ذلك اسم الكتاب الخالد الذى أخرجه لرجال القانون حديثا الدكتور على أحمد راشد أستاذ القانون الجنائى بكلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول ، وهو من تأليف العالم الجنائى العظيم المرحوم أحمد أمين بك عميد كلية الحقوق والمستشار بمحكمة النقض سابقا ، وقد نشر هذا الكتاب لأول مرة فى ٢٩ نوفمبر سنة ١٩٢٣ على صورة محاضرات كان قد ألقاها على طلاب كلية الحقوق ، وقد نفدت الطبعة الأولى ولما يحل عليها الحول فأعادها ثانية فى ١٦ نوفمير سنة ١٩٢٤ .
وهى آخر طبعة أخرجها العلامة أحمد أمين بك ، ومنذ ذلك الحين لم يطبع الكتاب بعد وفاته مع شدة الحاجة إليه حتى قيض له الله الدكتور على أحمد راشد فتناوله بالتنقيح والتجديد وساير به آخر تطورات الفقه والقضاء فأسدى بذلك خدمة عظيمة لرجال القانون ، فله الشكر الأوفى .
ويعتبر هذا الكتاب من المراجع الخالدة التى يسترشد بها القاضى فى حكمه ، والمحامى فى دفاعه . والنائب العام فى مراقعته ، والأستاذ فى محاضراته . كلهم يسألون الرأي الصائب فيما يستعصى عليهم من مشكلات القانون الجنائى ، وقد استوفىى مؤلفه شرح قانون العقوبات من الناحيتين الفقهية والعملية وعنى باستعراض النظريات الفقهية لأعلام القانون الجنانى ،
وقد ساير آخر تطورات القضاء المصرى ، وهو قضاء غزير المادة دقيق الاستنباط من أحكام الأساتذة الكرام عبد العزيز فهمى باشا ، وسيد مصطفى باشا ، وحامد فهمى باشا ، وكامل مرسى باشا ، ومفتى الجزايرلى باشا ، وأحمد محمد حسن باشا ؛ ولقد حرص الدكتور راشد على المحافظة على أصل الشرح ما استطاع إلى ذلك سيلا ، وأشار إلى ما استحدثه من زيارات أو تعديلات وحصرها بين قوسين أو وضع علامة النجمة فى أول كل فقرة جديدة
والكتاب الذى بين أيدينا هو الجزء الأول فى الجرائم المضرة بالمصلحة العامة ، وقد قسمه إلى خمسة أبواب ، فتكلم فى الباب الأول منه فى جرائم الرشوة ، وفى الباب الثاني فى اختلاس الأموال الأميرية وفى الغدر ، وفى الباب الثالث فى جرائم الصحافة ، وفى الباب الرابع فى المسكوكات الزيوف والمزورة ، وفى الباب الخامس فى جرائم التزوير
ولقد بحث المؤلف فى تطور التشريع الجنائى المصرى منذ صدور قانون العقوبات سنة ١٨٨٣ ، فقانون سنة ١٩٠٤ ، وقانون رقم ٩٨ لسنة ١٩٣١ ، ثم قانون
العقوبات المصري رقم ٨ه لسنة ١٩٣٧ وما جرى عليه من تعديلات حتى سنة ١٩٤٩ فى أسلوب من العربية مبين .
اقرأ معى إن شئت الباب الثالث فى الجنح والجنايات التى تقع بواسطة الصحف صفحة ١٠٠ من الحقوق المعترف بها للأفراد حرية الفكر ، أى أن يكون لكل إنسان الحق فى أن يفكر كما يشاء ، وأن يجاهر بفكره ورأيه قولا وكتابة - هذه الحرية قد كفلتها المادة ١٤ من المستور المصرى الصادر فى ١٩ إبريل سنة ١٩٢٣ ، ونصها : " حرية الرأى مكفولة ولكل إنسان الإعراب عن فكره بالقول أو بالكتابة أو بالتصوير أو بغير ذلك فى حدود القانون
- وحرية الفكر تستتبع حتما حرية الخطابة وحرية الكتابة وفى ضمنها حرية الصحافة ، غير أن هذا الحق مفيد كسائر الحقوق الشخصية ، فلا يجوز استخدامه للاضرار بالمصلحة العامة أو بحقوق الأفراد الآخرين . ومن أجل هذا عنيت الحكومات ببيان الحدود التى يباح . فيها استعمال هذا الحق ووضعت الجزاءات لمن يتجاوز تلك الحدود ، ورقابة الحكومات فى هذا الباب تتنوع إلى نوعين : رقابة إدارية يباح بمقتضاها للسلطة الإدارية أن تتدخل عند الحاجة لمنع الضرر وسد ذرائعة ، وأخرى قضائية من مقتضاها إنزال العقاب بمن ينتهك حرمة القانون بمجاوزة الحدود التى يرسمها لحرية القول والكتابة . وكانت الحكومة المصرية قد أخذت بالوسيلتين فوضمت فى ٢٦ نوفمبر سنة ١٨٨١
قانونا للمطبوعات ضمنته أحكاما للطباعة والنشر وأباحت للسلطة الإدارية بمقتضاه أن تراقب تنفيذ أحكامه ، وتعطل الصحف والمطابع التى تخل بتلك الأحكام ، كما نصت فى لائحة التيارات الصادرة فى سنة ١٩١١ على تخويل السلطة الإدارية حق مراقبة الخطب التى تلقى فى المحلات العمومية . وفىى ١٦ توفمير سنة ١٨٨٣ أصدرت قانون العقوبات وفيه باب مفصل لأحكام الجرائم الصحفية وعقوبانها ، وقد بقيت
أحكام هذا الباب فى قانون العقوبات الصادر فى ١٩٠٤ ثم فى قانون العقوبات الصادر فى سنة ١٩٣٧ بعد أن كانت قد تناولتها تعديلات هامة بمقتضى بعض القوانين التى صدرت قبل ذلك وأهمها الرسوم يقانون رقم ٩٧ لسنة ١٩٣١ غير أن ما كان يخوله فانون المطبوعات الصادر فى سنة ١٨٨١ للإدارة من سلطة مطلقة فى التعطيل والإلغاء أصبح منسوخا بعد أن نصت المادة ١٥ من الدستور المصرى على حرية الصحافة فى قولها : " الصحافة حرة فى حدود القانون والرقاية على الصحف محظورة وإنذار الصحف أو وضعها أو إلغاؤها بالطريق الإدارى محظور كذلك إلا إذا كان ضروريا لوقاية النظام الاجتماعى " وبذلك انحسرت الرقابة الإدارية فى نطاق ضيق .
ثم بعد هذه المقدمة الرائعة يبدأ بشرح مواد قانون العقوبات شرحا وافيا . أرأيت كيف يبدأ المؤلف بتمهيد عن حرية القول والكتابة ، ثم يذكر النصوص القانونية فى الدستور المصرى المتضمنة حرية الرأى ، ثم يعرج إلى تطور التشريع الجنائى منذ سنة ١٨٨١ حتى هذا التاريخ ،
ثم يبدأ بشرح مواد قانون العقوبات ! وإنى لأقول بكل صراحة أن هذا الكتاب هو أروع كتاب فى شرح قانون العقوبات ليس ذلك فى اللغة العربية فحسب ، بل فى جميع اللغات . وإن الخدمة التى أسداها الدكتور راشد بنشره هذا الكتاب إلى رجال القانون هى أعظم خدمة ، ففيها تخليد لذكرى المؤلف العظيم أحمد أمين بك ، ونفع رجال القانون فى العالم العربى . وإننى لأرجو من الدكتور راشد أن يبادر بنشر الأجزاء الأخرى . والله ولى التوفيق .
( الموصل - العراق )

