الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 578الرجوع إلى "الثقافة"

الكشف عن مناهج الأدلة فى عقائد الملة، لابن رشد ( ١ )، بمناسبة تقريره على طلبة السنة التوجيهية هذا العام

Share

- ١ -

تمهيد : تمتاز فلسفة ابن رشد بالعمق في النقد والتحليل ، كما أن ابن رشد يمتاز بقدرته الفائقة على الشرح ، حتى أن الأوربيين سموه بالشارح ، ولابن رشد طريقة في النقد يتفرد بها وحده . فعنده أن للأقاويل ثلاث مراتب ( ١ ) برهانية ( ٢ ) جدلية ( ٣ ) خطابية ؛ وحين نقده يفند آراء خصمه، ويوضح أنها قاصرة عن رتبة اليقين والبرهان . ويلحقها بالجدلية أو الخطابية . ولابن رشد ناحية أخرى ، هي ناحية التوفيق بين الآراء المتعارضة ، وأخذ الحق المشترك بينها ؛ وهذه هي ناحية التوفيق والجمع بين الفلسفة والدين .

وفي هذا الكتاب تبدو الناحيتان : ناحية النقد العميق . لآراء المتكلمين ، وإثبات أن ما قالوه ليس مراد الشرع ؛ وناحية الكشف عن مراد الشرع .

وعند ابن رشد ، أن الناس على ثلاث مراتب : ( ١ ) الخطابيون : وهم ليسوا من أهل التأويل وهم الجمهور الغالب ( ٢ ) الجدليون ، بالطبع فقط أو بالعادة والطبع معًا ، وهم من أهل التأويل الجدلي ( ٣ ) البرهانيون وهم من أهل التأويل اليقيني ، وهم العلماء الراسخون ، والقلة النادرة .

وعند ابن رشد أيضًا ، أن الشريعة فيها : ظاهر ، ومؤول ؛ والظاهر فرض الجمهور ، والمؤول فرض العلماء . ويحمل الجمهور على الظاهر ولا يحل للعلماء تأويله .

ومقصده في هذا الكتاب : البحث عن الظاهر الذي قصد به الشرع حمل الجمهور عليه ؛ ويتحرى في ذلك جهده فإن قد حدثت في الشرع فرق ضالة . يكفر بعضها بعضًا . وأشهرها : الأشعرية، والمعتزلة ، والباطنية ، والحشوية ويبدأ يناقش هذه الفرق.

القسم الأول من الكتاب

الفصل الأول ( ١ ) مناقشة الفرق

بدأ بالبحث عن الطريق التي تؤدي إلى معرفة الله ووجوده . وأخذ يناقش الفرق الأربع . ليثبت أن آراءها أقاويل محدثة وتأويلات مبتدعة .

الفريق الأول : الحشوية . وبدأ بالحشوية القائلة : إن معرفة وجود الله بالسمع لا بالعقل . وهي مقصرة حيث دعا الشرع إلى الإيمان بالباري بأدلة عقلية في غير ما آية.

الفريق الثاني : الأشعرية ويرى أكثر الناس أنهم أهل السنة ، وهم غالبية المسلمين وهم الذين ينصب عليهم كل نقد ابن رشد في الكتاب تقريبًا - وقد اتبنت طريقة الأشعرية على القول بحدوث العالم ، واتبنى عندهم حدوث العالم على القول بتركيب الأجسام من أجزاء لا تتجزأ ( الجواهر المفردة ) ، والجزء الذي لا يتجزأ حادث . . ويناقش ابن رشد مسألة حدوث العالم ( ورأي ابن رشد في العالم أنه قديم مخلوق ) - ويتلخص نقده في :

١ - أن المحدث له فاعل محدث ، ولا يمكن أن يكون هذا المحدث أزليًا إذا تعلق فعله بالحادث . ولا يوجد فعل حادث عن فاعل قديم ، لأن المقارن للحوادث حادث . وإن

كان أزليًا ، فيجب أن يكون فعله المتعلق بالموجودات أزليًا ، فتكون الموجودات أزلية.

٢ - إذ لماذا يحدث الله الفعل في زمن دون غيره .. ؟ . . إذًا هناك علية تتحكم فيه فتصيره حينًا يفعل وحينًا لا يفعل .

- وأما ما يقولونه في جواب ذلك : من أن الفعل الحادث كان بإرادة قديمة ، فليس بمنج . لأن الإرادة غير الفعل المتعلق بالمفعول ؛ وإذا كان المفعول حادثًا ، كان الفعل المتعلق به حادثًا أيضًا ، وكان فاعل الفعل حادثًا هو الآخر .

٤- ولماذا تتعلق الإرادة المتقدمة على المراد بوقت مخصوص ..؟.. ضرورة أن هناك عزمًا على الإيجاد لم يكن قبلا .. أي أن هناك حالة تزيد ؛ وإن لم تكن هناك حالة زادت لم يكن وجود الفعل في هذا الوقت أولى من عدمه ( ص ٣٣-٣٤ ) .

ثم يعرج ابن رشد على المسألة الثانية لدى الأشاعرة ، وهي طريقتهم في إثبات العالم ، بأنها لا تصلح للعلماء لأنها ليست برهانية ، ولا للجمهور لأنه لا يقبلها بطبعه ، وهو ينبه على ذلك فيقول : إن لهم في إثبات العالم طريقان :

الطريق الأول ، وهو الأشهر ، وينبني على ثلاث

مقدمات : ١ - الجواهر لا تخلو من الأعراض . ٢ - الأعراض حادثة . ٣ - إن ما لا يخلو عن الحوادث حادث . وببدأ ابن رشد في نقد مقدماتهم الثلاث : ١ - نقد المقدمة الأولى : يعنون بالجوهر الجزء الذي لا ينقسم ( الجوهر الفرد ) ، وفي ذلك شك .

( ١ ) لأن وجود جوهر غير منقسم ليس معروفًا نفسه ، ودليلهم على ذلك خطابي ، فهم يقولون : إننا نقول إن الفيل أعظم من النملة من قبل زيادة أجزاء فيه على أجزاء النملة ، إذا فهو ليس واحدًا بسيطًا ، بل مؤلف من تلك الأجزاء ؛ وقد دخل عليهم الغلط من شبه الكمية المنفصلة ( العدد ) بالمتصلة ( السطوح والأجسام ) ( ص ٣٥ ) .

( ب ) الكم المتصل ( وهو متناهي ) إذا انقسم إلى أجزاء لا نهاية لها كان في المتناهي لانهاية ، وهو تناقض .

٢- نقد المقدمة الثانية : وأدلتهم على حدوث الأعراض

تنبني على قياس الشاهد على الغائب ، وهو دليل خطابي ، إذ الشك في حدوث الأجسام كالشك في حدوث أعراضها.

٣ - نقد المقدمة الثالثة : ويريدون منها ما لا يخلو من جنب الحوادث ويخلو من آحادها ؛ وهي باطلة لأنه يلزم عنه حدوث المحل ، ولأنه يمكن أن يتصور المحل الواحد ( الجسم ) تتعاقب عليه أعراض غير متناهية ( ص ٣٩ ) .

الطريق الثاني : وهو طريق أبي المعالي ( يعني إمام الحرمين ) وينبني على مقدمتين :

١ - جميع ما في العالم جائز أن يكون على مقابل ما هو عليه ، حتى يكون من الجائز مثلًا أصغر مما هو عليه أو اكبر ، أو أن تكون حركة كل متحرك إلى ضد الجهة التى يتحرك إليها ، فيتحرك الحجر إلى فوق والنار إلى أسفل ( أي تنعكس قوانين الطبيعة ) .

٢ - أن الجائز محدث وله محدث - أي فاعل صيره بأحد الجائزين أولى منه بالآخر ، أي خلق العالم على ما هو عليه بأنظمته وقوانينه .

وبدأ ابن رشد في نقد مقدمتي طريقهم الثاني :

١ - نقد المقدمة الأولى : هذه المقدمة خطابية وليست برهانية ، لأنها مبطلة لحكمة الله ، إذ ما الحكمة في أن يرى الإنسان بأذنه ، ويشم بعينه ..؟ .. ولا بد أن خلق الانسان والعالم بما هو عليه لحكمة أو سبب اقتضيا ذلك.

٢ - نقد المقدمة الثانية : وهذه المقدمة غير بينة بنفسها ، ولا تتضح إلا لأهل البرهان ، وقد اختلف فيها العلماء ؛ وأجاز " أفلاطون " أن يكون شئ جائزا أزليًا ومنعه " أرسطو " .

وسيناقش ابن رشد مسألة الجواز هذه بعنف أكثر حين الكلام عن خلق العالم ( ص ٨٥-٩٠ ) فقد تبين أن طرق الأشعرية المشهورة ليست يقينية ولا بسيطة .

الفريق الثالث : الصوفية . وطريقتهم ، ليست نظرية يعني مركبة من مقدمات وأقيسة ، ولكنها إشراقية ، فهم يزعمون أن معرفة الله تلقى في النفس عند تجريدها من العوارض الشهوانية . ويحتجون لذلك بظواهر الشرع ، مثل : " واتقوا الله ويعلمكم الله " وعنده - أي عند ابن رشد - أن هذه طريقة خاصة وليست عامة ، ولا ينكر إفادة تجريد

النفسي من العوارض الشهوانية - ورأيه في التصوف من أصوب الآراء .

الفريق الرابع : المعتزلة . وهؤلاء لم تصل إلى ابن رشد كتبهم ، إذ يقول : لعل طرقهم من جنس طرق الأشعرية . وهذا لا يعقل ، إذ أن كتب خصومهم مملوءة بآرائهم ، وقد عرض هو بعض آرائهم في كتابه ، ولكنه لم يرد أن يطيل حبل النقاش .

( ب ) دليلا العناية والاختراع

والأدلة التي دعا الشرع الناس إلى الإقرار بوجود الله من بابها ، تنحصر في دليلين ؛ هما دليلا العناية والاختراع .

١ - أما دليل العناية : فيوقف عليه من العناية بالإنسان وخلق جميع الموجودات من أجل هذه العناية وينبني على أصلين : الأول : أن جميع الموجودات موافقة لوجود الإنسان ؛ والثاني : أن الموافقة من قبل فاعل قاصد لذلك .

٢ - وأما دليل الاختراع : فيوقف عليه مما يظهر من اختراع جواهر الموجودات ، مثل اختراع الحياة في الجماد . والإدراكات الحسية والعقل ، وينبني على أصلين موجودين في فطر الناس بالقوة . الأول : أن هذه الموجودات مخترعة فنحن نرى الأجسام الجمادية تحدث فيها الحياة . والثاني : أن كل مخترع له مخترع .

وقد أتى القرآن بذلك وتنقسم الآيات إلى ثلاثة أنواع : ١ - آيات تدل على العناية فقط ، مثل : " ألم يجعل الأرض مهادا ، والجبال أوتادا " ، فجعل الأرض مهادا حتى يستطيع الإنسان أن يعيش ، وجعل الجبال أوتادا حتي لا تميد الأرض ؛ ومثل قوله تعالى : " الذي جعل في السماء بروجًا ، وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا " .. إلى غير ذلك .

٢ - آيات تدل على الاختراع مثل قوله تعالى : " فلينظر الإنسان مم خلق، خلق من ماء دافق " ومثل " أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ... الآيات" وغير ذلك .

٣ - آيات تجمع بين الدلالتين ( ١ ) : دلالة العناية

ودلالة الاختراع ؛ مثل قوله تعالى : " وآية لهم الأرض الميتة أحييناها ، وأخرجنا منها حبًا فمنه يأكلون " .

وهذه الطريقة لمعرفة الله هي طريقة أهل البرهان والجمهور . والفرق بين العطاء والجمهور ، أن الجمهور يقتصر في معرفته على ما يدرك بالحواس ، أما العلماء فيزيدون على ما يدرك بالحواس ما يدرك بالبرهان . ومثل الدهريين كالذي يحس بالمصنوعات ولا يعترف بها ، بل ينسب ما فيها من الصنعة إلى الاتفاق والأمر الذي يحدث من ذاته .

الفصل الثاني : الوحدانية

نص الكتاب على الوحدانية في ثلاث آيات ، الأولى : " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " وهي برهان على امتناع وجود إلهين فعلهما واحد ، الثانية : " ما اتخذ الله من ولد، وما كان معه من إله ؛ إذا لذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض ، سبحان الله عما يصفون " وهذا رد على من يصنع آلهة كثيرة مختلفة الأفعال ؛ الثالثة : " قل لو كان معه آلهة كما يقولون ، إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلًا " ، وهي كالأولى إلا أنها رد على امتناع آلهة مختلفة الأفعال ، لأن اختلاف أفعالها لا ينتج عنه عالم واحد .

وهذا هو الدليل في الوحدانية بالطبع والشرع . والفرق بين معرفة العلماء والجمهور هو في العمق والتفصيل فقط.

ويرد ابن رشد على الأشاعرية الذين يستنبطون من هذه الآية دليل للممانعة ، ويسمونه دليل السير والتقسيم وهو دليل لا يقدر الجمهور على فهمه ، فضلًا عن أن يعتقد بصحته ، وذلك لأن ( ١ ) دليل الممانعة المذكور هو ما يعرف لدي المناطقة بالقياس الشرطي المنفصل ، والدليل الذي في الآية هو الشرطى المتصل ؛ والفرق بين الدليلين معروف ( ٢ ) العقل يجوز الاتفاق بين الآلهة وهو الأليق ( ٣ ) أن المحال الذي أفضى إليه دليلهم غير محال الآية ؛ وذلك أن محالهم : أن يكون العالم - ١ - إما لا موجودًا ولا معدومًا - ب - وإما أن يكون موجودًا معدومًا ج - وإما أن يكون الإله عاجزا مغلوبًا ؛ أما محال

الآية فموقوت بوقت فساد العالم ، ولكن العالم غير فاسد ، فواجب أن يكون هناك إله واحد .

الفصل الثالث : الصفات

صرح الكتاب بوصف الله بأوصاف هي أوصاف الكمال الموجودة للإنسان ، وهي سبعة : العلم ، الحياة ، القدرة ، الإرادة ، السمع ، البصر ، الكلام .

١ - العلم : دل الكتاب على هذه الصفة بقوله : " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير " . ووجه الدلالة : أن الشئ المصنوع يدل من جهة الترتيب لأجزائه وتركيبها بحيث توافق بعضها بعضًا على صانعع عالم بها - وهي صفة قديمة لا يجوز عليه سبحانه أن يتصف بها وقتا ما ، فهو يعلم المحدثات حين حدوثها ، والله عالم بالشئ قبل أن يكون على أنه سيكون ، وعالم بما كان على أنه قد كان .

٢ - الحياة وظاهر وجودها من صفة العلم ، إذ من شرط العلم الحياة في الشاهد ، والشرط ينتقل فيه الحكم من الشاهد إلى الغائب .

( ٤،٣ ) الإرادة والقدرة : من شرط صدور الشئ عن العالم الفاعل أن يكون مرادًا له وكذلك من شروطه أن يكون قادرًا ، وهو مريد لكون الشئ في وقت كونه ، وغير مريد لكونه في غير وقت كونه .

٥ - الكلام : وهو إفهام المخاطب بأي دلالة . والإنسان يقدر على ذلك ؛ أفلا يقدر عليه الله . . ٢ وللكلام واسطة في الشاهد وهي اللفظ ، وكلام الله يكون ( ١ ) بالوحي ، وهو بدون لفظ ، بل بانكشاف المعنى بفعل يفعله الله في نفس المخاطب ( ب ) أو من وراء حجاب ، وهو بلفظ يخلق في نفس من اصطفاه ( ج ) أو بواسطة رسول - أي ملك - والقرآن - كلام الله - قديم واللفظ الدال عليه مخلوق ، والحروف في الصحف من صنعنا ، وهي تدل على اللفظ المخلوق والمعنى الذي ليس بمخلوق .

( ٧،٦ ) السمع والبصر : صفتان لله ، إذ هو لا بد عالم بمدركات السمع والبصر .

وهذا هو القدر الذي نص عليه الشرع من أمر

الصفات ، في تعليم الجمهور . ومن البدع التي حدثت في هذا الباب السؤال عن الصفات ، هل هي عين الذات ( نفسية ) ..؟.. أو زائدة على الذات ( معنوية ) ..؟.. فالأشاعر يقولون : إنها معنوية ، فالله عالم بعلم زائد على ذاته . قادر بقدرة زائدة على ذاته ... وكذا في باقي الصفات ؛ ولزم من ذلك أن يكون الخالق جسمًا ، لأن هناك صفة وموصوفًا ، وحاملًا ومحمولًا ، وهذه حال الجسم . ومن هذا الموضع زلت النصارى ، إذ اعتقدت كثرة الصفات ، وأنها جواهر قائمة بنفسها كالذات عندهم ( الأقاليم ثلاثة : الوجود ، والحياة ، والعلم . ص ٥٨-٥٩ ) .

وأما المعتزلة فيقولون : إن الصفات نفسية ( تهربًا من أن يكونوا مكثرين كالنصارى)  ، أى أن الذات والصفات أمر واحد ، وذلك بعيد ، لأن صفة العلم غير العالم ، وهذا التشعيب بعيد عن مقصد الشرع . والذي ينبغي أن يعلم من أمر هذه الصفات هو ما صرح به الشرع فقط ، وهو الاعتراف بوجودها دون تحصيل الأمر هذا التفصيل ، إذ أن ذلك لا يفيد الجمهور ولا الجدليين ، بل يضلل هؤلاء وهؤلاء.

الفصل الرابع ( ١ ) في معرفة التشريع

ما هي طريقة الشرع في تنزيه الله ..؟.. وما القدر الذي اقتصر عليه من ذلك ..؟.. ولماذا اقتصر على هذا القدر ..؟..

صرح الله بذلك في غير ما آية ، وأبينها في ذلك وأتمها قوله تعالى : " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " وبرهان ذلك قوله " أفمن يخلق كمن لا يخلق " ويفهم من ذلك أن الشرع صرح بنفي المماثلة بين الخالق والمخلوق . ويفهم من ذلك شيئان ( ١ ) أن يعدم الخالق كثيرًا من صفات المخلوق ( ٢ ) أن توجد فيه صفات للمخلوق على جهة أتم وأفضل بما لا يتناهى في العقل ، وقد نهى الشرع عنه صفات النقائص التى فيها الموت والنوم والنسيان والخطأ .. الخ.

( ب ) صفة الجسمية

وهي من الصفات المسكوت عنها ، والشرع إلى التصريح بإثباتها أقرب منه إلى نفيها ، فقد صرح بالوجه واليدين .

وعند ابن رشد ، أن الواجب ألا يصرح فيها بنفي ولا إثبات ، ويجاب من سأل في ذلك بقوله تعالى : " ليس مثله شيء وهو السميع البصير " وينهى عن هذا السؤال . ويبدو أن ابن رشد في جل فلسفته التوفيقية بحل المشاكل بالإعراض عنها . . وليس عند المتكلمين دليل بنفي الجسمية عنه تعالى ، وهذا هو السبب :

( الأول ) أن الشرع لم يصرح بأنه ليس بجسم . ( الثاني ) أن الجمهور لا يقدر على إدراك غير متخيل ولا محسوس ( الثالث ) إذا صرح بنفي الجسمية عرضت في الشرع شكوك كثيرة مما يقال في المعاد والرؤية وغير ذلك . ( الرابع ) ويوجب ذلك : انتفاء الجهة عن الخالق سبحانه وقد ثبتت بالشرائع كلها ، إذ الوحي نازل من السماء ( الخامس ) يوجب التصريح بنفيها نفي الحركة . وبنفي الحركة : لا يفهم ما جاء في صفة الحشر من أن الله يطلع على أهل الحشر ولو سلط على ذلك التأويل عاد الشرع كله مؤولا ، فهذا يجاب السائل في ذلك إذًا ..؟..

يجاب بجواب الشرع ، فيقال إن الله نور ( ص ٦٥ ) وهذا المثال مناسب لأن النور محسوس يعجز البصر والأفهام عن إدراكه ، والله سبب الموجودات وسبب إدراكنا لها ، والنور مع الألوان هذه صفته ، أعني أنه سبب وجود الألوان بالعقل .

( ح) الجهة

أثبتها أهل الشريعة من أول الأمر لله ، ثم نفتها المعتزلة وتبعتها الأشعرية ، ولكن ظواهر الشرع تفضي بإثبات الجهة مثل قوله تعالى : " ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية " ، " تعرج الروح والملائكة إليه " ، " أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض " . . إلى غير ذلك من الآيات التي إن أولت عاد الشرع مؤولا ، وإن قيل إنها من المتشابهات كان الشرع كله من المتشابهات ، والشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء ، ومنه تنزل الملائكة بالوحي إلى الرسل .

وقد نفي نفاة الجهة عن الله ذلك . لظنهم أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان ، وإثبات المكان يوجب الجسمية ،

ويقول ابن رشد : إن الجهة غير المكان ( ص ٦٧ ) ، ووجه العسر في تفخيم هذا المعنى مع نفي الجسمية هو أنه ليس لها مثال في الشاهد.

واستطرد ابن رشد فتحدث عما عرض في الإسلام من التأويل ، وتكلم عن التأويل وتاريخه ( ص ٦٩-٧٤ ) ونحن نرجىء هذا إلى الكلام عند قانون التأويل.

( و ) مسألة الرؤية

قالت المعتزلة : إن كل مرئي في جهة من الرائي ، وإذا رؤى الله كان في جهة ، وإذا كان في جهة كان جسمًا ؛ ولذا نفوا الرؤية ، وأولوا الأخبار الواردة فيها .. أما الأشاعرة فراعوا الجمع بين نفي الجسمية وبين جواز الرؤية ، فعسر عليهم ذلك ، واضطروا إلى أقوال سوفسطائية . وانقسم كلامهم إلى قسمين :

أولا : أدلتهم على رفع قول المعتزلة ( ١ ) جائز أن يرى الإنسان ما ليس في جهة ، إذ يرى بالقوة المبصرة نفسها دون عين ؛ وقد اختلط عليهم إدراك العقل مع البصر ، إذ العقل هو الذي يدرك ما ليس في جهة ( ٢ ) قال الغزالي : إن الإنسان يرى ذاته في المرآة مع أن ذاته لا تحل في المرأة ، فهو يبصر ذاته في غير جهة . وهذه مغالطة : إذ الذي يبصر هو خيال ذاته والخيال في جهة ، إذ الخيال في المرآة ، والمرآة في جهة.

ثانيًا : أدلتهم في إمكان رؤية ما ليس بجسم . ويقولون في ذلك : إن الشئ يرى من قبل أنه لون أو جسم أو أنه موجود ؛ فإن كان يرى من جهة أنه لون لما رئى الجسم . ولو رئى من جهة أنه جسم لما رئى اللون ، فلم يبق إلا أن يرى من جهة أنه موجود . وهذه مغالطة . إذ الشئ يرى بذاته وهذه حال اللون والجسم . ثم لو سلمنا بأن الأشياء ترى من جهة أنها موجودة . لوجب أن نرى الأصوات وسائر المحسوسات ( إذ هي مشتركة في الوجود ) وكانت الحواس حاسة واحدة . وقد أخذ في إلزامهم المحالات من جراء أقوالهم .

(يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية