الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الثقافة"

الكتب:, ١ - كتاب فى الحسبة

Share

الحسبة الأجر ، وهو اسم من الاحتساب أي احتساب الأجر على الله ، تقول : فعلته حسبة واحتسب فيه احتسابا ، استخرج قانون الحسبة من روح الشرع الإسلامي ومن مختلف البيئات في البلاد الإسلامية ، وكان فضلاء الناس في الصدر الأول يتولون الحسبة بأنفسهم إذا لم يكن هناك وازع أو سلطان ، وإذا انتظمت أحوال الدول يعين للحسبة صاحب الأمر المحتسبين في كل بلد كما يعين لها القضاة . ووظيفة المحتسب كوظيفة القاضي إلا أن أعمال المحتسب عملية ، فهو ينظر في أحوال الرعية والكشف عن أمورهم ومصالحهم وبياعاتهم ومأكولهم ومشروبهم وملبوسهم ومساكنهم وطرقاتهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر يتناول الاحتساب كل ذلك وينتظم كل حالة من حالات المجتمع ، ليشرف على الحكام وأحكامهم ، كما يشرف على جور الأفراد بعضهم على بعض . ولنا أن فشبه الحسبة بنظام دواوين البلديات والصحة والشرطة اليوم . وقد بطلت الحسبة من البلاد الإسلامية في القرن الماضي بتأسيس المجالس البلدية على الأصول الحديثة وتأليف دواوين الصحة والشرطة على حدة

ولقد ألف العلماء أكثر من عشرين كتابا في الحسبة ، منها ما طبع مثل كتاب " الحسبة في الإسلام " لابن تيمية ، و " المختار في كشف الأسرار " للجوري الدمشقي ، و"الإشارة إلي محاسن التجارة " لجعفر بن على الدمشقي ، و " آداب الحسبة " للسقطي المالقي الأندلسي ، طبعت

قطعة منه وهو في حسبة بلاد الأندلس ، كما طبع كتاب في الحسبة لابن عبدون التجبي الأندلسي في المجلة الآسياوية الفرنسية Journal Asiatique ١٩٣٤ وهو في حسبة الأندلس أو الغرب أيضا . هذا من المطبوع

وقد كتب لي أن اطلعت على أربعة مخطوطات في الحسبة وأن وصفتها في السنة الثالثة من مجلة المقتبس الصادر في سنة ١٣٢٦(١٩٠٨) وذلك في نحو ثلاثين صفحة . واسم هذه المخطوطات :١" نهاية الرتبة في طلب الحسبة " يظهر أن مؤلفه من أهل القرن الثامن وأنه كتب في مصر ،٢ كتاب في الحسبة اسمه أيضا " نهاية الرتبة " للشزري ، ٣  كتاب في الحسبة لعمر بن محمد بن عوض الشامي، ٤" معالم القربة في أحكام الحسبة " لابن الأخوة . وهذا الكتاب الأخير هو الذي طبعته لجنة تذكار جيب الإنجليزية بعناية الأستاذ روبن ليوي في مطبعة دار الفنون بكيمبردج سنة ١٩٣٧ وترجمه إلي الإنجليزية وعلق عليه . وقد وقعت للناشر بعض أغلاط ، وتحرفت عليه بعض ألفاظ المؤلف ، كما تحرفت عليه بعض الآيات الكريمة ، وقد يثبت في المتن الرواية الضعيفة ويغفل الرواية الصحيحة ، وكان عليه أن يرجع لأحد علماء العرب في نشر كتابه ويكتب له مقدمة بالعربية ، كما يفعل أكثر علماء الشرقيات اليوم

ترجم ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة لابن الأخوة - الأخوة أو الإخوة ؟ مؤلف كتاب معالم القربة فقال : إنه محمد بن محمد بن أحمد بن أبي زيد القرشي ضياء الدين ، ووصفه بأنه من المحدثين وأنه مات سنة ٧٢٩ ولم يتعرض لتآليفه . وقد كسر ابن الأخوة كتابه في الحسبة علي سبعين بابا ، اشتمل كل باب منها على فصول تقع فيها على أسماء حرف وصناعات كثيرة ومصطلحات مدنية تستغرب معها غني معجم الشؤون العامة في اللغة العربية

في القرنين السابع والثامن . وكتابه أوسع ما عرف من الكتب في هذا الفن المفيد . فمن الحرف حرفة " البوارديين " والغالب أنهم الطهاة الذين يقدمون البقول المطبوخة ، كالحمص والفول ونحوهما ، ومثل " السدارية " وهم الذين يطحنون السدر وهو من المطهرات كالصابون إذا غش يضر ، ومثل الفاخرانيين والغضارين وهم الذين يصنعون الزبادي ( السلطانيات ) من الحصا المطحون ، والغضارون باعة الكيزان. و " المسلانيين " صناع المسلات و " المردانيين " الذين يعملون المردان آلات الغزل ، وكانت تعمل من خشب الساسم أو من السنط الأحمر

وقد تجلت روح المؤلف ومبالغته في التعصب فيما كتبه في أهل الذمة ، والقانون الذي رسمه لمعاملتهم لم يعمل به في أكثر بلاد الإسلام ، وكانوا منذ القرن الثاني ، كما قال الجاحظ ، يتخذون البراذين الشهرية ، والخيل العتاق ، ويتخذون الجوفات ، ويضربون بالصوالجة ، ويلبسون الملحم والمطبقة ، ويتخذون الشاكرية ، ويتسمون بالحسن والحسين والعباس والفضل وعلى ، ويكتنون بأبي القاسم ، وقد رغب إليهم كثير من المسلمين ، وتركوا عقد الزناير ، وعقدها آخرون دون ثيابهم ، وامتنع كثير من كبرائهم من إعطاء الجزية ، وأنفوا مع اقتدارهم من دفعها ، وسبوا من سبهم وضربوا من ضربهم . وكانوا في القرن الثامن ،

كما قال ابن الأحوة نفسه ، تعلو ادرهم على آدر المسلمين ومساجدهم ، ويدعون بالنعوت التي كانت للخلفاء ، ويكتنون بكناهم ، فمن نعوتهم الرشيد وهو أبو الخلفاء ، ويكنون بأبي الحسن وهو على بن أبي طالب رضي الله عنه ،

ويأبي الفضل وهو العباس عم رسول الله ، وقد جاوزوا حد أقدارهم ، وأظهرت منهم الأيام طبائع شيطانية مكنتها وعضدتها يد سلطانية ، فركبوا مركوب المسلمين وليسوا أحسن لباسهم ، واستخدموهم ، فرأيت اليهودي والنصراني راكبا يسوق بمركبه ، والمسلم يجري في ركابه ، وربما تضرعوا وتذللوا له ليرفع عنهم ما أحدثه عليهم . قال : وأما نساؤهم إذا خرجن من دورهن ومشين في الطرقات ، فلا يكدن يعرفن ، وكذلك في الحمامات ، وربما جلست النصرانية في أعلى مكان من الحمام ، والمسلمات يجلسن دونها ، ويخرجن إلي الأسواق ، ويجلسن عند التجار ، فيكرمونهن بما يشاهدون من حسن زيهن الخ

والأصل في التضييق ، لأول الدعوة ، على أهل الذمة توجس الخيفة من ناحيتهم ، حتى لا يكونوا عيونا للروم على العرب ، ثم إنا رأيناهم قد ارتضوا لأنفسهم أمورا بعدها اليوم من الذل ، كالكتاب الذي كتبه نصاري إحدي المدن لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ونقله ابن الأخوة وهو : " لما قدمتم علينا ، وقد سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا ، على أن لا تحدث في مدائننا ولا حولها كنيسة ولا ديرا ولا قلاية ولا صومعة راهب ، ولا تجدد منها ما خرب ، ولا ما كان منها في خطط المسلمين في ليل أو نهار ، وأن نوسع على من مر بنا من المسلمين في

الضيافة ثلاث ليال ، ولا تنزل في كنائسنا ولا منازلنا جاسوسا ولا نكتم عينا للمسلمين ، ولا نعلم أولادنا القرآن ، ولا تظهر شرعنا في رواية شركا ولا تدعو إليه أحدا ، ولا تمنع أحدا من ذوي قرابتنا من الدخول في

الإسلام إن رأوا ذلك ، وأن توفر المسلمين ونقوم لهم في مجالسنا إذا أرادوا الجلوس ، ولا نتشبه بهم في شيء من لباسهم ، في قلنسوة ولا عمامة ولا نعل ولا فرق شعر ، ولا نتكلم بكلامهم ، ولا نتسمي بأسمائهم ، ولا نكني بكنيتهم ولا نركب بالسروج ، ولا نتقلد بالسيوف ، ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نعمله ولا نحمله معنا ، ولا نتفش على خواتيمنا بالعربية ، ولا نبيع الخمور ولا نسقيها أحدا ، وأن تجز مقاديم رؤوسنا ، ونجعل الزنانير على أوساطنا ولا نظهر صلباننا وكتبنا في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم ، ولا نضرب النواقيس في شئ من كنائسنا الإ ضربا خفيفا ، ولا ترفع أصواتنا بالقراءة في شئ بحضرة المسلمين ، ولا ترفع أصواتنا مع موتانا ، ولا نظهر باعوثا ولا شعابين ، ولا نجاورهم بموتانا ، ولا نتخذ من الرقيق ما جري عليه سهام المسلمين ، ولا نطلع على منازلهم " . فلما جاء الكتاب إلي عمر زاد فيه : " ولا نضرب أحدا من المسلمين ، شرطنا ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا ، وقبلنا عليه الأمان ، فان نحن خالفنا عن شيء مما شرطناه لكم على أنفسنا فلا ذمة لنا ، وقد حل منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق فكتب إليه أن امض ذلك وألحق فيه هذا : " ولا تشتروا شيئا من سبايا المسلمين ، وأن من ضرب مسلما عمدا أو شتمه فقد خلع عهده "

واستفدنا من هذا الكتاب شكواه من قلة الأطباء المسلمين في عهده ، وإقبال الناس على الفقه ، وقد صور ذلك كما يلي : " وكم من بلد ليس فيه طبيب إلا من أهل الذمة ، ولا تجوز شهادتهم فيما يتعلق بالأطباء من أحكام الطب ، ولا نري أحدا يشتغل به ، ويتهافتون على علم الفقه ولا سيما الخلاقيات والجدليات ، والبلد مشحون من الفقهاء ممن يشتغل بالفتوي والجواب عن الوقائع . فليت شعري كيف يرخص الدين في الاشتغال بفرض كفاية قد قام به جماعة ، وإهمال ما لا قائم به ؟ هل لهذا سبب إلا أن الطب

ليس بتيسر التوصل به إلي تولي القضاء والحكومة والتقدم به على الأقران ، والتسلط به على الأعداء ؟ " . وكلامه هذا أشبه بكلام حجة الإسلام الغزالي في إحياء علوم الدين . ونري أن السر الأعظم في تدلي المدنية عند المسلمين انصراف أكثرهم إلي علوم الدين ، لا حبا بالدين ، بل تقربا إلي الملوك والأمراء ، وأغقلوا علوم الدنيا فتراجع أمرهم ، فلا الدين خدموا ، ولا بالدنيا انتفعوا . حتى رأينا ابن الأخوة نفسه ، ينقل في كتابه هذا ، بأنه لا يجوز للطبيب ولا للكحال ولا للجرائحي أن يمارس صناعته إلا إذا امتحن في كتب عندها ، وهي ليست المسلمين ، بل للمشركين من الروم ، ثم لأهل الكتاب من النصاري . فالطبيب يؤخذ عليه عهدا بقراط الذي أخذه على الأطباء ، ويحلفهم أن لا يعطوا أحدا دواء مضرا، ولا يركبوا له سما ، ولا يذكروا للنساء الدواء الذي يسقط الأجنة ، ولا للرجال الدواء الذي يقطع النسل ، ويمتحن المحتسب الكحالين بكتاب حنين بن اسحق أعني العشر المقالات في العين الذي طبعه في القاهرة سنة ١٩٣٨ العلامة الدكتور ماير هوف ( وأوجب على المجبرين أن يعرفوا المقالة من كناش فوليس في الجبر ، وان يعلم عدد عظام الآدمي وهي مائتا عظم وثمانية وأربعون عظما وصورة كل عظم منها وشكله وقدره حتى إذا انكسر منها شئ أو اخلع رده إلي موضعه على هيئته التي كان عليها فيمتحنهم المحتسب على ذلك ، ويمتحن الجرائحيين بكتاب جالينوس المعروف بقاطاجاقمس في الجراحات والمراهم ، وأن يعرفوا التشريح وأعضاء الإنسان وما فيه من العضل والعروق والشرايين والأعصاب

لا جرم أن نشر مثل هذه الكتب يزيد اللغة الحاضرة ثروة ، ويقفنا على مواطن مجهولة من المجتمع الإسلامي في الأدوار المختلفة ، ويهييء مادة لتاريخ المدنية تنفع كل من يحب الإطلاع على ما جالت فيه عقول الأجداد في سالف الآباد .

اشترك في نشرتنا البريدية