كتاب من سلسلة " اقراء التي تصدرها مكتبة المعارف بالقاهرة ، يقع في حوالى مائة وخمسين صفحة من القطع الصغير ، ومن تأليف الاستاذ علي ادهم الموظف بوزارة المعارف .
والكتاب على صغر حجمه يدل على أطلاع واسع ودراسة عميقة ، وتشمل ابحاثه مقدمة في اسباب اهتمام الناس بالسياسة وعنايتهم بها في هذه الأيام ، وفي اختلاف آرائهم في المسائل السياسية الحديثة ، وتفرع المذاهب السياسية أو " تشققها " كما يسميها المؤلف وتعقدها والأزمة العالمية الراهنة
وتلي المقدمة أبحاث في الفرد والدولة ، وقيمة الفرد في ظل الدمقراطية وفي ظل غيرها من نظم الحكم ؛ ثم بحث في طلائع الدكتاتورية بدأه بالأسباب التي ادت بالأمم المتحضرة إلى الحالة التي هي عليها الآن ، والتي ارتضت معها أن تضع جهودها بين يدى فرد من الأفراد يتصرف فيها كيف شاء ؛ وانتقل من هذه الأسباب إلي التيارات الفكرية التى مهدت السبيل لظهور الدكتاتوريات الحديثة في أوربا ، فذكر أساتدة موسولينى الطليان أمثال : برجسن وسوريل وباريتو ، وأسانذة هتلر الألمان مثل هجل وتنشه .
ووصف الكاتب بعد ذلك الدكتاتوريات الحديثة التي قامت في أوقات متعددة في أوربا ، والتي سقط بعضها ولم يعمر طويلا واشتد ساعد بعضها وتوطدت دعائمه . واعقبه فصل في الأسس النفسية للحكم الدكتاتورى وآخر في فلسفة الفاشية والفلسفة المركسية .
وتشمل هذه الأبواب السابقة أكثر من نصف الكتاب ، أما النصف الآخر فقد خصه الأستاذ بالدمقراطية لأنه كما يقول دمقراطي الرأي والعقيدة . وأكبر الظن أنه على حق في هذا ، فالدمقراطية اوسع المذاهب السياسية انتشارا وأثبتها دعاية ، وقد تكلم في هذا الفصل عن
الدمقراطية والمساواة ، والدمقراطية والحرية ، والدمقراطية والفردية ، والدمقراطية والقومية والأممية ؛ ثم بدا يدافع عن الدمقراطية ويرد علي ناقديها ، وبصف الازمة التي تعانيها في هذه الآيام .
واختتم الكتاب ببحث موجز في الدمقراطية واتجاه الحضارة ، وآخر أوفي منه في الاتجاهات السياسية الجديدة .
هذه خلاصة الأبحاث التي يحتويها الكتاب ، ونكتفي بذكر عناوين الكثير منها لأن المقام لا يتسع لإيراد ما جاء بها من الآراء .
ولا ينتظر من الكاتب بطبيعة الحال أن يثبت في هذا الكتاب الصغير كل ما يمكن أن يقال في هذه الموضوعات المتعددة ، ولعله يقصد ان يجعل كتابه هذا مقدمة لمن يريد أن يتوسع في دراسة المذاهب السياسية ؟ فإذا كان ذلك فقد كان من واجبه أن يدل القراء على المصادر التي استقي منها معلوماته .
على انه وقد اورد في الكتاب ما اورد ، وذكر بعض عبوب الدمقراطية ورد على اقوال تاقديها ، كان ينتظر منه أن يذكر أهم هذه العيوب كلها وهو طريقة التصويت ونظام الأحزاب ؛ ذلك أن طريقة التصويت الحالية المرتبطة أشد الارتباط بالنظام الحزبي الذي يحشد الأعضاء ويسيطر على ضمائرهم حين يعطون أصواتهم في المسائل الهامة من أكثر مواضع النقد في النظم الدمقراطية ، وقد أغفل الأستاذ أدهم هذا ولم يرد عليه ، وهو كما قلنا من اظهر عيوب الدمقراطية وأكثرها ظهورا أمام الشخص العادي . وشبيه بهذا ذكره بعض التهم التي توجه إلى الدمقراطية ثم إغفاله الرد عليها ، أو الرد عليها جملة بعبارات عامة لا تزيل الشكوك . وفي وسع القارئ ان يتبين هذا إذا قرأ هذه الانتقادات والرد عليها في ص ١٣٧ ، وما بعدها .
وقبل أن ننتقل إلي الكلام مع أسلوب الكتاب ، نقول إن الكتاب بطبيعة الحال مكتوب للقارئ العادي لا للقارئ المتخصص الذي درس المذاهب السياسية وعرف أسماء من كتبوا فيها . وإذا كان هذا حقا فإنا نأخذ
على الأستاذ كثرة ما ذكره في كتابه من أسماء الكتاب الذين لا يعرف القارئ العادي بل القارئ نصف المتخصص شيئا منهم . فإذا جاز ان يعرف القارئ العادي شيئا عن ننشة وهيحل وسوريل ، فماذا يعرف عن اورنجه وفحت وبوزانكبيه وغيرهم من الاسماء الكثيرة الواردة في الكتاب ؟ لقد كان الواجب على الأستاذ وقد أورد هذه الاسماء ان يذ كر كلمة عن اصحابها في هامش الكتاب ، ولست اظن انها كانت تزيد في حجمه اكثر من صحيفة أو اثنتين
أما من حيث الأسلوب ففي الكتاب أجزاء واضحة كل الوضوح ، سلسلة كل السلاسة ، ومن امثلة هذه الأجزاء كلامه على المركبة في ص ٨٥ ، وكلامه على الدمقراطية في ص ٩٧ وما بعدها ، تري في هذه الآجزاء المعاني واضحة ، والأفكار متسلسلة يتبع بعضها بعضا في نظام منطقى متين ، واسلوب عربي مستقيم
لكن في الكتاب أجزاء أخري كثيرة معقدة كل التعقيد يصعب استخلاص المعنى المراد منها ، لما فيها من عبارات لا معنى لها ، كقوله إن هيجل يعتبر الدولة مادة أخلاقية شاعرة بنفسها ، وقوله في ص ٣٣ إن مما يثير العجب موقف بعض الرجال الذين " يعترون إلي الفكر من الدمقراطية " وقوله في ص ١٤٦ " واستبدال الحرية بالمساواة ، والحكومة القائمة على موافقة الشعب والحث والإقناع والمناقشة الحرة المعقولة بالحكومة المستبدة ثم قال في حين أنه ليس هناك ضمان بأننا سنسلم البضاعة "
وقد يكون منشأ هذا الغموض ما في الأسلوب نفسه من تعقيد : انظر إلي قول المؤلف في ص ١٩ ، ترى هذا التعقيد الشديد الذي لا يكاد الإنسان يتبين منه المعنى المراد : " ومع تسليمنا بأن الفرد في المجتمع يتمكن من إنماء طبيعته وإظهار قدرته ، ويظفر بحربته ، لان الرجل الشريد في جزيرة نائية إن كان يملك حريته فإنما هي حرية مجردة سلبية ، لأنه - وإن كان في وسعه أن يعمل كل شئ - ولكنه في الحقيقة لا يستطيع أن يعمل شيئا ،
أقول إن تسليمنا بذلك لا يقتضي كون الحكومة قادرة على كل شيء ، ولا ينفي ان الدولة موجودة لأجل الفرد "
يضاف إلى هذا ان الترقيم في الكتاب كله مضطرب كل الاضطراب ، فقد استعمل المؤلف الشولة ) ، ( بين أجزاء الجملة الواحدة في بعض الأحيان ، واستعملها بين الجمل المستقلة أحيانا اخرى ، وفي كثير من الأحيان ترك الجمل المستقلة متداخلة بعضها في بعض ، تدخلا يتعذر معه تحديد اوائلها وأواخرها . ولا حاجة بنا إلي ضرب الأمثلة ، لأن في وسع القارئ أن يجد ذلك في أي جزء من أجزاء الكتاب .
ويلوح أن المؤلف لم يراجع أصول الكتاب قبل أن يرسله إلى المطبعة ، وإلا لاستطاع ان يصحح كثيرا من الهنات التي به ، والتي لا يكاد يخلو منها فصل من فصوله . ونذكر منها على سبيل التمثيل قوله في ص ٣٩ ، " واحدث التغييرات المعروفة مثل استبدال الطربوش بالقيمة " وقوله : " إن اساس المجتمع قائم على إنتاج الوسائل " ، يريد : إن الأساس الذي يقوم عليه المجتمع ؛ وقوله " وعلاقة الاستقلال ولو انها لم تتغير في الجوهر ولكنها مع ذلك قد أخذت صورا متعددة " ، وقوله : " وأما انتصار طبقة الفقراء في العصر الحديث فإنها ستؤدي إلي خلاص الإنسانية ونقضي على الطبقات " وقوله : " ويشك الشيوعية في نجاح الدمقراطية لأنها في عهد الرأسمالية لا يمكن إلا تكون خيالا لا حقيقة له " وقوله " وليست تعنينا هنا التفصيلات ، وإنما الفرق الأساسي بين النظرية الدمقراطية والنظرية الأرستقراطية الخ
وفي الكتاب بعد ذلك أغلاط مطبعية قليلة كان في وسع المؤلف والطابع بشيء من الدقة ان يصححها ، وبخاصة إذا كان المؤلف الأستاذ ادهم وكان الطابع مطبعة المعارف .
وبعد ، فهذه كلمة صادرة عن رغبة صادقة في الإصلاح ، وإن خرجت عن المألوف في الكتابة عن المؤلفات ، نرجو ألا تحمل على غير المقصود منها ، وأن يتسع لها صدر المؤلف والطابع .

