في مقدمة " هكذا تكلم زرادشت " يقول نيتشة : إن زرادشت قد هجر بيته في سن الثلاثين ، وخرج إلى الجبال حيث استطاع أن يستطعم روحه وان ينعم بفكره الخاص بين مظاهر الصمت الرهب والعزلة الضاربة . ولكن قلبه تغير في النهاية ونهض يوما مع الفجر الوردي فواجه الشمس وخاطبها قائلا : أيها الكوكب العظيم . ماذا كانت تكون سعادتك إذا لم يكن لديك أولئك الذين تشرقين لهم ؟ ثم قال : إنه قد صعد هنالك في كهفه منذ عشر سنوات وأخذ يجمع في الحكمة حتى فاضت لديه كما لو كان نحلة قد اكثرت من الشهد ثم غدا الآن محتاجا إلى الأيدي التي تمتد لتقطف من أزاهير حكمته الغالية . فهو يشبه نفسه بالشمس التي ما كانت لتساوي شيئا بغير الناس الذين تشرق من أجلهم ؛ ويقول : إنه من الضروري أن يقلدها في نزولها إلى الغرب كما تسعد أولئك الذين يعيشون في النصف الآخر من الأرض فلا بد له من أن يهبط هو الآخر بحكمته حتى تلاقي من بين الناس من يزنها ويعطيها قدرها فتكون ذات قمة
وفي هذه الإشارة من جانب نيتشة دلالة بالغة على حياة الأديب أو المفكر عموما بالنسبة إلى هؤلاء الذين يكتب لهم ويوجه كلامه إليهم فهناك نوع من الإحالة المتبادلة دائما فيما بين الكاتب والجمهور ، أو تستطيع أن نقول إن ثمة صلة قوية جدا فيما بين كل من الأديب وقرائه . وهي صلة لا تقل في خطورتها وأهميتها عن الصلة القائمة بين البائع والمستهلك في الأسواق التجارية . ولكنها مع الأسف الشديد كانت موضع احتقار الناس تبعا لما يعتقدونه في الأديب من الارتفاع عن مناقشة أمثال هذه المسائل المادية وبذلك بقيت حتى الآن من غير أن تكون ثابتة الأصول قوية الدعائم فكل شئ في الدنيا قد تحددت تسعيرته ودرست مقوماته وعرفت مكاسبه وخسائره إلا الكتابة وأبعد خطرة
عن ذهن شعبنا هذا بالذات هي أن يدرك قيمة معنوية فالناس يفهمون جيدا ثمن شئ يبتلعونه في بطونهم ويعرفون العقار الذي يملكونه ويدر عليهم المال الوفير . . أما المعنى الذي يتلقونه من حكيم ، وأما الأدب الذي يصدر من قلم
كاتب من الكتاب . وأما الأشياء التي تدخل إلي دمائهم عن طريق العقل فلا يستطيعون بحال أن يقوموها تقويما عادلا ولا يتخيلون أن لها ثمنا ماديا كالسلع المشتراة .
ولو علم القراء أن كتابهم الأفاضل لا يستطيعون أن يحبوا ولا أن يمضوا في الكتابة بغير هذه الدراهم المعدودة التى يلقونها في أيديهم عند نهاية الكلام ، وأدركوا حقيقة الصلة التى تربط الكتاب بهم وتشد الأقلام إليهم لغيروا من أساليبهم في احتقار الكاتب الذي يطالب بأجره غير هياب ولا وجل بل حينئذ فقط يسمحون لنا بالإقبال علي دارسة العلاقة القائمة بين الكتاب والقراء دراسة اقتصادية بحتة بعيدة عن التأثيرات الروحية المزعومة في هذا الباب . لأننا لو خلينا جانبا متعة القارئ بما يقرأ واستفادة الجمهور من المواد التي يطالعها . ومحينا أثر الكاتب في الأفراد والجماعات ، لما استطعنا بحال أن نتجاهل المجهود النفسي الذي يلازم مجهود الفكر ، وخسارة الحسم التي تصادف دماغا عبقريا .
فحياة الأديب المفكر سلسلة من المنازعات النفسية والقلاقل الوجدانية التي تسبب له الآلم والتعب . وتأمل حياة واحد من المفكرين والكتاب الجادين لتلمس بوضوح آلام القلب ومعاناة الخاطر وحسرة الضمير . فهي من هذا الجانب عذاب في عذاب ، لا يخلص من هم إلا ليركبه هم ، ولا يزيح عن باله فكرة سخيفة إلا ليحل محلها ما هو أسخف وأدعي للتألم والقلق . ولا بد من أن نتنبه الآن إلى هذه البطالة النفسية أو الحالة الباطنة التي توازي عمل الاديب المفكر ، فكأنما هناك نوع من اللازمة الصناعية بين أعمال العقل وإفرازات النفس ، وكل ما نشاهده في تراجم الأدباء من معاني الثورة والاضطراب والشذوذ لا يمكن أن نفهم إلا من هذا الباب الذي نلفت النظر إليه ها هنا .
وليست طاقة النفس عند الأديب هي موضع الاستهلاك وحدها ، وإنما يلاحظ إلى جانب هذا - أن الكاتب يبذل من عصارة جسمه في ساعة قدر ما يستهلك التاجر أو الصانع أو المزارع في ساعات . ولهذا السبب وحده كانت هناك - وثيقة جدا بين الأعمال الفنية أو الفكرية وأمراض الصدر
فما تكاد تقرأ عن واحد من المفكرين أنه مات بسبب شئ أصابه غير ذات الرئة . ولو عددت لك أسماء هؤلاء الذين أصابهم السل من الكتاب وأودى بحياتهم داء الصدر لها لك الأمر ، وامتلأت بالذعر من خطورة هذا التعداد ، وتبينت لك حقيقة العمل الأدبى ومهمة صاحب القلم .
فساعات الانبساط التي تقضها أنت مع كتاب ما ، قد دفع ثمنها كاتبه من دمه وحياته . مثلك في هذا كمثل الإنسان المستفيد بشهد النحل . وقد أجريت على نفسي تجربة من هذه الناحية كما أقف على حقيقة العمل الذي يناط بالكاتب ، فوجدت أنني كنت أخسر في الليلة الواحدة التي امضيها في الكتابة وحدها أكثر من كيلو ونصف كيلو من وزن جسمى ، ثم استعيد بعض هذا الوزن في الصباح إذا كان الإفطار ذا قيمة غذائية
فهذه الكلمات التي تطالعك على صفحات الثقافة وغيرها من المجلات والكتب الأدبية ليست خطا أسود متصلا أو مجموعة من الحروف المرصوصة ؛ إنها في الحقيقة دماء ممزوجة بالجهود والأذواق الفنية . . إنها شئ بكي من أجله البعض ، وضحك من أجله البعض ، ومات من أجله البعض ؛ ! فحينما يطالب الكاتب بثمن المقال الذي يؤلفه . والقصة التي يبدعها . والبحث الذي يقوم بدراسته وعرضه ، لا يفعل شيئا غير التأليف والإبداع والدراسة . وقد يكون ما يطلبه ثمنا لدواء بقى به الجسم من التداعي والبال من المرض والصدر من الهلاك .
وقد كان من طبيعة الكاتب أو الشاعر أو الفنان في العصور الماضية أن يجد حماية لدى امير من الأمراء أو واحد من الأغنياء . ولم يكن عليه في مقابل ذلك إلا أن يحمل هموم هذا الأمير الغني وان يشاركه متاعبه وان يعبر بآدابه وفنونه عن المحن الخاصة والمشاعر الموقوفة عليه . فالأديب في العصور الماضية ( الوسطى خصوصا ) كان مكلفا بالانفعال من أجل شخص واحد بالذات : يغني لأفراحه ويرثي لأحزانه ويزهو بمجده . وكان يثاب في مقابل ذلك بالمال الوفير . أعني أنه على الرغم من انقفال الدائرة التي يحمل فيها وانحصار المجال الذي يختص به . لم يشعر بالفقر ولم يحس بوطأة العيش ولم يشارك الصعاليك حياتهم . وكثير من الأدباء كانوا حكاما أو وصلوا بمقدرتهم وفنهم وبراعتهم إلى مقامات الحكم . . فساووا الأمراء والكبراء وعاشوا مع خاصة البلاط .
أما الآن فلم يعد يجد الأديب حماية من الأغنياء والأعيان كما كان الأمر في العصور السالفة ، وصار مصدر الرزق بالنسبة إليه شيئا آخر سوى العمل في صفوف الأغنياء والأعيان . ولا تتمثل ديمقراطية الأدب إلا في هذا المظهر الجديد ، ولا تتحلى حرية الأديب إلا في هذا الميدان حيث تضيع غلبة الفرد وسيطرته وتختفي معالم الانفعال الفردي من أقلام الكتاب . ومعنى ديمقراطية الأدب ها هنا انه يعبر عن هموم الجماعات باسرها ويعلن عن مصالحهم بجملتها
فليس ثمة أدب موقوف لمصلحة أفراد ولا ادب خاص بالأهواء الشخصية ؛ وإنما هاك أدب أمة لها أهواؤها وشهواتها ومطالبها ، وجيل له نزعانه ورغباته وأفكاره . وبذلك كبرت اللهمة المناطة بالأديب وصار مضطرا إلى الكتابة للدلالة على كل الانفعالات التى تطرأ على نفسية الجماعة التي يعيش فيها وكل الخواطر التي تساور عقول أبنائها . . فهو شاعرها الذي يحبذ أعمالها ويمتدح خصالها ويرفع من قدرها . . وهو كأنها الذي يسجل خطوات نصرها ويعبر عن مكنون ضميرها ويهتز لكل ما يصبها من الأحداث وينزل بساحتها من الصائب . ومن ذلك نحس أنه قد اتسع نطاق تعبيره ولم يعد مختصا بأفراد وآحاد ، بل أصبح مدينا في أدبه للوحي الذي يتلقاه من عواطف الجموع وإحساسات الجماهير . فلذا نراه موزعا بين أهواء شتى وأغراض كثيرة . ممزقا من شدة الاختلاف والتنوع في الأهداف والأراء بين أبناء
وطنه . فهو يحمل في صدره آمال امة ويخزن في مشاعر دولة ، ومحتفظ في باطنه بالتوتر الذي يقتسمه عشرون مليونا فيما بينهم والفرق واضح طبعا بين انفعالات الفرد الواحد التي كان الأديب في العصور الفائتة يقف نفسه عليها وبين انفعالات الجماعة الكثيرة التي صار عبدا لها في العصر الحديث . فقد تعددت مناحي الاختصاص في عمله كما هو ظاهر الآن ، وكان منتظرا أو متوقعا بالتالي أن يزيد خطره وان يعظم رزقه ويكثر كسبه . ولكن ها نحن أولاء نشهد على عصرنا هذا بانه عصر الفوض والنصب من جانب المنتج والناشر وصاحب الجريدة أو المجلة ، ونسجل بأنفسنا محنة الكتابة وهي تحتضر علي أيدي مرتزقة الرأي السائر . ونري زملاءنا وهم يسقطون صرعي في الطريق المفقر وهم بسبيل الارتقاء لغاية مجهولة
فالكتابة هي الفن الذي يجعل صاحبه غضبان دائما مهتاجا دائما منفعلا دائما بغير أجر معلوم . وليته يغضب ويثور ويكره من أجل نفسه وفي سبيل مصلحته الشخصية ، فذلك شئ لا يؤذيه ولا يضره . ولكن الحاصل انه يفعل ذلك كله من أجل آخرين ألقوا إليه حواطفهم الجامحة ثم تركوه يحمل عبء الشعور وثورة الإحساس بمفرده ولذلك تدهشك دائما هذه الظاهرة عندما تجالس أديبا من الادباء ؟ فهو لا يخلو من طيش ونزق ولا يغار على شيء قدر ما يغار على مصالح الآخرين . ويبدو لك من كثرة ما يذكر أمور العامة ومشاكل الناس أنه لا يحيا من أجل نفسه وثمن هذا كله لابد أن يدفع . فمن الضروري أن توفي للأديب بحقه في العيش الكريم حتى لا يحظئ في التحقيق ولا يذل عند الطلب ولا ينكسر وهو في أوج الاشتغال بالمسائل العامة
وجماعة الكتاب والأدباء هم عنوان هذه الأمة وغيرها من الأمم . فهم الدليل الملموس على أننا قد غدونا مدركين لحقيقة المسئولية الفكرية . وكل تقدير أو عناية تصدر من جانبنا بالنسبة إليهم فهي نوع من الإحساس الفطري بأهميتهم وقت الأزمات . وإذا جاءت المناسبة التي تقتضي ظهور الأدباء والخطباء والشعراء والكتاب في مصر وأخذنا نبحث هنا وهناك عن مقطوعة واحدة سليمة تعبر عن رغباتنا فلم نعثر لها على أثر ، لا ينبغي أن نأسف ونغضب ما دمنا نحن أنفسنا السبب المباشر في إحداث هذه الظاهرة
والغربيون قد تقدموا عنا كثيرا في معرفة المهمة المنوطة بالكاتب ومقدار المتاعب التي تجرها عليه . ولذلك استطاعت الدول الأوربية أن تنتج قوما لا عمل لهم إلا الكتابة ، وصار صاحب القلم صاحب حرفة محترمة في المجتمع الذي يعيش فيه . ونحن في مصر - إذا استثنينا عباس العقاد فلن نجد كاتبا واحدا بعد ذلك بعيش من قلمه ويقتات من الصفحات التى يدمجها يوما بعد يوم . ومعني ذلك أن وظيفة الكاتب بالمعنى المفهوم من هذه الكلمة لم توجد بعد في مصر ولم تأخذ محلا ظاهرا في حياتنا الاجتماعية . فلا حاجة بنا إلي من يثور من أجلنا ونحن لا تعرف الثورة ، ولا حاجة بنا إلى من يغضب لنا ونحن لا نعرف الغضب ، ولا معنى لأن نقف إنسانا للانفعال بدلا منا ونحن من البرود والذل
والخنوع في أسفل قرار . فنحن لا نوجد الكاتب ثم نميته بعدم العناية وقلة الاكتراث . وإنما لا نحتاح إليه مقدما فنهلكه وهو في الأحشاء جنين.
والباحث الذي يريد أن يقف على الأسباب وأن يعثر على الدواعي المؤجلة لوظيفة الكاتب في مصر حاليا لن يبلغ به التعب مبلغا يذكر .فجزئية التعليم عندنا لا تجعل الإنسان يطمع في تكوين فئة مثقفة نشيطة ، والذوق لم يرتق عندنا لدرجة الاقبال علي الفنون والسعي إليها ، والمقدرة الاقتصادية عند أبناء الطبقة المتوسطة التي يظهر من بينها عادة هواة القراءة والأطلاع لم تزل أضعف من أن تقيم أود كاتب . فهذه أسباب مباشرة تحول دون ظهور الجمهور الفاريء المصري ولا تسمح بناء على ذلك بظهور الكاتب ؛ فطالما لا يوجد جمهور قاريء عادل لن يوجد الكاتب الحر المتخصص
وهكذا تنكشف لنا روابط الأديب بالمجتمع . فهو يتغذي من لبانه ويعيش على أفكاره ، ولا يستطيع أن يكتب حرفا بغير أن يستوحى القوم الذين يخصهم بكلامه . وكان من الضروري أن تستقر هذه الحقيقة في أذهان الناس حتى يقدروا ما للكاتب عليهم من حقوق أو حتى يقدروا ما للكاتب في أموالهم من نصيب . ولكنهم أبعدوها عن خيالهم بعدا دفع بالكاتب إلي الحضيض واضطره إلى السقوط . وشغله عن أدبه وقته بما يجده في الحياة من شواغل . ولو أنهم عرفوا ان صلة الكاتب بهم صلة حيوية ، وأنه لا يملك الاستقلال والاستغناء عنهم في فترة من فترات حياته . وأنه مسوق إليهم بحكم الصناعة والمعيشة ، لرقت له قلوبهم الآن فبادروا بتشجيعة على نحو طبيعي ظاهر .
هل عرفت مقدار ما تعانيه زهرة قد اكتملت بغير أن تعثر على اليد التي تقطفها . وهل عرفت شقاء الفتاة الجميلة البالغة عندما لا تلق الشباب الذي يتهافت عليها . وهل أحسست يوما بتعاسة الشمس التي لا تصادف إنسانا تنير له. إن هؤلاء جميعا لا يشعرون بجزء مما يشعر به الكاتب الذي يلمس في نفسه القدرة علي العمل ، ويانس في نفسه الكفائة لحمل القلم ، من غير أن يجد الجو الملائم لكتابة سطر واحد ، أو من غير أن يجاوبه الجمهور في خاطر من خواطره على الأقل . فذلك يعني بالنسبة إليه موتا نقيا بريئا خالصا !
