(1) مطالعات علمية الدكتور على مصطفي مشرفة بك
مجموعة من المقالات والمحاضرات التي ألقاها الدكتور أو كتبها ، وقد قال في مقدمته: " إنه شجعه علي جمعها ما رآه من قلة الكتب العربية في الموضوعات العلمية مع شدة الحاجة إليها ؛ فالثقافة الأدبية - مع ما لها من قيمة - لم تعد وحدها كافية ، بل إن الثقافة العلمية لا تقل اليوم عنها شأنا في تكوين العقلية الحديثة ،
وهذا حق ، فإن الثقافة الأدبية وحدها لم تعد تكفى , بل لا تكفى للأديب نفسه ، فقد أصبح من مكونات الأديب الضرورية معرفة كافية في القضايا العلمية الهامة؛ وتجلت هذه الضرورة منذ أدركنا أن الأدب ليس جملا رنانة جوفاء ، واستعارات ومجازات بلهاء بل لابد أن يكون للأدب موضوع ، وكل ما في العالم صالح لأن يكون ذلك الموضوع . ولا يفهم العالم إلا بقسط وافر من العلم ، ومن أجل هذا امتزج العلم بالأدب . فالأديب يتعرض المسائل العلمية يستغلها فيما يكتب من غير أن يدخل في تفاصيلها التى تخل بأدبه ؛ والعالم أصبح يعرض علمه في شكل أدبي أو قصصي لذيذ، واشتركا معاً في خدمة الإنسانية بالبحث والعرض .
وكذلك فعل الدكتور مشرفة بك في هذا الكتاب ؛ فقد بسط ما عرضه حتي استطاع أن يفهمه غير العالم ، ويشترك في فهمه والاستمتاع به العالم والأديب والمثقف ثقافة عامة , بما له من أسلوب جذاب ، وروح معلم يضع الأساس ثم يشيد البناء .
فحبذا لو كثرت أمثال هذه الكتب ، فهي مادة من أراد العلم ومن أراد الأدب ، وفوق ذلك هي ثقافة الإنسان لأنه إنسان !!
( ب ) أنات حائرة للأستاذ عزيز أباظه بك
مما خجلت له أني لم أعرف أباظة بك أديباً شاعراً قبل اليوم ، وكل ما عرفته أنه مدير ممتاز لمديرية البحيرة .
حتى قرأت ديوانه " أنات حائرة " فتكشف لي عن شاعر ممتاز ، في موضوعه ، وأسلوبه ؛ فموضوعه يمتاز بالصدق . أصيب بكارثة عظمي هي وفاة زوجته التي كانت سعادة نفسه ، وسعادة بيته ، وسعادة أسرته ، فخطفتها المنية أسعد ما يكونون ، فخصص لها فنه . ومحال أن يكون هذا الفن نبع فجأة ، فلا بد أن يكون صاحبه تمرس بالأدب والفن طويلا ، ثم روحت هذه الفجيعة علي نار الفن فأشعلتها . لقد أذكرني ما قرأت في هذا الديوان بالخنساء وبكائها أخويـها ! ومنعم بن نويرة وبكائه أخاه مالكا ؛ واتجاه شعرهما كله إلي هذه الناحية يعبران عنها أصدق تعبير ، ويصفان شعورهما أرق وصف ، ويحللان حالاتهما النفسية أجمل تحليل . فطلع علينا عزيز بك بهذا الديوان يصف ويحلل ويبكي زوجه ، في نمط جديد لم تألفه العربية فيما أعلم . فلست أعرف شاعراً قبل الآن وقف ديواه أو أكثره على رثاء زوجه ، لأن المدنية العربية كانت تأبي هذا وتخجل منه ، فلما رفعت المدنية الحديثة شأن المرأة الحديثة وساوتها بالرجل ، كان من نتاج ذلك هذا الديوان الذي يخلص للزوجة ، وبتغني بمحامدها في صدق وإخلاص وصراحة . رأينا - قبل الآن - الشاعر العربي يرثي زوجته بقصيدة أو قصيدتين وكفي ، ولكن ما رأينا من يخصص شعره أو كله في رثاء زوجته ، وما كانت تغمر به نفسه وبيته سعادة ويذكره بها كل شئ ، ويحج ليسلو فيزيده الحج حنيناً !
وأما أسلوبه فأسلوب أديب قرأ كثيراً لفحول الشعراء في العصر العباسي ، فتأثر بجزالة شعرهم ، وحسن صياغتهم لهذا كله كان هذا الديوان مفاجأة أدبية طريفة .

