الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 411 الرجوع إلى "الثقافة"

الكاتب ه . ج . ولز

Share

قال ولز فى إحدي المناسبات : إن أسعد ما حدث لى فى حياتى هو ، أنى ولدت ، وهذه الكلمة هى مفتاح شخصيته.

وقد قالت إحدى ذكيات النساء : إن رجال الأدب صنفان : فمنهم شقى وسعيد . وولز هو واحد من أولئك السعداء،

ومن رجال الأدب من ينظرون إلي هذه الحياة الدنيا نظرتهم إلى رحلة من الآلم بعيدة الشقة  . ذلك لأن الأطراق القصوى لأصابهم هى شديدة التأثر بلمسات الحياة القاسية . وذلك لان نفوسهم تشقى بكل شئ يحدث . وقد يشقون وهم على بساط من الورد . ذلك لان بضع وردات قد نال منها التثنى والتفضن.

ولطالما أقضت مضاجع النابنين آلام الحياة . فقد امن سويفت ، اليوم الذى ولد فيه .

ولما أجبر " جونسون " على أن يعترف بأن المرء قد يسعد فى الساعة التى هو فيها قال : إن هذا لا يكون إلا إذا كان المرء سكران فاقد الوعى أو كان يغالط فى الحقائق نفسه.

وقال " جونه ، وهو ممن يحسبون فى عداد أصحاب العيش الرقيد : لم أسعد فى حياتى الطويلة بشهر من السعادة الحقة.

وقال واحد من أعلام الأدب : ما مر يوم في حياتى لم أتمن فيه الموت يوم ولادتى .

وقال الشاعر " سير وليم وطسون ، ما معناه : في هذه الدنيا التى تعلوها فيه تزينها النجوم والتى ترقنى أرضها بحار وبحيرات كأنها اللؤلؤ والمرجان لم أكن

يوما ما مستربحا قرير العين .

والواقع أن رجال الأفعال لا رجال التأملات هم الذين تقبض بالمرح حياتهم.

" فولز " و " برناردشو " و " شهسترتون " بمنون بالأدب اقل من عنايتهم بالحياة . وهم لا يتخذون الكلمات أدوات فن بل أدوات حرب . وهم لا يحبون الكلمات لما فيها من شذى العطر ، بل لما فيها من رائحة النقع المثار فوق رماحهم وسيوفهم .

ولكل منهم عدو . وأعداؤهم كلهم من طراز واحد ؛ فمستر شيسترتون بجمع الدنيا كلها في أحضانه ثم يحاول أن يعود بها إلى مكانها في القرون الوسطى . ومستر شو ومستر ولزى يتراشقان بالنكات المرحة ثم يهجمان على دنيانا المسكينة محاولين أن يدفعا بها إلى الدهور التى لم تولد بعد.

وهم كلهم يلهثون من التعب ، ولكنهم بهذا التعب جد سعداء . وقد يكون مستر شيسترتون أكثرهم عرقا ، ولكن الشئ الحقق أن ضحكاته تغطى ضحكات مزاحيه ، وبذلك تعلو موجاته الضاحكة فيطفو ويتوصون ، ولكن سرور مستر شيسترتون لا يكون إلا فى ظلال الراحة والسكون ، فإن له كرسيا مريحا وعدوا له قيمته وخطره . فإذا ألمته هذا الكرسى المريح وأمكنته من عدوه ظل يهز دعائم هذا الكرسى من الغسق إلى طلوع الفجر.

ولا كذلك " ولز " فإن سروره ليس في الراحة الجمانية ، ولكنه فى التنقل والحركة . ومثله كمثل رجل يجرى لكى يماشى أفكاره فى خطوها ويسايرها فى نقلتها .

وإن نشاط عقلة ايشاهد منعكسا في نشاط جسمه . وكأنه أوتى حياة لا تنقد قوتها ، وهو لذلك لا يعرف السبيل إلى الراحة .

وهذه الحركة القوية تخطر ببالنا حمى الحياة التى كانت

من خصائص ديكنز وقد كان يشابه ولز فى كثير من الشابه والملامح.

وإذا قضيت يوما مع ولز فكأنما قضيته فى سوق من أسواق القرى فى لإن الزواج حيث تتزاحم المناكب فى البيع والشراء.

وهو ينقلن من عمله وجسمه يفيض حرارة . والنصر ملء إهابه ثم يقضى نصف ساعة يداعب " الكمنجه " ويمارس ألعابا قال  إنه أعدها لأطفاله وهو ، إنما أعدها لنفسه يتسلى بها ويلهو.

وكان " ولز " يلبس لكل حالة لبوسها ، وكان فى هذا لا يجارى ولا يبادى ، وكان حديثه بفيض بأخيلة كأنها أخيلة الجن لا الإنس .

وإذا سمعته بتكلم خيل إليك أنك تسمع حقيق عقله وهو يمسك بالفكرة ويلعب بها كما يلعب واحد من " الحواة " بالأرانب وهو يخرجها من قيمته.

وفى ذلك العقل الخصب -عقل ولز- نبتت اللمحة الخاطفة ثم تنمو ثم تملأ الأرض نباتا.

فإذا مرت بخاطره لمحة عن الملاعق التى يأكل بها الصينيون . إذا لأوحت إليه تلك اللمحة بقصة من قصص المخاطرة فى أحد المطاعم الصينية فى الحى الذى يقطنه أولئك القوم فى لندن . وإذا لامتدت فروع تلك القصة أمام عينيك ، ولرأيت فيها الطرق التى تحت الأرض ولرأيت الدهاليز المظلمة ، ولرأيت أيضا المجتمعات السرية للقوم.

ومع كل هذا المحصول الوافر من الفكر والابتداع فإن ولز " لا ينسي أن يشون - فى طريقه - من هذا المحصول ما يشاء .

وقد لا يتعدى الأمر خدعة من خدع النظر أو نغمة واحدة من النغم ، ولكن تلك الذاكرة الممتدة الأفق لا تثبت أن نسجل تلك النظرة وأن تقيد تلك النغمة .

ذلك لأنه وقد ترك مسائل الاختراع - كما قال أحد أصحابه - فقد عاش على التصور الفوتوغرافى . وهو قادر على أن يقول لك - فى دقة بالغة - أين كان مكان ذلك الحديث .

ومنذ أن مات ديكنز لم يظهر كاتب غير " ولز " يجيد تصوير صور الأشخاص فى أمانة المصور البارع.

وإن الصور البديعة التى صورها لأشخاصه فى الفصول الأولى من قصة " نونوبنجاي " التى كتبها فى شبابه ، لتريك ان ولز الفتى هو ولز الكهل فى براعة التصوير ودقة الرسم ذلك لان " ولز " كان " طلعة يستطيع الأمور ويبحث عن حقائق الأشياء ، ولو سار الناس سيرته لبلغوا ما بلغه . ولكنهم لايبالون بشيء . وهم لذلك حظهم من البلاد غير قليل.

ومن أقوال إمرسون : " لو ان النجوم كانت تبدو لنا مرة واحدة فقط فى كل مائة عام ، إذا لانتظر الناس كلهم منظر النجوم بشوق ولهف بالغين ، وإذا لعرفنا خريطة السماء كما نعرف خريطة لندن .

أما والنجوم تبدو لنا كل ليلة فإننا نكتفي بالنظر إليها نظرة خاطفة من يوم مولدنا إلى يوم مماتنا.

وكان ولز إذا ظفر بحقيقة من الحقائق نسج حولها نسيجا من صنع عقله الذى لا يكمل ولا يمل . ولم يتركها نصبا من الأنصاب لا حس فيه ولا حياة.

وربما كان من الخير له أن حظه من التعليم الرسمى كان قليلا . ومن يدرى ! فلعله لو صب فى القوالب التعليمية المعهودة لما زاد حظه على ان يكون أستاذا مثقفا من اساتذة التعليم ، ولما أحس الناس به إلا قليلا ، ولما ذكروه إلا مرتين : المرة الأولى يوم كشف عن نظريته في حشائش البحر الحمراء ، باسم الجمعية البريطانية. والمرة الثانية يوم يموت.

ولكن ولز قد تعلم فى مدرسة الفقر . تلك المدرسة القاسية المانية . ثم تخرج فى دكان تاجر أصواق ، وقد هرب من هناك كما هرب ديكنز من معمل الأصباغ . ثم كسب ولز حريته بالدرجة العلمية - التى شقى وكد فى سبيل الحصول عليها - من جامعة لندن.

وكان ينظر إلى الأشياء نظرة جديدة فيها شوق الطفل وتلهقه ، وفيها عقل الرجل وفيها قلق السيدة العجوز التى تود ان ترى كل شئ وقد أجيد تنظيمه وأحسن ترتيبه ، ولكنها لا ترى شيئا إلا الاضطراب والتشويش وإلا اختلال النظام.

ولذلك فهو يمسك بمكنسته ليزبل نسيج العناكب . وليعمل على هندمة أمور الدنيا وترتيبها . وما كان ذلك لأنه كان محبا لبنى الإنسان ، أو لانه كان من أتباع ماركس ، أو كان أحد أعضاء الجمعية " النابية " فقد جرب كل المذاهب الاشتراكية ووجدها كلها مذاهب باطلة.

والإشتراكية - كما يراها ولز - ليست هى فى الأصل حربا ضد الفقر وما يستتيمه من وبلات . ذلك لأن الفقر ليس إلا آثرا من آثار شر أكثر تأصلا وأبعد فورا ، وهو مرض لا يزول من تلقاء نفسه.

والإشتراكية فى نظر " ولز " إنما هى حرب ضد الغباوة الإنسانية . وضد الفوضى وحب الذات . وهى حرب ميدانها النفس الإنسانية منذ عصور الأدغال والغابات . ومجمل القول عنده أن الخلاف الأساسى لا يقوم بين النظريات بل بين عواطف . فهو يقوم بين الكره - وهو المظهر العاطفى للعداوة ، وهو الظهر المعبر عن اعتزال فرد من الأفراد لسائر الأفراد الآخرين - وبين الحب وهو القوة المؤلفة فى المسائل الإنسانية ، وهو المعبر عن العناصر المؤتلفة والمنافع المشتركة.

وتاريخ الإنسانية هو تاريخ هذا النزاع . وهذا النزاع تتغير صفته دائما ويتسع أفقه ويمتد عداء فى كل حين.

والرجل المتوحش يحب واحدا أو اثنين ممن حوله. وهو يخاف ويكره سائر الناس.

أما حب الرجل المتحضر فيسع عائلته ثم يمتد فيسع مدينته ، ثم بلاده ، ثم الإنسانية جمعاء.

وهو كلما امتد أفق حبه تغيرت صفة هذا الحب ، واتسعت رفعته ، وأصبح اقل فردية ، مع اصبح يعبر عن وعى إجماعى يتصل بالإنسانية . وتنبعث منه وحدات أدق وألطف تدوم وتبقى إلى ماشاء الله ، ثم تستحيل تلك الوحدات إلي مجموعات دائمة نجاهد فى سبيل الإتيان بأعمال مجيدة لخير بنى جنسه.

وولز صريح إلى اقصى حدود الصراحة ، وهو يقول : إذا تنكب المرء سبيل الصراحة فى إبداء آرائه فهو يفعل ذلك إما عن جين أو عن كبرياء.

وكان إذا رأى كلمة " ممنوع الدخول " على باب من الأبواب اقتحم الباب وأشهد العالم أجمع على ما في داخل الباب من رجس ودنس.

وهو لا يسلم بصحة شئ من الأشياء تسليما مطلقا. وباب الاجتهاد عنده غير مغلق.

وكان هذا دأيه حتى في صدر شبابه . فقد أطال البحث وأدمن التفكير فيما بينه وبين نفسه فى مسألة الانتحار يوم كان فى الخامسة عشرة من عمره . وكان يسائل نفسه : هل من الواجب عليه أن يعيش ؟ وهل له من ميوله ما يجعله من أبناء السعادة أم من أبناء الشقاء ؟ ولو كان الحكم قد صدر منه ضد نفسه إذا لبقيت اشياء كثيرة فى حيز الخفاء . ولكنه حكم على نفسه بأن يعيش وأصبح بقض مضاجع الآراء ويقلقها فى زمن من ازمان الانتقال والقلق . وكان هو أكثر الناس تقلقلا وأمعنهم فى التنقل.

وكان ولز فى دفاعه عن آرائه مصارعا من كبار المصارعين . وكان يصطنع الأعداء فى سهولة ويسر. ( مترجمة )

اشترك في نشرتنا البريدية