الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 949الرجوع إلى "الرسالة"

الكتلة الإسلامية، فى الميزان الدولى

Share

هذه الكتلة المتصلة الحدود من شواطئ الأطلنطى إلى شواطئ الباسيفيكي ؛ والتى تضم مراكش وتونس والجزائر وليبيا ، ومملكة وادى النيل وسوريا ولبنان والعراق والأردن والمملكة العربية واليمين ، وتركيا وإيران وأفغانستان وباكستان وإندونسيا

هذه الكتلة التي يربى عددها على مائتين وخمسين مليونا من السكان ؛ والتي تملك أفنى منابع البترول والمواد الخامة ؛ والتي تتحكم بمواقعها الاستراتيجية في مواصلات العالم

هذه الكتلة تملك أن يكون لها وزن ، حتى ولو كانت مجردة من السلاح ؛ وتملك أن تجعل كل كتلة من الكتلتين  المتنازعتين تفكر مرتين قبل الإقدام على حرب ، تجتاح فيها هذه المناطق الشاسعة ، التي تقوم حاجزا بين الكتلتين لا تلتقيان إلا باجتياحه

هذه الكتلة تملك هذا كله إذا وصلت درجة اليقظة فيها

إلى الحد الذى تقف به في وجه الدعايات المزيفة التي يقوم بها دعاة كل من الكتلتين فيها ... إذا هى عرفت كيف تجير حكامها والمستغلين فيها على انتهاج سياسة قومية خالصة ... إذا هي نظمت اقتصادياتها وإمكانياتها وخامتها من الا- تعمار الاقتصادي الذى يمكن له فيها حكامها أو أصحاب رؤوس الأموال المستغلين الذين لا يهمهم وطن ولا قومية ولا دين

الجماهير لا للمستغلين، وأنا مؤمن بالشعوب والجماهير في تلك الرقعة العريضة من الأرض . وأياما كانت عوامل الضعف والفرقة ، وعوامل الضغط والسكبت ، فإن واجب الدعاة ألا يفقدوا إيمانهم بالشعوب ؛ فالشعوب عملك متى تريد . تملك أن تسبب المتاعب للأقوياء والحلفائهم من أهل البلاد . عملك أن تكلف هؤلاء وهؤلاء مننا دائما لا يأمنون معه الاندفاع ولا يحمون ظهورهم معه من الاضطراب والانتقاض

ولقد آن للشعوب أن تضع حدا لذلك العبث الألم الذى يزاوله حكامها والمستغلون فيها ، وأن تقرر مصائرها بأيديها ، وتقطع كل يد تعبث بهذه المصائر لغاية خاصة لا تعنى هذه الشعوب ....لقد ضاعت فلسطين على مذبح المنافسات بين عدة بيوت حاكمة ، لا لأن قوى الأمة العربية - أيا كانت ضيفة عجزت عن الوقوف أمام حفنة من اليهود ، مهما جاءتهم النجدة من الكتلة الشيوعية والكتلة الرأسمالية . ولو كان في وأنا أكتب هذا لشعوب لا للحكومات : اكتبه

مجموعة الشعب العربي من الحيوية إذ ذاك ما تحطم به أطماع الطامعين ، وتضرب على أيديهم العابئة ، ما وقعت الكارثة

إنني أهتف بالجماهير في تلك الكتلة المترامية الأطراف أن تفتح أعينها فلا تسمح مرة أخرى بتمثيل المأساة ، ولا تستجيب للمستنقعين فيها ، حين يريدون أن يقودوها كالذبيحة لتقف مع هذه الكتلة أو تلك ، بينما هي علك أن تسبب الربكة والاضطراب الاسكتلة التي تدوس أرضها ، وندوس كرامتها ؛ وبذلك عملك أن يتمتع العالم بفترة سلام أخرى ، تنشأ من تردد كل من الكتلتين في أن تكون البادئة ، وأن تكسب بذلك عداء الكتلة الثالثة

وليس في هذه الدعوة التي أدعوها هنا مستحيل . وما واها مستحيلة إلا الذين يختانون أنفسهم ، ويحتقرون ذواتهم ، و بيأسون من الشعوب التي تملك كل شيء حين تريد ... إنني يانس من الزعماء : يائس من الحكومات ، يائس من مئات أو ألوف خدمتهم الدعاية الرأسمالية أو الدعاية الشيوعية ... ولكنني لست يائساً من الشعوب - على ما يجثم عليها من جهل ومن ضغط اقتصادي ، ومن قنوط في بعض الأحيان . إن هذا كله إلا غاشية سطحية تزول . وستقف هذه الشعوب على قدميها يوما ، وستحطم كل من يعترض طريقها من المستعمرين والمستغلين ... ونحن في الطريق

غير أنه يبقى سؤال هام : على أي أساس تقوم هذه الكتلة الثالثة ؟ وما هي مقوماتها الأصلية ؟

إن أول ما يخطر على البال أن تقوم هذه الكتلة على أساس من وحدتها الجغرافية والاقتصادية ، وعلى أساس من مصلحتها المشتركة فى اتقاء الحرب الثالثة التي ستدمرها تدميرا

ولكن هنالك أساسا آخر أشمل وأوفى ؛ يتضمن هذه المقومات السابقة ، ويزيد عليها عنصر آخر له أثره العميق في النفس البشرية . ذلك هو الفكرة المشتركة من الحياة ، تلك التي تقبع منها كل مقومات الحياة الأخرى

لقد قال • ماك أرثر » قائد الحملة الرأسمالية السابق في

كورية : إن الحرب فى كورية حرب مذهبية ؛ وهو يعنى أنها حرب بين فكرتين : فكرة الشيوعية وفكرة الرأسمالية . وهذا يقتضى أن تقوم الكتلة الثالثة حين تقوم على أساس فكرة مستقلة عن الشيوعية ون الرأسمالية جميعا ، كي تستطيع أن تك بيدها الميزان ، وأن يكون لها هدف مستقل عن هؤلاء وهؤلاء ، وفكرة ثالثة تدعو إليها الفريقين ، ولا تضيع هي في قمار إحدى الكتلتين

كورية : إن الحرب فى كورية حرب مذهبية ؛ وهو يعنى أنها حرب بين فكرتين : فكرة الشيوعية وفكرة الرأسمالية . وهذا يقتضى أن تقوم الكتلة الثالثة حين تقوم على أساس فكرة مستقلة عن الشيوعية ون الرأسمالية جميعا ، كي تستطيع أن تك بيدها الميزان ، وأن يكون لها هدف مستقل عن هؤلاء وهؤلاء ، وفكرة ثالثة تدعو إليها الفريقين ، ولا تضيع هي في قمار إحدى الكتلتين

إننا نعلم - الآن على الأقل بعد ما صدرت عدة مؤلفات حديثة تكشف لنا عن النظام الاجتماعي الإسلامي ، وتشرح لنا فكرة الإسلام الأصيلة عن الحياة – أن هذا النظام ليس هو النظام الرأسمالي كما تعرفه الكتلة الغربية ، وليس هو النظام الشيوعي كما تعرفه الكتلة الشرقية ؛ إنما هو نظام اجتماعي مستقل ، يقوم على أساس فكرة من الحياة مستقلة . وقد تتشابه بعض جزئياته أحيانا مع النظام الرأسمالي ، كما تنشابه بعض جزئياته أحيانا مع النظام الشيوعى . ولكنه ليس أحدهما بكل تا کید . فهو نظام آخر ذو مقومات أخرى . ميزته أنه يحقق مزايا النظامين ويتقى عيونهما في الوقت ذاته

ولكني أكتف بالإشارة إلى مسألة واحدة تثبت كيف يجمع النظام الإسلامي بين مزايا الرأسمالية والشيوعية وكيف يتقى عيوبهما جميعا ... تلك هي مسألة الملكية الفردية

إن الرأسمالية لتطاق حق الملكية الفردية ، وتدع رؤوس الأموال تتضخم ، فلا نتدخل حين تتدخل إلا بفرض الضرائب على الأرباح ، بنسب عالية كما اضطرت إلى ذلك أخيرا .. وميزة

هذا النظام أنه لا يقاوم الحوافر البشرية الطبيعية للتملك ، ولا يضعف الرغبة في العمل إلى أقصى حد وبذل الطاقة إلى اقه ى حد ، ما دام الفرد يحس أن جهده له وعانيته إليه . وعيبه  أنه يدع الرغبة الجامعة في الكسب تطفى على المصالح الجماعية و تدوس على حقوق المنتجين الحقيقيين وهم العمال ، كما تدفع بالدولة إلى الحرب لضمان الأسواق للتصريف ، وضمان الخامات بسعر رخيص .. إلى آخر عيوب الرأسمالية التي تشنع بها الشيوعية

وإن الشيوعية لتصادر حق الملكية الفردية ، وتضع كل الموارد ومرافق العمل فى يد الدولة ... رميزة هذا النظام أنه يمنع كل عيوب الرأسمالية التى أسافنا . ولكن عيبه أنه يقاوم الحوافز البشرية الطبيعية ؛ ولا يحفز الفرد إلى بذل أقصى طاقة ما دام الحد الأعلى لما يحصل عليه هو مجرد كفاية ... وقد اضطر ستالين أن يخرج على قاعدة رئيسية من قواعد الماركسية فيديح التفاوت بين الأفراد يحسب تفاوت الكفايات ، ويبيح نوما من الملكية الفردية الشخصية ، وبدأت الشيوعية بذلك تكذب نفسها في هذا وهى في أيامها الأولى ! - كما أن عيب هذا النظام هو مقاومته لحرية الفرد فى العمل ، وحريته في الاعتقاد ، وحريته في السلوك. وهى حريات قد يصير جيل أو جيلان أو عدة أجيال على فقدها ، لأنهم في معركة مع النظم الأخرى، ولكن البشرية بطبيعتها لا تصبر على فقدان هذه الحريات طويلا، وإذا ماتت فيها رغبة الحرية فقد سخت فطرتها مسخا ؛ وخسرت كيانها الإنساني في بيل لقمة الخيز كالماشية والحيوان !

فأما الإسلام فيبيح الملكية الفردية ، محققا كل المزايا التي تحققها هذه الإباحة . وفي ذات الوقت يحرم وسائل الكسب التي تضخم رؤوس الأموال على حساب الطبقات العاملة أو على حساب المجتمع كله . فهو يحرم الربا، والاحتكار ، ويقضى بتأميم المرافق العامة التي يشترك في الانتفاع بها الناس جميعا ؛ ويجعل للعمال حقهم فى نصف الربح الناتج من العمل ( استنادا إلى تصرف النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل خيبر ) .. ثم هو يأخذ -

اثنين ونصفا في المائة من رأس المال - لا من الأراح - كل عام في صورة زكاة . . ثم - وهذا هو الأهم - يبيح للدولة الممثلة للجماعة أن تأخذ من رؤوس الأموال - لا من أرباحها وحدها - ما تستلزمه الحاجة بلا قيد ولا شرط تحقيقا ابدا المصالح المرسلة ، أى التي لم يرد فيها نص ، وليدإ ه سد الذرائع ، أى اتقاء النتائج السيئة المحتملة – وهما مبد آن مقرران في الإسلام ، وإلى المبدا الأول يستند الإمام مالك في منح الحاكم حق الأخذ من أموال الأغنياء بقدر حاجة الجند إذا لم يكن في بيت المال الكفاية .. ومثل حاجة الجند للدفاع سائر الحاجات الاجتماعية التي تبرز على توالى الأزمان

و بذلك يتقى الإسلام كل عيوب الملكية الفردية ويبقى مزاياها جميعا . ويحقق كما قلت مزايا النظامين : الرأسمالي والشيوعي ويتي عيوبهما جميعا

وهو بهذا نظام مستقل ، تشبهه الرأسمالية أحيانا وتشبهه الشيوعية أحيانا، ولكنه ليس واحدا منها بكل تأكيد، ونحن لا تكذب قولنا ، ولا نكذب حقائق النظام الإسلامى الواضحة لنقول مع دعاة الشيوعية : إن الإسلام رأسمالي ، أو أنه لا يمكن أن يكون نظام ما إلا نظاما وأسماليا ، أو نظاما شيوعيا ، ولا ثالك لهما في الواقع ولا في التفكير ، كما يقولون في تحجر ، ثم انتظرون منا أن تسلم لهما بما يقولون !

هنالك إذن فكرة ثالثة لنظام اجتماعي ثالث ، يمكن أن تقوم على أساسها الكتلة الثالثة ، فتكون لها كل مقومات الكتلة المستقلة . وليست هي بحاجة إذن إلى الاندماج أو الفناء في إحدى الكتلتين ، أو في إحدى الفكرتين

هذه الفكرة الثالثة ليست مجرد عقيدة دينية - كما يريد بعضهم أن يتصور - إنما هي نظام اجتماعي كامل يقوم على هذه المقيدة ؛ بل نظام إنساني شامل يحدد العلاقات بين الأفراد والجماعات ، وبين الشعوب والحكام ، وبين الدولة والدول في المجتمع الدولى ، والمحيط الإنساني .. وهذه ميزتها الكبرى . ميزنها أن توحد بين عقيدة الفرد ونظام المجتمع ، وشكل الدولة ،

وعلاقات البشرية . فإذا نقذ الفرد عقيدته ، فهو في الوقت ذاته يؤدي واجبه - بهذا التنفيذ - كفرذ في جماعة ، وفرد في دولة ، وقرد في إنائية . بلا تعارض بين نشاطه في هذه المجالات جميعا

والنظام الذى يقوم على أساس عقيدة ، ويستمد منها وجوده و حدوده ، هو نظام أقوى وأعمق وأقدر على المقاومة؛ لأنه يستمد قوته من داخل النفس ومن أعماق الضمير ، ومن سلطان لا يسلوه في النفس سلطان

اشترك في نشرتنا البريدية