذه الآيات وتوضحها للعباد ، فهي تؤكد أن خير عمل للإنسان بعد الإيمان بالله هو أن يرحم أخاء في الإنسانية ؛ وأن من أراد رحمة الله فليرحم غيره من الخلائق والرحمة الحقة هي التي تشمل الكائنات كلها بما فيها الدواب .
(البقية على الصفحة التالية )
فما أبعد هذه النصائح السامية من مبادئ نيتشه "Nietzsche" أو مكيافيل " Machiavel ". أو أنصار نظرية " إرادة القوة" ! ...
إن تعاليم الإسلام لا تمجد عمل من يسعي إلي السيطرة والنفوذ ، وتهزا من هؤلاء الذين يظلمون الخلق . فلا يرون أنهم بذلك إنما يظلمون أنفسهم ! ...
ومن الأحاديث المشهورة : " لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوي " . فالله قد أرسل " رحمته " إلى البشرية كلها ، والناس جميعا في هذه الرحمة سواسية " كأسنان المشط " .
" خلقت الجنة لمن أطاعني ولو كان عبدا حبشيا ، وخلقت النار لمن عصاني ولو كان شريفا قرشيا " .
ويروي أن رجلا قال يوما لبلال المؤذن : " يا ابن السوداء " فلامه الرسول قائلا : إن هذه لنزعة " جاهلية " .
ولقد قال محمد : " أنصر أخاك ظالما أو مظلوما " فقيل له : " يارسول الله ، هذا تنصره مظلوما ، فكيف تنصره ظالما ؟ " قال : " ترده عن الظلم " .
(يتبع)
