(بقية ما نشر فى العدد الماضى) (١٤٣ صفحة، مطابع دار الكشاف ببيروت - الطبعة الثانية)
والمياه النقية، لا تزال بعيدة عن (٨٨) قصبة وقرية ، يتراوح عدد السكان فى كل منها من ألف إلى ألفين. وأما التعليم فى الريف فلا يزال فى مراحله الأولى ، إذ تبلغ نسبة الأميين فى العراق اثنتين وتسعين فى المائة، وأكثرهم يعيشون فى الريف.
والجهود التي بذلت لنشر التعليم هناك تتضاءل إذا ما قورنت بما يبذل فى سبيل التعليم فى المدن، ومراكز الأقضية، ومرد ذلك إلى عدم وجود سياسية تعليمية خاصة بنشر التعليم بين أبناء الريف، وموقف بعض الشيوخ، ورؤساء العشائر، ومقاومتهم رسالة المدرسة والمعلم، لرغبتها الشديدة فى بقاء القديم على قدمه، وترك الناس فى الريف كالأنعام، فى ضلالهم يعمهون.
يقول بول منرو فى تقريره عن إصلاح المعارف فى العراق، (والمشكلة التي تستوجب اهتمامنا هي مشكلة القرية الزراعية. إن منهج المدارس المعمول به فى القوت الحاضر، منهج مدنى، يتضمنن على الأكثر، درس اللغات بصورة مشددة، وهو ما لا تحتاج إليه الحياة الريفية، وليس منهج المدرسة محشوا بإفراط فحسب، بل إنه لم يؤسس على أسس رشيدة، إذ لا يتلاءم والاحتياجات الريفية. . .)
ويعانى معلم القرية فى مشاكل العيش، وما لا يجده أمثاله فى
غير الأرياف ، فوسائل الراحة مفقودة ، ذلك إلى جانب ما يجده من مقاومة الشيوخ والرؤساء الأقطاعيين، كتهديد حياته، ونهب أمواله، وسرقة أمتعته.
والذى يحول بين الفلاح وبين تعليم أبنائه، اضطراره إلى النقل من مكان إلى آخر، جريا وراء الرغيف، غير مستقر فى مكان، لأنه لا يملك أرضا يستقر عليها.
هنالك فى أرياف العراق (٤٤٩) مدرسة للبنين، عدد طلابها (٨٢١٢٨) ، وعدد معلميها (١٤٨٩) ، وفى ذلك أيضا مدارس للبنات عددها (٢٤) مدرسة، وعدد طالباتها (١٤٠٨) ومعلماتها (٧٩) معلمة.
وفى المدن العراقية مدارس للبنين والبنات يبلغ عدد طالباتها وطلابها (٧٨١١٨) ، وعدد المعلمات والمعلمين (٣٠٣٠) ونحن إذا ألقينا نظرة دقيقة على هذه الأرقام، وجدنا أن مدارس القرى تزيد فى عددها على مدارس المدن بمقدار (٨٢) مدرسة، ووجدنا طلاب المدن وطالباتها يزيدون على القرى بمقدار (٣٤٤٨٢) ، وأن زيادة عد المعلمات والمعلمين تبلغ (١٥١٧) أيضا.
ونخلص من هذه المقارنة بنتيجة تهز مشاعرنا هزا عنيفاً شديدا، ذلك أننا نجد سبعين فى المائة من سكان يملئون ريف العراق لا يقام لهم وزن ، ولا يحسب فى توزيع عدالة التعليم بين أبناء الشعب ، وإنما على النقيض من ذلك يعطى الاهتمام لمن يعيشون فى المدن وعددهم اثنتان وعشرون فى المائة من السكان، وذلك يستدعى من المسئولين تبديل نظراتهم إلى التعليم الريفى، وإعطاء ما يستحق من الاهتمام، لأن الفلاحين يؤلفون هيكل الأمة العظمى، ولا حياة لجسد هيكله العظمى غير سليم.
والمساكن فى الريف تتألف من بيوت حقيرة صغيرة مبنية من القصب، أو اللبن أو الطين، بغير ترتيب، فهى ضيقة لا يدخلها النور والهواء، يعيش فيها الإنسان جنبا إلى جنب مع الحيوان، طرقها معوجة تكثر فيها الحفر والأكوام الأوساخ، والبرك التى تنتشر منها الروائح الكريهة، وعلى الرغم من سعة الأراضى فى العراق، فإنها متلاصقة، دون نظام وخالية من
المرافق العامة. وحالة العمال الذين يعيشون فى المدن وضواحيها لا يقل فى سوئها عن الريف. فإن الزائر الذى يزور بغداد، ويعرج على محلة (الشيخ عمر) ، و (باب الشيخ) و (العاصمة) ، ووراء سدة (ناظم باشا) ، وغيرها من الجهات، يؤسفه اشد الأسف أن يرى هذه الألوف العديدة من أبناء البلاد، فى هذا الوضع السيئ على الرغم من أنهم يعيشون ضمن حدود أمانة العاصمة وما يضيق على بغداد يصدق على جميع مدن العراق.
وحاول المسؤولون تشييد قرى حديثة تتوفر فيها الوسائل الصحية فى بيوتها، فصدر عام ١٩٢٦ القانون رقم (٧٠) ولكنه بقى حبرا على ورق، ولو نفذ فى حينه، لكان لسكان الأرياف فى العراق الآن، قرى صحية نموذجية، تليق بكرامة الإنسان، وتلا ذلك محاولتان فاشلتان فى السنتين ١٩٤١ و١٩٤٩.
وهجرة الفلاحين من الأرياف إلى المدن، ظاهرة اجتماعية شديدة الخطر على قطر زراعى كالعراق، وسببها انحطاط مستوى المعيشة، وسوء العلاقة بين الفلاحين والشيوخ، وما يثقل كاهلهم من تبعات وأعمال، ثم ما يشعر به شبابهم من غبن، بعد عودتهم من خدمة العلم، حيث لا يجدون وجها للمقارنة بين حياتهم فى القرى وبين حياة الناس فى المدن.
ولقد ملأ هؤلاء المهاجرون مدينة بغداد، والبصرة، والناصرية، والعمارة، وارتضوا لأنفسهم الحياة في الأكواخ الحقيرة ، التى نراها منتشرة فى جهات متعددة من بغداد ، وفى الفجوات بين قصورها، فتعقدت بهجرتهم مشكلة الفقر فى المدن، وازدادت المتاعب الصحية والإدارية، والأمن، لأن الفقر كثيرا ما يدفعهم إلى السرقة، وارتكاب الجرائم، ذلك إلى جانب الارتباك الاجتماعى الذى يحدثه وجود جماعات لا يشعرون برابطة نحو أحد، وأثر ذلك المباشر على كثير من التراخى فى الضبط الاجتماعى، وظهور المشاكل الإدارية، والأخلاقية والنفسية، ويزيد فى المشكلة، الفيضان السنوى
الذي يدمر فى العادة، أكواخ هؤلاء التعساء، ومصيرهم بلا مأوى، هائمين على وجوهم، فيولدون ارتباكا لسلطات الأمن. وقد فشلت الحلول التى تفضى بإعادتهم إلى الأرياف التى هاجروا منها.
هذه لمحات عابرة، صور فلم المؤلف حقائقها تصويرا رائعا استمده من قلب ينبض بحب الخير المطلق، وهو فى هذا التصوير الدقيق، لا يهدف إلى التجريح والإيلام إلى تشخيص الداء العضال، ليتيح الفرص للمخلصين، فيتقدمون بالعلاج الناجع. وهو فى هذا العمل، أشبه ما يكون بالطبيب الحاذق الرحيم، يمد أدواته الجراحية إلى جسم المريض وهى تحمل فى أطرافها الحادة، المعانى التى تخفف الألم، وتزيل الأوجاع.
والجرأة على تصوير الحقائق المريرة، التى ينفر الناس من النظر إليها، ولا يقوون على مواجهتها، التى هى بطولة لا يتقدم إلى ميدانها الأصيل، إلا كل مغامر جرئ، لا يخشى الباطل ويقاوم المنكر بأقوى الأيمان.
والرياء الاجتماعى، والنفاق الرخيص الخسيس، والشعور بالحقارة، إنما هى العار الذى قد التصق بجيل العبيد الحاضر، فراح الناس فى غمرتها يسمون الأسماء بغير مسمياتها، ويسيرون فى ركاب الباطل، ولكن بعض النفوس الأبية فى بعض شباب هذا الجيل قد تمردت على هذا الهوان، ولم تسر وراء القطيع فى طريق الاستعباد.
والمعجزة التى تنتظر حدوثها الأرواح الخاملة، لترفع مجتمعنا من الهوان الذى تردى فيه، لن تحدث أبدا، ذلك لأن زمن المعجزات قد سار فى ركاب الأنبياء. وتوارى فى ظلام الزمن البعيد. والمعجزة إنما يجب أن ينبثق نورها من إيماننا العميق بالإصلاح الاجتماعى العاجل، ذلك الإصلاح الذى يملأ المعد الجائعة بالخبز، والأدمغة الفارغة بالعلم الصحيح، والنفوس المستغربة الحقيرة الخاملة بالرجولة ، وبمعانى الكرامة القومية
والعزة الإسلامية، فتبادر إلى العمل المنتج ، وتشيح بوجهها عن التبجح الرخيص بعظام الأبطال من البائدين ، ونحن فى حقارة القرود بين الأمم المتمدنة.
إن الوطنية المدركة ، تتطلب من أفراد الأمة أن يجدوا الحلول العملية لهذه المشاكل، وكل تقاعس عن ذلك، يدفعنا موثقين بها ، فى تيارات دولية عنيفة ، تتربص وتضمر لنا الشر والحقد الدفين.
يجب أن تنتقل ملكية الأرض إلى الفلاحين ، وأن تقام لهم المساكن التى تليق بكرامة الإنسان، وأن تكون العناية بصحتهم، وغذائهم، وتعليمهم، شغل القلوب المخلصة الشاغل التي تستطيع - حتى يتساوى الجميع فى عدالة اجتماعية - أن تكفل الطمأنينة لكل مواطن فى حدود التبعات والواجبات. والأمة حين تفكر جديا، فى حل هذه المشاكل، لا تبصر غير مصلحة الوطن العليا.
ولقد اقترح مؤلف الكتاب حلولا سليمة لكثير من المشاكل التى أثارها، لو أخذنا بها لجعلت الريف جنة وارفة ، وجعلته مصدر قوة رهيبة يحسب لها الأجنبى حسابا يحطم أعصابه ويبتعد عنها إلى حيث ذهبت أم قشعم.
ومشروع (الدجيلة) العظيم الذى أتاح الاستقرار لآلاف من الفلاحين فى العراق على أرض يملكونها، وبرهن الفلاحون باستتباب الأمن، وخلودهم إلى الاستقرار فى بيوت صحية على طمأنينة ووعي عميقين، إنما هو تباشير الفجر الذى سيعقبه إشراق شمس العدالة، فلا يبقى سيد وعبد، وظالم ومظلوم فى مواطن العروبة.
وقصة الحاج رويس - التى قصها المؤلف معالى الشيخ علي الشرقى - ذلك المرابى الذي سلف أحد المزارعين مائتى روبية على أساس أن يدفع له الفلاح وزنة من الشعير عن كل روبية وبمرور الزمن أصبح هذا المبلغ ستين ألف روبية دفع الفلاح المسكين نصفها فى حياته وبقى ورثته مدينين بنصفها الباقى، إنما هى المثال الصارخ على ظلم الفلاحين واستعبادهم.
يجب أن ترتبط أجزاء الوطن العربى الكبير، بنظام اقتصادى ، عميق الجذور، قوى الأركان ، يستمد كل جزء من أجزائه، حاجته من أيد عاملة ، أو رؤوس أموال ، أو خبراء ، من الجزء الذى يتوفر فيه ذلك، فتصان الثروة للشعوب العربية. وينبغى أن يسبق ذلك أو يتبعه، تغيير جارف فى مناهج التعليم، لتصبح عملية، تواجه مطالب الحياة الحديثة بإعداد جيل قوى من المهندسين، والكيميائيين، والإخصائيين، وعلماء الطبيعة والرياضيين والمخترعين. ولقد آن للشبان فى هذا الجيل أن يشيحوا بوجوههم عن دراسة اللغات والآداب والتاريخ، وأن ينصرفوا بشعور وطنى عميق إلى التخصص فى الرياضيات والطبيعيات والكيمياء والتعدين، والهندسة والزراعة، بكل أنواعها ودقائقها وفروعها، فإننا فى حاجة ملحة إليها الآن.
وبعد فإن الأستاذ عبد الرزاق الهلالى، مؤلف هذا الكتاب، يستحق الشكر الجزيل، والتقدير العميق، على هذا الاتجاه الرشيد فى معالجة مشاكلنا الاجتماعية، ونحن نرجو أن يكون فاتحة خير للشباب، يخرجهم من عزلتهم، فيظهرون شجاعة أدبية فى التوفر على دراسة المشاكل التي يواجهها الجيل الحاضر، تلك المشاكل التي تتعذب فى جوها أرواح هى أجزاء من أرواحنا، ونفوس هي نفوسنا، وما أبشع ذنب الذي يقف على طرف الماء فيرى غرقنا ولا يمد يد المساعدة إليه.
وأسلوب المؤلف فى الكتاب يغلب عليه تكرار الحقائق، وكأنه يريد أن يبالغ فى إظهارها، ولكنه أسلوب متين، سلس، تطل من وراءكلماته حرارة الروح، ووجيب القلب، وأنسام العواطف الرفيقة الرحيمة.
ووسائل الإعجاب التى ألحقتها بالكتاب من بعض أصدقائه ، إنما هى أمور شخصية لا شأن للقراء بها، وهى كالقذى فى العين الجميلة التى تبعث الفتنة إلى القلوب. بغداد دار المعلمات الابتدائية

