البترول فى أوقات السلام مادة أساسية تعتمد عليها وسائل النقل الحديثة ، وتستخدم فى إدارة كثير من الآلات ، ولكنه فى أوقات الحرب ضرورة لاغنى عنها ولا يمكن الانتفاع بمعدات القتال الحديثة بدونها .
فالطيارات ، والغواصات ، والدبابات ، والسفن الحربية ، ومطابخ الميدان ، والمدافع الضخمة ، كلها تدار بالبترول وتضعف حركتها جميعا إذا نقص موردها منه .
ولا نزاع فى أن النصر فى هذه الحرب القائمة معقود للفريق الذى لا ينقطع مدده من البترول ، ولا تقصر موارده عن سد حاجاته المتزايدة منه .
فلنلق نظرة على موقف كل من الفريقين المتحاربين من مشكلة البترول .
يبلغ إنتاج العالم السنوى من البترول نحو مائة وأربعين مليونا من الأطنان ؛ وأهم الجهات التى يستخرج منها هى الولايات المتحدة ، وهى أكبر منبع لهذه المادة الثمينة ، والروسيا ، وإيران ، والشرق الأدنى ، ورومانيا ، وفنزويلا ، وجزر الهند الشرقية الهولاندية ، وكندا .
وتكاد كل موارد البترول فيما عدا الولايات المتحدة وروسيا ورومانيا تقع تحت تصرف بريطانيا العظمى ، وحليفتها وأصدقائهما .
وأهم الموارد التى تعتمد عليها بريطانيا إيران ، ولها فى ثغر عَبادان محطة تكرير تنتج وحدها سنويا نحو ١١ مليون طن ، وجزر الهند الغربية الهولاندية وبها محطتان لتكرير بترول فنزويلا تنتجان سنويا نحو ستة عشر مليونا من الأطنان .
ويضاف إلى هذه النابع جزر الهند الشرقية الهولاندية ، وهذه تنتج نحو ثمانية ملايين طنا سنويا ، والعراق وينتج
نحو أربعة ملايين ونصف ، وكولومبيا وتنتج أكثر من ثلاثة ملايين ، وترينيداد وبيرو وتنتجان معا نحو خمسة ملايين ، وكندا وتنتج نحو مليون طن ، ومصر وتنتج نحو ربع مليون طن .
وهذه الموارد كلها تمد بريطانيا وفرنسا وصديقاتهما من الدول . والولايات المتحدة كذلك وعطفها عليهما ظاهر ، تستطيع أن تمدهما عدا هذا كله بالكثير من بترولها .
وبحكم سيادة بريطانيا فى البحار ، وكثرة ما تملك من مراكب الزيت التى تنقله من محطات التكرير ، تستطيع أن تطمئن هى وحليفتها إلى مدد متصل منه يسد حاجاتهما الصناعية والعمرانية ، وحاجاتهما الحربية الكثيرة .
أما ألمانيا فتنتج فى بلادها نحو مليونين ونصف ، ويدخل فى ذلك ما تصنعه بطريق التركيب الكيميائى البارع ، وهذا القدر لا يكاد يفى بثلث حاجتها وقت السلم ، وهى تعتمد فى سد حاجاتها على ما تستورده من إيران ورومانيا والولايات المتحدة وجزر الهند الهولاندية .
والحصار البحرى الذى ضربته عليها بريطانيا وفرنسا يضيق عليها الفرصة فى أن تنال شيئا من البترول من إيران أو أمريكا أو جزر الهند . أما رومانيا فكل ما تنتجه من البترول يبلغ نحو ستة ملايين من الأطنان ، ولا تأخذ ألمانيا منه إلا ما دون النصف ؛ على أنها لو أخذته كله لما وفى بحاجتها وقت الحرب ؛ ومع هذا فلا يحتمل أن تأخذه إلا إذا وضعت يدها على رومانيا ، وفى تلك الحالة يرجح أن تنسف آباره كما حدث فى الحرب العظمى الماضية فلا تنتفع به .
بقى أن تتطلع ألمانيا إلى روسيا تستمد منها حاجتها من البترول ، وروسيا تنتج نحو ثلاثين مليونا من الأطنان ، ولكنها تستهلكها جميعا لحاجاتها ، ولا تكاد ظروفها تسمح
بالبترول عن شىء منه لأحد .
لم يبق من سبيل لألمانيا لاستيفاء حاجتها من البترول إلا ما يرد إليها بما يشبه التهريب من الأمم المحايدة ، ومن المحتمل أن يضيق عليها خصومها السبل فى ذلك .
وأكبر الظن أنها أعدت العدة من قبل لهذه الحرب التى بيتتها ، وأنها ادخرت منه كميات كبيرة ، ولكن هذه الكميات ستقل كلما طال أمد الحرب ؛ وسيأتى اليوم الذى لا يغنيها فيه كثرة ما أعدّت من عدد لأن قلة الزيت تضعف انتفاعها بها . .
