الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 243الرجوع إلى "الثقافة"

الكتب الجديدة :، دراسات عن مقدمة ابن خلدون ( ١ )

Share

ابن خلدون شخصية فذة في تاريخ المسلمين ، بل في تاريخ العالم ، سبق المفكرين جميعا في خلق " علم الاجتماع " و" فلسفة التاريخ " ذو عقل مبتكر سما عن التقليد ، وطمح إلي الابتداع فوق فيه كل التوفيق ! قرأ كتب التاريخ ، وشاهد أحداث زمانه ، وسلط عليها عقله يعملها ويربط بين المتشابهات ، ويستخرج منها قواعد كلية يرى أنها قوانين اجتماعية طبيعية لا تتخلف كقوانين الجذب والضوء والحرارة ، من عرفها وسار وفقها وفق ، ومن حازمها خذل ودمر ، وكان ذلك حتما مقضيا

ولكنه - مع الأسف - جاء والزمان - عن الأمم الإسلامية - مدبر ، والعقول منحدرة ، والتقليد مستحكم ، فلم تنل مقدمته ما كانت تستحق من بحث ودرس وتمحيص وإكمال ؛ كما جاء والأمم الأوربية في بدء نهضتها ، فاتجه علماؤها اتجاه ابن خلدون في بحثه ، وأخذوا ماديتهم من الغرب ، كما أخذ ابن خلدون مادته من الشرق ، ثم توسعوا في بحثهم ، وترجموا المقدمة إلي لغتهم وعكفو عليها يستفيدون منها ، ويبينون خطأ بعض ما جاء فيها ، ويلفتون النظر إلي محاسنها ، ويكملون بنيان علم الاجتماع بما استكشف من قوانين ، حتى وصل هذا العلم إلي درجة من النضوج نحن فيها تلاميذه ، وقد كان فيها أستاذنا ابن خلدون أستاذه ومبتكره . ولم نوفه حقه من الدرس والإشادة ، كما وفاه حقه أساتذة الغرب ، فنشروا مقدمته

خيرا مما نشرنا ، وترجمموها إلي لغتهم ، وعلقوا عليها التعليقات البديعة العميقة ؛ ونحن لما يعن بإبرازها في شكل صحيح : فطبعاتنا مملوءة بالأغلاط ، ومملوءة بكثير من مواضع النقص . ولا ندري متى يأبى الزمان الذي نلتفت فيه إلي " المقدمة " فننشرها نشرا علميا صحيحا ، ونستفيد مما وصل إليه علم الاجتماع الحديث ، فنبني بناء نطبقه على تاريخ الشرق وأحداثه ، وترسم الخطط المستقبلة ، فتحي ابن خلدون في بيئته كما حي خارج بيئته

ومن التباشير الطبيبة أن تري الأستاذ " ساطع الحصري " بوجه عنايته إلي ابن خلدون وآثاره ، ويعكف على دراسته في صبر وأناة وعمق . وقد بلغ من إعجابه وحبه له أن سمي ابنه " خلدون" وتكني هو ( بأبي خلدون) : واطلع علي ما كتب عن ابن خلدون في اللغات المختلفة وترجمة المقدمة والتعليقات عليها ، وقارن بين الباحثين الأولين في على الاجتماع وابن خلدون ، ثم طلع علينا بهذا السفر الأول .

وهو فيه - يبحث في موقف ابن خلدون من المؤرخين ، وحياة المؤلف ، ومنزلة المقدمة ولغتها ، ومكانة المقدمة في فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع ؛ ويقارن بين ابن خلدون وفيكو ، ذلك الكاتب الإيطالي الذي نسب إليه خلق علم الاجتماع ، ويلخص وجهة نظره ، ويوازن بينها وبين أبحاث ابن خلدون ؛ وكذلك يفعل بين ابن خلدون ومونتسكيو ذلك الكاتب الفرنسي الشهير ؛ ويخرج من ذلك كله إلي رفعة مقام ابن خلدون عن مقامهما ، واسبقيته في تأسيس علم الاجتماع منهما ويعرض في القسم الثالث لآراء ابن خلدون ونظرياته في موضوع التاريخ ومهمة المؤرخ ، وفي طبيعة الاجتماع والقسر الاجتماعي ، والتقليد وطبائع الأمم ، ونظرية العصبية ، والخط والكتابة ؛ وفي كل ذلك يقارن بين ما عرضه ابن خلدون وما عرضه غيره من علماء الاجتماع المحدثين - وبذلك ينتهي بهذا الجزء في ٣٢٢ صفحة . وبعد - ونرجو أن ينجز وعده - أن سينشر بحوثه عن الدولة في نظر

ابن خلدون ، وآرائه في علم النفس والتربية ، ونظرية التطور ، وآرائه في الحروب ، ونظرياته في المذاهب الاجتماعية وفي الدين واللغة والأدب وفي الكتب العربية .

والأستاذ ساطع الحصري في هذا الجزء الذي قرأناه متأثر كل التأثر بابن خلدون وسلامة منطقه وعمق تفكيره واستقصاء بحثه ، وبعلماء الغرب في جودة العرض وجمع الشواهد وتحليل النصوص ، والصبر على جمع الوثائق والمستندات

وقد انفرد الأستاذ باستعمال مصطلحات جديدة لبعض الألفاظ الأفرنجية قد ترى أنه ينقصها الصقل ، كترجمته  Rationlism بالتفكير العقلاني ،و ٍScholasique  بالتفكير الدرساتي ، و positivism بالفلسفة الإتبانية - ومثل التفكير الكلماتي و Raee بالعروق البشرية ، و Organise  بالسلطة المتعضية الخ . وقد وقفت طويلا في كلامه علي لغة المقدمة عند رأيه في معني ( العرب ) فالأستاذ يرى أن مدلول كلمة " العرب " في الفصول التي هاجمهم فيها ابن خلدون من أنهم لا يتغلبون إلا علي الباسائط ، وأنهم لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية الخ ، إنما يريد بهم البدو والأعراب ، ولا يريد من تحضر من العرب ، واستشهد على ذلك بجملة استشهادات قوية . وقد رجعت إلى هذه الفصول في المقدمة فقرأتها بإمعان ، فرأيت أن الأستاذ محق في هذا التفسير في بعض المواضع دون بعض ؛ فابن خلدون يستشهد مثلا في هذه الفصول بملوك اليمن وليس هؤلاء بدوا ، ومثل ذلك كثير . فالذي أرى أن معني العرب في ذهن ابن خلدون لم يكن محدودا ، فأحيانا يستعمله في معنى البدو والأعراب كما يفسره الأستاذ ، وأحيانا يستعمله في المتحضرين كما في هذا الموضع الذي أشرنا إليه ، وكما في فصل أن العرب أبعد الناس عن الصنائع ، وفي فصل أن حملة العلم في الإسلام أكثرهم العجم .

لسنا نريد أن نقر ابن خلدون على رأيه ، فقد عرضنا في

فجر الإسلام وضحاه لبعض خطئه في هذا الباب . ولكن الموضوع الآن ما الذي يريده ابن خلدون بكلمة العرب في هذه الأبواب ؟ يرى الأستاذ أنه يريد البدو والأعراب ؛ ونرى أنه لم يستعمل كلمة العرب استعمالا محدد المعنى ، فهو تارة يستعملها في البدو ، وتارة يستعملها فيما يشمل البدو والحضر ، وتارة يستعملها في الجنس متطورا من بداوته إلى حضارته

وعلي كل فالكتاب يستحق الإعجاب وحسن التقدير ، ويشجعنا على أن نأمل منه المزيد في إتمام أبحاثه . ونرجو أن تنقشع هذه الحرب التي غزت العلم أيضا فيما غزت ، فكان أثرها واضحا في ورق هذا الكتاب وطبعه .

وفي اعتقاد أن الكتاب سيفتح فتحا جديدا في توجيه النظر إلي العناية بابن خلدون ، وخاصة مقدمته ، فتوالى بين قراء العربية وأدبائها وكتابها الكتب النافعة في هذا الباب بفضل هذا الكتاب ؛ والله الموفق

اشترك في نشرتنا البريدية